وسط 96FM شمال 96.2FM جنوب 92.2FM
استمع الآن راديو نساء
من اختراق الحسابات إلى تعطيل الخدمات.. كيف تواجه فلسطين تصاعد الهجمات السيبرانية؟

 

رام الله-نساء FM-آية عبد الرحمن- لم تعد الهجمات السيبرانية مجرد تهديد تقني يستهدف أجهزة الحاسوب أو الحسابات الإلكترونية، بل تحولت إلى خطر مباشر يمكن أن يطال المؤسسات والبيانات والخدمات الأساسية التي يعتمد عليها المواطنون يومياً، في وقت يتسارع فيه التحول الرقمي ويتوسع استخدام التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.

وقال خبير الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والتحول الرقمي إياد الرفاعي، خلال حديثه لإذاعة نساء إف إم، إن تقييم الجاهزية السيبرانية للمؤسسات الفلسطينية يجب أن يكون واقعياً، وألا يقتصر على وجود جدران حماية أو حلول تقنية، بل يجب أن يستند إلى قدرة المؤسسات على اكتشاف الهجمات والاستجابة لها والتعافي منها.

وأوضح الرفاعي أن فلسطين شهدت نمواً في مجال الأمن السيبراني، مشيراً إلى أن مجموعة من التقارير والمؤشرات العالمية تقيس أداء الدول في مجالات التشريعات والتدابير التقنية والتنظيم والحوكمة وبناء القدرات والتعاون. وذكر أن فلسطين حصلت على نحو 37.72 من 100 في أحد تصنيفات الاتحاد الدولي للاتصالات، فيما شهد مؤشر الأمن السيبراني العالمي لعام 2024 تطورات مقارنة بالسنوات السابقة، معتبراً أن ذلك يعكس وجود تأسيس لمرحلة جديدة في ظل التحول الرقمي.

الجاهزية السيبرانية.. أكثر من مجرد أنظمة حماية

وأكد الرفاعي أن الجاهزية الحقيقية لا تقاس فقط بامتلاك الأنظمة الأمنية، وإنما بقدرة المؤسسة على اكتشاف الهجوم خلال فترة زمنية محددة، ووجود فرق قادرة على التعامل مع الحوادث، وخطط استجابة جرى اختبارها فعلياً، ونسخ احتياطية، إضافة إلى معرفة الإدارة العليا بالمخاطر التي تواجه المؤسسة ومدة التعافي المحتملة وحجم الأضرار التي قد تنتج عن الهجوم.

وأشار إلى أن المؤسسات والقطاعات الحساسة، مثل القطاع المصرفي والبنية التحتية والخدمات الحيوية، تواجه مخاطر كبيرة، لافتاً إلى أن هجمات برامج الفدية تعد من أكثر أنواع الهجمات تعقيداً، لأنها لم تعد تستهدف سرقة المعلومات فقط، بل يمكن أن تؤدي إلى تعطيل شبكات وأنظمة وخدمات كاملة.

وقال إن طبيعة الهجمات الإلكترونية تغيرت مع توسع التحول الرقمي وربط الأنظمة بالإنترنت، موضحاً أن الهجوم قد يؤدي إلى تعطيل شبكات أو خدمات أساسية، وليس فقط سرقة حساب أو اختراق جهاز، الأمر الذي يجعل تعزيز الصمود السيبراني والقدرة على استمرار الخدمات أثناء الحوادث أمراً أساسياً.

البيانات الشخصية تحت التهديد.. والوعي الرقمي خط الدفاع الأول

وفيما يتعلق بالبيانات الشخصية للمواطنين، أوضح الرفاعي أن التعامل معها يجب أن يبدأ بتصنيفها وفق درجة حساسيتها، مشيراً إلى أن تسريب بعض البيانات المصرفية قد تكون آثاره أقل من تسريب بيانات أكثر حساسية تتعلق بالأرصدة وكشوف الحسابات والمشتريات والمعاملات المالية.

وأكد أن حماية البيانات الشخصية أصبحت أكثر أهمية مع التوسع في الدفع الإلكتروني والخدمات الرقمية، داعياً الأفراد والمؤسسات إلى معرفة طبيعة البيانات التي يمتلكونها وتصنيفها وتحديد مستوى الحماية المطلوب لكل نوع منها.

وشدد على أن وعي الموظف والمستخدم يمثل خط دفاع أساسياً في مواجهة الهجمات السيبرانية، لكنه رأى أن التوعية التقليدية وحدها لم تعد كافية، داعياً إلى تطوير أساليب جديدة تتناسب مع طبيعة الموظفين والمواطنين واختلاف احتياجاتهم ومستويات معرفتهم بالمخاطر الرقمية.

وأوضح أن الإهمال السيبراني يمثل إحدى نقاط الضعف داخل المؤسسات، سواء من خلال عدم الالتزام بالسياسات أو عدم وجود ضوابط واضحة تحدد المسؤوليات والعواقب المترتبة على مخالفة إجراءات الحماية، مشيراً إلى ضرورة بناء ثقافة أمن سيبراني داخل المؤسسات وليس الاكتفاء بنشر مواد توعوية.

ودعا المواطنين إلى التعامل بحذر أكبر مع المعلومات التي ينشرونها عبر الإنترنت، وعدم الاكتفاء بالحذر من الروابط المشبوهة أو محاولات الاحتيال الإلكتروني، بل التفكير في دوافع نشر المعلومات الشخصية من الأساس.

وطرح الرفاعي مجموعة من الأسئلة التي يجب أن يطرحها المستخدم على نفسه قبل نشر أي معلومة، مثل: ما السبب في نشر أنني خارج المنزل؟ وما الداعي لنشر تذكرة السفر؟ ولماذا أنشر رقم حسابي البنكي؟ مؤكداً أن تقليل كمية المعلومات الشخصية المتاحة على الإنترنت يحد من المخاطر التي قد يستغلها المهاجمون.

وأشار إلى أن جزءاً كبيراً من المعلومات التي ينشرها الأفراد يمكن أن تكون شخصية، وقد تستخدم عند جمعها وتحليلها في بناء صورة دقيقة عن الشخص أو استهدافه بطرق أكثر دقة، ما يجعل إدارة الخصوصية الرقمية مسؤولية فردية ومؤسسية في الوقت ذاته.

الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.. سلاح ذو حدين واستراتيجية وطنية ضرورة

وفيما يتعلق بالحاجة إلى استراتيجية وطنية للأمن السيبراني، أكد الرفاعي أن وجود استراتيجية شاملة يمثل ركيزة أساسية لتعزيز الصمود السيبراني، مشيراً إلى أن الهيئة الوطنية للأمن السيبراني أُقرت مؤخراً وبدأ العمل على تنظيم القطاع.

وأوضح أن تنظيم قطاع الأمن السيبراني لا يقتصر على الجانب الاقتصادي، وإنما يشمل بناء بيئة وطنية قادرة على مواجهة التهديدات، وتعزيز الصمود، وتحديد المسؤوليات، ورفع مستوى الجاهزية، إلى جانب خلق فرص أمام الشركات الناشئة الفلسطينية لتقديم خدماتها في الأسواق الخارجية.

وشدد على أن إعداد استراتيجية وطنية للأمن السيبراني يحتاج إلى مشاركة واسعة من مختلف التخصصات، بما يشمل الخبراء والمتخصصين التقنيين والاقتصاديين والاجتماعيين والنفسيين والإعلاميين والصحفيين والقانونيين، باعتبار أن الأمن السيبراني لم يعد قضية تقنية منفصلة عن بقية القطاعات.

وتطرق الرفاعي إلى العلاقة بين الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، مؤكداً أن الذكاء الاصطناعي يمثل «سيفاً ذا حدين»، إذ يمكن استخدامه لتعزيز قدرات الدفاع السيبراني، وفي الوقت نفسه يمكن أن يستغل في تطوير أساليب هجومية.

وأوضح أن استخدام الذكاء الاصطناعي في الجانب الدفاعي يمكن أن يعزز قدرة الفرق المختصة على استنباط الهجمات المركبة، وتحسين الصمود، وتسريع التعافي والحد من آثار الهجمات، بينما يمكن استخدامه أيضاً من قبل المهاجمين لتطوير أساليب أكثر تعقيداً.

وأشار إلى أن هناك محاولات تنظيمية دولية، خصوصاً في أوروبا والولايات المتحدة، للحد من إساءة استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في تنفيذ هجمات إلكترونية معقدة، مؤكداً أن التحدي الأساسي لا يكمن فقط في امتلاك التكنولوجيا، وإنما في بناء قدرة وطنية على التعامل معها وتنظيم استخدامها.

وأكد الرفاعي أن الأولوية يجب أن تكون لتعزيز الصمود السيبراني، من خلال تحديد الجهات المسؤولة عن التعامل مع الحوادث، ووضع مصفوفة واضحة للصلاحيات، وتحديد الزمن المطلوب للتعافي، إلى جانب تطوير القدرات الوطنية ومواكبة التطور التقني.

وختم بالتأكيد على أهمية دعم الشركات الناشئة الفلسطينية العاملة في مجالات الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي، معتبراً أن الاستثمار في هذه المجالات لا يعزز الحماية الرقمية فقط، وإنما يمكن أن يساهم أيضاً في دعم الاقتصاد الوطني وخلق فرص جديدة، خصوصاً إذا تمكنت الشركات الفلسطينية من تقديم خدماتها خارج السوق المحلية.