الأمية في عصر التكنولوجيا.. هل تكفي القراءة والكتابة لمواجهة تحديات الحياة؟
رام الله –نساء FM- لم تعد الأمية في عالم اليوم تعني فقط عدم القدرة على القراءة والكتابة، فمع تسارع التحول الرقمي وانتشار التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، باتت القدرة على التعامل مع الأدوات الرقمية وفهم المعلومات وتوظيفها، إلى جانب امتلاك مهارات التفكير والتواصل والتكيف، جزءاً أساسياً من قدرة الإنسان على التعلم والعمل ومواجهة متطلبات الحياة.
وفي الثامن من أيلول من كل عام، يحتفي العالم باليوم العالمي لمحو الأمية، باعتباره مناسبة تؤكد أن التعليم والمعرفة حق أساسي لكل إنسان، وأحد أهم أدوات التمكين وبناء المجتمعات. وفي ظل عالم سريع التغير، تتدفق فيه المعلومات وتتسارع فيه التحولات، يطرح هذا اليوم سؤالاً يتجاوز المفهوم التقليدي للأمية: هل تكفي القراءة والكتابة وحدهما لإعداد الإنسان لمواجهة تحديات الحياة وسوق العمل؟
وفي هذا السياق، ناقش برنامج "صباح نساء" مفهوم الأمية في عصرنا الحالي، ومدى قدرة القراءة والكتابة وحدهما على إعداد الإنسان لمواجهة تحديات الحياة وسوق العمل، وذلك في لقاء مع الدكتور حسن مفارجة، أخصائي التنمية البشرية والأسرية والمستشار التربوي وخبير علم النفس العصبي.
من الأمية التقليدية إلى الأمية الرقمية
وأوضح مفارجة أن مفهوم الأمية كان يُنظر إليه تقليدياً باعتباره عدم القدرة على القراءة والكتابة، إلا أن التطور التكنولوجي أوجد مفاهيم جديدة للأمية، من بينها الأمية الرقمية، التي ترتبط بمدى قدرة الإنسان على استخدام التكنولوجيا والتعامل معها والاستفادة منها في حياته اليومية والتعليم والعمل.
وأشار إلى أن انتشار الهواتف الذكية والتكنولوجيا بشكل واسع أدى إلى زيادة أعداد المستخدمين لهذه الأدوات، لكن امتلاك الهاتف أو القدرة على استخدام بعض التطبيقات لا يعني بالضرورة امتلاك المهارات الرقمية الكافية، موضحاً أن الاستخدام الحقيقي للتكنولوجيا يرتبط بالقدرة على توظيفها في التعلم والعمل والإنتاج والوصول إلى المعلومات والتعامل معها بصورة صحيحة.
وبيّن أن المهارات الرقمية أصبحت من المهارات الأساسية المطلوبة في سوق العمل، خصوصاً مع التحول المتسارع نحو الرقمنة ودخول الذكاء الاصطناعي في العديد من المجالات، مشيراً إلى أن الأشخاص الذين لا يستطيعون مواكبة هذه التطورات قد يجدون أنفسهم أمام فرص أقل، سواء على المستوى المحلي أو الإقليمي أو الدولي.
ولفت إلى أن التغيرات المتسارعة في طبيعة الحياة والعمل تفرض إعادة التفكير في مخرجات العملية التعليمية، بحيث لا تقتصر مهمة المدارس والجامعات على تقديم المعلومات النظرية أو تخريج طلبة يحملون الشهادات، وإنما العمل على بناء المهارات التي يحتاجها الإنسان في المستقبل.
وأوضح أن الخريج اليوم يحتاج إلى مجموعة واسعة من المهارات، من بينها القدرة على التواصل، وإدارة الوقت، والتفكير، واستخدام التكنولوجيا، إلى جانب المهارات العملية والميدانية، مؤكداً أن سوق العمل لم يعد يعتمد فقط على الشهادة الجامعية أو العلامات التي يحصل عليها الطالب خلال سنوات الدراسة.
وأضاف أن المطلوب هو تخريج أشخاص قادرين على التكيف مع المتغيرات المستقبلية، والتعامل مع سوق العمل العالمي، والاستفادة من فرص العمل عن بُعد، واستخدام وسائل الاتصال والتكنولوجيا التي أصبحت جزءاً أساسياً من طبيعة العمل الحديثة.
من الحفظ والتلقين إلى التفكير وإنتاج المعرفة
وأكد مفارجة أن أحد التحديات التي تواجه التعليم يتمثل في استمرار الاعتماد على الحفظ والتلقين، في وقت أصبح فيه المطلوب هو الفهم والتفكير والتفاعل مع المعرفة والقدرة على إنتاجها، موضحاً أن الطالب قد يكون قادراً على حفظ المعلومات وإعادة إنتاجها في الامتحان، لكنه قد لا يمتلك القدرة على تطبيقها عملياً في حياته أو في بيئة العمل.
وأشار إلى أن أنظمة التعليم المتقدمة باتت تركز بشكل أكبر على بناء شخصية الطالب وتنمية مهاراته، وليس فقط على تحصيله الأكاديمي، بحيث يتعلم كيفية التفكير والتحليل، والقدرة على تلخيص المعلومات، وفهمها والتعبير عنها بلغته الخاصة، بدلاً من الاكتفاء بحفظها وإعادة تكرارها.
كما دعا إلى تنويع مصادر التعلم والاستفادة من الوسائل التعليمية التفاعلية الحديثة، مثل الكتب الإلكترونية، ومقاطع الفيديو، والصور، وغيرها من الأدوات التي يمكن أن تساعد الطالب على الفهم والتفاعل مع المعلومة، بدلاً من الاعتماد على أسلوب واحد في تقديم المعرفة.
وأوضح أن التكنولوجيا لا ينبغي أن تكون مجرد وسيلة للترفيه أو التواصل الاجتماعي، وإنما يمكن أن تتحول إلى أداة للتعلم وتطوير المهارات والوصول إلى مصادر مختلفة للمعرفة، خصوصاً في ظل توفر كميات كبيرة من المعلومات أمام الإنسان في الوقت الحالي.
مواجهة "أمية العصر الجديد" تبدأ من الأسرة والتعليم
وشدد مفارجة على أن مواجهة ما يمكن تسميته بـ"أمية العصر الجديد" تبدأ من الأسرة والمؤسسات التعليمية، من خلال العمل على تطوير مهارات الأطفال منذ المراحل الأولى، وتعزيز قدرتهم على التواصل واستخدام التكنولوجيا والتعلم المستمر، وعدم حصر مفهوم النجاح في الحصول على العلامات أو الشهادات فقط.
وأشار إلى أهمية أن تتغير نظرة الأسرة والتعليم إلى عملية التعلم، بحيث يصبح الهدف هو إعداد طفل وشاب قادر على التعلم طوال حياته، والتكيف مع المتغيرات، والتعامل مع المعرفة والمعلومات بصورة واعية، وليس فقط اجتياز الامتحانات.
وأكد أن مفهوم محو الأمية في العصر الحالي أصبح أوسع بكثير من مجرد تعليم القراءة والكتابة، فهو يرتبط أيضاً بقدرة الإنسان على فهم العالم من حوله، والتعامل مع التكنولوجيا، والتمييز بين المعلومات، والتواصل مع الآخرين، وتطوير مهاراته بصورة مستمرة.
وبذلك، فإن اليوم العالمي لمحو الأمية لم يعد مناسبة للتذكير فقط بأهمية تعليم القراءة والكتابة، وإنما يمكن أن يكون فرصة لإعادة التفكير في معنى التعليم نفسه، وفي المهارات التي يحتاجها الإنسان حتى يكون قادراً على المشاركة في المجتمع، ومواجهة متطلبات الحياة، والاستفادة من فرص العمل في عالم يتغير بوتيرة متسارعة.