وسط 96FM شمال 96.2FM جنوب 92.2FM
استمع الآن راديو نساء
سارة خليفة تعيد المخدرات إلى الواجهة.. أخصائية: الإدمان يغيّر الإنسان ويمتد أثره إلى الأسرة والمجتمع

 

رام الله-نساء FM--آية عبد الرحمن- دخلت قضية الإعلامية المصرية سارة خليفة مرحلة جديدة من الإجراءات القضائية، مع استعداد الدفاع للطعن على حكم بإعدامها في ما تُعرف إعلامياً بقضية "المخدرات الكبرى"، لتعيد القضية ملف المخدرات إلى الواجهة، ليس فقط من زاوية مسارها القضائي، وإنما أيضاً لما تطرحه من تساؤلات حول تأثير الشهرة والمال والضغوط الاجتماعية والنفسية على حياة الإنسان، وكيف يمكن أن ينتقل الشخص من الطموح والنجاح إلى الانخراط في عالم المخدرات، وما يترتب على ذلك من آثار نفسية واجتماعية وصحية واقتصادية وسلوكية قد تغير مسار حياته بصورة جذرية.

 

وقالت الأخصائية الاجتماعية في جمعية الصديق الوفي لمعالجة إدمان المخدرات، سماح خلاوي، خلال حديثها لنساء إف إم، إن المخدرات يمكن أن تغير شخصية الإنسان، إلا أن هذا التغيير لا يحدث بالضرورة بصورة مفاجئة، وإنما يكون تدريجياً، ويؤثر على الوضع النفسي والسلوكي والصحي والاجتماعي والاقتصادي بشكل عام.

 

وأوضحت خلاوي أن المخدرات تؤثر على طريقة تفكير الشخص وتصرفاته ومشاعره، وقد تجعله أكثر عصبية وانعزالاً عن المجتمع، مشيرة إلى أن أولوياته في الحياة قد تتغير تدريجياً، ليصبح الحصول على المادة المخدرة بالنسبة له أهم من كثير من الأمور الأخرى في حياته، ومن هنا تبدأ المشكلة بالتفاقم.

 

وبينت أن التغيرات النفسية التي تظهر على الشخص الذي يدخل في دائرة التعاطي والإدمان قد تتمثل في اضطرابات نفسية وتقلبات في المزاج والقلق، وقد يصل الأمر إلى الاكتئاب والعصبية وفقدان الدافعية للحياة، إلى جانب زيادة الشك والاندفاع في اتخاذ القرارات.

 

الإدمان يغيّر السلوك ويمزق جسور الثقة داخل الأسرة

وأشارت خلاوي إلى أن ازدياد الخلافات مع أفراد الأسرة، خصوصاً المقربين، يعد من أبرز الآثار الاجتماعية للإدمان، ومع تطور الحالة قد يصل الشخص إلى مرحلة يشعر فيها بأنه غير قادر على السيطرة على تصرفاته أو على نفسه، ورغم إدراكه للأضرار الناتجة عن المخدرات فإنه قد لا يمتلك القدرة على التوقف عنها.

 

وأكدت أن الإدمان لا يؤثر على الشخص وحده، وإنما يمتد تأثيره إلى الأسرة والأصدقاء والمحيط الاجتماعي، موضحة أن الشخص المدمن قد يصل في بعض الحالات إلى النظر إلى أفراد أسرته باعتبارهم أعداء له، الأمر الذي يؤدي إلى زيادة الخلافات وفقدان جسر الثقة بين الأهل والشاب.

 

وأشارت إلى أن الشخص قد يبدأ بالابتعاد عن أسرته وأصدقائه ومحيطه الاجتماعي، ويدخل في علاقات اجتماعية غير صحية تكون مرتبطة بشكل أساسي بالتعاطي، وهو ما يزيد من عزلته ويعمق المشكلة التي يعيشها.

 

وحذرت خلاوي من أن المخدرات قد تدفع الشخص إلى سلوكيات وقرارات لم يكن ليتخذها في حالته الطبيعية، موضحة أن بعض المواد تؤثر على قدرة الإنسان على الحكم على الأمور والسيطرة على الاندفاع، وخاصة مع انتشار مواد مثل الكريستال و"نايس غايز"، بحسب وصفها.

 

وقالت إن هذه المواد يمكن أن يكون لها تأثير سلبي جداً على سلوك الشخص، وتجعله يفقد السيطرة على أفعاله، وقد تدفعه إلى اتخاذ قرارات خطيرة أو التصرف بصورة عدوانية وعنيفة، وقد يصل الأمر إلى إيذاء الآخرين أو السرقة أو الاعتداء والضرب.

 

وأكدت أن هذه التصرفات قد لا تشبه شخصية الإنسان قبل دخوله دائرة الإدمان، لأنه يصبح أسيراً للمادة المخدرة، مشيرة إلى أن الشخص قد يشعر بالندم بعد وقوع المشكلة أو الحادثة، لكن الندم في تلك المرحلة لا يلغي النتائج المترتبة على السلوك الذي حدث تحت تأثير المخدرات.

 

وفيما يتعلق بتأثير الإدمان على الأسرة، أوضحت خلاوي أن الأسرة تعيش ضغطاً نفسياً كبيراً عندما يكون أحد أفرادها مدمناً، وقد تواجه حالات من القلق والخوف والإحباط، إلى جانب الشعور بالذنب والعجز أمام هذه المشكلة.

 

الضغوط والشهرة لا تحمي من الإدمان.. والوصمة تعيق العلاج

وحول الاعتقاد بأن التعاطي يرتبط دائماً بالفقر أو الظروف الاقتصادية والاجتماعية الصعبة، قالت خلاوي إن المال والشهرة لا يحميان الإنسان من الإدمان، مشيرة إلى أن الضغوط النفسية والاجتماعية يمكن أن تكون عاملاً مهماً في زيادة قابلية بعض الأشخاص للوقوع في التعاطي.

 

وأضافت، استناداً إلى تجربتها مع الشباب في الضفة الغربية والقدس، أن الضغوط الاجتماعية والاقتصادية تلعب دوراً كبيراً في زيادة التعاطي، خاصة في ظل الظروف السياسية والاقتصادية التي يعيشها المجتمع الفلسطيني، وما أعقب أزمة كورونا وتداعيات السابع من أكتوبر، إلى جانب ارتفاع معدلات البطالة.

 

وأوضحت أن تراكم هذه الظروف أدى إلى تفاقم الضغوط النفسية لدى الشباب، ودفع بعضهم إلى محاولة الهروب من الواقع عن طريق الإدمان، إلى جانب عوامل أخرى مثل التوقعات العالية من الحياة والشعور بالوحدة.

 

وأشارت إلى أن ظروف الاحتلال والواقع الصعب الذي يعيشه المجتمع الفلسطيني يمكن أن تشكل بيئة خصبة لانتشار المخدرات بين الشباب، لكنها شددت في الوقت ذاته على أن ذلك لا يعني أن كل شخص يعيش هذه الظروف سيقع في الإدمان، فهناك عوامل متعددة تحدد مسار كل شخص وقدرته على مواجهة الضغوط.

 

وأكدت أن التعامل مع الشخص الذي يعاني من الإدمان يجب أن يبدأ من تغيير النظرة إليه، والتعامل مع الإدمان باعتباره مشكلة تحتاج إلى علاج وليس وصمة أو حكماً أخلاقياً على الإنسان.

 

وقالت إن جمعية الصديق الوفي تواجه بشكل مستمر مشكلة الوصمة الاجتماعية، والتي تعتبرها من أبرز العوائق أمام العلاج، إلى جانب تردد الأسر في اتخاذ الخطوة الأولى وطلب المساعدة، الأمر الذي قد يؤدي إلى استمرار المشكلة وتحول الشخص إلى ضحية للمجتمع.

 

ودعت إلى التعامل مع الشخص الذي يعاني من الإدمان من خلال الاستماع إليه واحتوائه ودعمه، والابتعاد عن الإهانة والتهديد، وعدم إقصائه أو التعامل معه باعتباره شخصاً مختلفاً، مع تشجيعه على طلب المساعدة المتخصصة، والحفاظ في الوقت ذاته على حدود واضحة والسرية التامة.

 

الوقاية تبدأ من الأسرة.. والعلاج لا ينتهي بالتوقف عن التعاطي

وحول الوقاية من المخدرات، أكدت خلاوي أن المسؤولية لا تقع على جهة واحدة، وإنما تحتاج إلى تكامل بين الأسرة والمدرسة والمجتمع.

 

وأوضحت أن الوقاية تبدأ من الأسرة من خلال التواصل مع الأبناء واحتوائهم وتقديم الدعم المعنوي والإيجابي لهم، ثم تستمر في المدرسة من خلال التوعية وبناء المهارات والقدرات، وتنظيم الندوات والبرامج التوعوية وتوفير المواد التي تساعد الأهل والطلاب على فهم مخاطر المخدرات وطرق الوقاية منها.

 

وأضافت أن المجتمع أيضاً يتحمل مسؤولية أساسية من خلال توفير بيئة آمنة، وخدمات علاجية داعمة، ومراكز متخصصة تساعد الأشخاص على التعافي، مؤكدة أن كل حلقة من هذه الحلقات مهمة في مواجهة انتشار المخدرات.

 

وشددت على الحاجة إلى توفير مراكز تأهيلية ودعم نفسي للأشخاص الذين يخضعون للعلاج، لأن مرحلة ما بعد العلاج تعد مهمة جداً لمنع الانتكاس والعودة مرة أخرى إلى التعاطي.

 

وناشدت الجهات المختصة العمل على توفير المزيد من المراكز التأهيلية وخدمات الدعم النفسي، مؤكدة أن العلاج لا يجب أن يتوقف عند إخراج الشخص من دائرة التعاطي، وإنما يجب أن يترافق مع تأهيل ومساندة تساعده على استعادة حياته والاندماج مجدداً في المجتمع.

 

ووجهت خلاوي رسالة إلى الشباب والأسر بضرورة عدم الانتظار حتى تكبر المشكلة قبل طلب المساعدة، مؤكدة أن طلب المساعدة في وقت مبكر أمر بالغ الأهمية، وأن رفض المخدرات لا يمثل ضعفاً أمام الآخرين، وإنما يعكس قوة ووعياً وإدراكاً لحجم المشكلة وخطورتها.

 

ودعت الأسر، وخصوصاً الأمهات والآباء، إلى عدم الخوف من وصمة المجتمع إذا لاحظوا وجود مشكلة لدى أحد أبنائهم، وعدم تأجيل طلب المساعدة، لأن التدخل المبكر يمكن أن يغير مسار حياة كاملة للشاب.

 

وأكدت أن دور المتخصصين هو مساندة الشخص وأسرته خلال طريق التعافي، وليس الحكم عليهم أو زيادة الوصمة بحقهم، مشيرة إلى أن جمعية الصديق الوفي لمعالجة إدمان المخدرات تؤمن بأن التعافي ممكن، وأن الإنسان يستطيع استعادة حياته وكرامته ومستقبله.

 

وختمت خلاوي حديثها لنساء إف إم بالتأكيد على أن طلب المساعدة ليس ضعفاً، وإنما هو الخطوة الأولى نحو حياة أفضل، داعية كل شخص يعاني من مشكلة مرتبطة بالتعاطي، وكذلك أسرته، إلى عدم الانتظار والتوجه لطلب المساعدة في أقرب وقت ممكن، خصوصاً في ظل الظروف الصعبة التي يعيشها المجتمع والتي تجعل مواجهة انتشار المخدرات مسؤولية مشتركة تتطلب وعياً ودعماً وعلاجاً وتأهيلاً مستمراً.