
رام الله-نساء FM- لم تعد عبارة "ضحية الموضة" (Fashion Victim) مجرد تعبير مجازي يطلق على من يبالغون في تتبع الصيحات الغريبة، بل تحولت في صيف عام 2026 إلى حقيقة طبية وقانونية وثقتها أروقة المستشفيات وشاشات الهواتف الذكية. فقد تصدر بنطال من إنتاج العلامة التجارية العالمية "زارا" (Zara) منصات التواصل الاجتماعي ومحركات البحث تحت وسم "بنطال زارا القاتل" (#ZaraDeathTrousers)، بعد أن تسبب في موجة عارمة من السقطات الدرامية والإصابات الجسدية التي تراوحت بين الكدمات البسيطة والكسور المضاعفة.
فما هي القصة وراء هذا التصميم المثير للجدل؟ وكيف تحولت قطعة ملابس أنيقة تباع ببضعة دولارات إلى خطر يهدد سلامة المرتديات؟
التصميم.. الخلطة "المثالية" للسقوط
في الظاهر، يبدو "بنطال واسع الساقين وانسيابي" "Flowy Wide-Leg Pants" من زارا قطعة صيفية مريحة وأنيقة ومثالية للأجواء الحارة، لاسيما مع سعره التنافسي البالغ 45.90 دولارا. إلا أن خبراء التصميم والأناقة يرون فيه "فخا هندسيا" متحركا.
ونقلت صحيفة "مترو" البريطانية عن خبيرة الأناقة كلير تشامبرز تفسيرا علميا للمشكلة؛ حيث تكمن الأزمة في "الفيزياء البسيطة للتصميم"، حسب وصفها، إذ يجمع البنطال بين ساق فائقة الاتساع (تتجاوز المقاييس التقليدية للبنطال الفضفاض)، وقماش خفيف وحريري الملمس يفتقر إلى الوزن الكافي الذي يضمن ثباته أثناء الحركة. هذا المزيج يجعل القماش يتطاير ويلتف حول نفسه بسهولة، ومع وجود خصر عال بحزام مطاطي يغري بالراحة، تغفل الكثيرات عن طول القطعة الزائد.
أثناء المشي السريع أو الجري، يصبح تعثر القدم داخل دوامة القماش الفضفاض للقدم الأخرى أمرا حتميا، مما يؤدي إلى فقدان التوازن الفجائي والارتطام العنيف بالأرض.
توثيق حي لـ "جروح معركة البنطال"
انطلقت شرارة التحذيرات من منصة "تيك توك"، لتتحول سريعا إلى ظاهرة حصدت ملايين المشاهدات عبر منصات التواصل الاجتماعي. ولم يتوقف الأمر عند حدود الشكوى اللفظية، بل شاركت آلاف النساء مقاطع فيديو توثق لحظات سقوطهمن أو ما تعرضن له من إصابات.
بعد سقوطها على ممر حصوي، أطلت المؤثرة الرقمية جيسيكا بيرس على متابعيها بوجه شاحب، وأطلقت تحذيرا صادما بشأن البنطال الذي كانت ترتديه، قائلة: "هذا البنطال سيكون سبب موتك"، بينما صرحت إلين كوستا، من كندا لشبكة "CBC" الإخبارية بأن البنطال كاد يقتلها بعد أن تسبب في سقوطها؛ مما أسفر عن كسر في معصمها وجروح بالغة في وجهها.
ووثقت كاميلا ريبيرا روكا، من بوليفيا جروحا على الرصيف وتحطم هاتفها الذكي في مقاطع تخطت حاجز الملايين من المشاهدات.
عاشت كيت جيراغتي واحدة من أكثر التجارب رعبا عندما علق طرف بنطالها الفضفاض في أسنان سلم متحرك، ما أدى إلى تعثرها وبقائها عالقة أمام المارة إلى أن تدخل آخرون لإنقاذها.
أما هولي غيلمر، فبدأت مقطع الفيديو وهي تعرج بسبب إصابة في الركبة، لكنه انتهى بخروجها من المستشفى على كرسي متحرك بعد تعرضها لكسر استدعى العلاج.
وامتلأت وسوم مثل سروايل خطيرة وبنطال زارا القاتل #DangerousTrousers و#DeadlyZaraPants بصور للأشعة السينية، وركب مغطاة بالضمادات، وآثار الغرز الجراحية، في توثيق لإصابات يقول أصحابها إنها نتجت عن السراويل الواسعة. ومن أكثر المقاطع إثارة للمفارقة، فيديو لفتاة وثقت سقوطها داخل ممر أحد المستشفيات، بعد لحظات فقط من مغادرتها قسم الطوارئ إثر إصابة سابقة تسبب فيها البنطال نفسه.
صمت "زارا"
أمام هذا السيل الجارف من الانتقادات والتقارير الإعلامية التي نشرتها منصات عالمية، التزمت شركة "زارا" الصمت المطلق ولم تصدر أي بيان توضيحي أو سحب للمنتج. ويشير المراقبون إلى أن هذا السلوك يتماشى مع السجل التاريخي للشركة الإسبانية في إدارة الأزمات؛ حيث واجهت سابقا اتهامات تتعلق بالملكية الفكرية، والتمييز في المقاسات، والعمالة، وفضلت دائما تجاوز العاصفة بالصمت.
من الناحية القانونية، لا يبدو أن الشركة تواجه مخاطر كبيرة للمساءلة. إذ أوضح خبراء قانونيون لشبكات إعلامية عالمية أن اتساع البنطال وطوله يعدان من السمات الظاهرة للمنتج، ما يندرج ضمن مفهوم "الخطر الواضح" (Obvious Risk). ووفقا لهذا المبدأ، فإن المستهلك يستطيع ملاحظة خصائص القطعة وتقييمها قبل شرائها، وبالتالي تقع عليه مسؤولية استخدامها بحذر وتجنب مخاطر التعثر، طالما أن المنتج يطابق المواصفات المعلنة ولم ينطو على عيب تصنيع أو عيب خفي
إعادة فتح ملف الموضة الخطرة
على الرغم من التحذيرات الطبية، فإن المفارقة تكمن في أن الجدل الدائر ساهم في زيادة مبيعات البنطال بدلا من مقاطعته، مدفوعا برغبة المستهلكين في تجربة "الترند" أو تحدي الخطر، وهو ما يعكس الجانب المظلم لثقافة "الموضة السريعة".
أعادت موجة الإصابات المرتبطة بالسراويل الفضفاضة إحياء النقاش حول الأزياء التي قد تنطوي على مخاطر تتجاوز الجانب الجمالي. ويستشهد خبراء الصحة بحادثة شهيرة تعود إلى عام 2015، حين أصيبت امرأة أسترالية بضعف حاد وتلف مؤقت في أعصاب الكاحلين بعد جلوسها لساعات في وضعية القرفصاء وهي ترتدي بنطال جينز ضيقا للغاية، في واقعة أثارت آنذاك اهتماما واسعا بالمخاطر الصحية لبعض صيحات الموضة.
وتلخص منصات مالية، مثل "ياهو فاينانس" Yahoo Finance، المفارقة في أرقام لافتة، فقد تدفع إحدى الفتيات نحو 45 دولارا لشراء بنطال يواكب أحدث صيحات الموضة، ثم تجد نفسها أمام فاتورة علاج في قسم الطوارئ بالولايات المتحدة قد تتراوح بين 1500 و3000 دولار إذا تسبب السقوط في كسر أو التواء. ولهذا ينصح الخبراء بإجراء تعديل بسيط لدى خياط لتقصير البنطال بما يتناسب مع الطول، باعتباره حلا عمليا يقلل خطر التعثر، بدلا من ترك أطرافه تجر على الأرض وتزيد احتمالات التعرض للإصابة.
