بين أروقة المحاكم وثغرات التشريع.. جمعية المرأة العاملة الفلسطينية للتنمية ودورها في تعزيز وصول النساء إلى العدالة

04 حزيران 2026
رام الله-نساء FM- في مجتمع ما تزال فيه قضايا الأسرة والأحوال الشخصية من أكثر الملفات ارتباطًا بحياة النساء اليومية، تشكل المحاكم الشرعية في فلسطين ساحة رئيسة للنزاع حول الحقوق الأسرية والاقتصادية والاجتماعية.
وبين النصوص القانونية القديمة والتحولات الاجتماعية المتسارعة، تجد آلاف النساء أنفسهن أمام تحديات قانونية معقدة، تتطلب دعماً متخصصاً يضمن لهن الوصول إلى العدالة.
وفي هذا الإطار، برز الدور الذي تؤديه المستشارات القانونيات لجمعية المرأة العاملة الفلسطينية للتنمية، باعتباره أحد النماذج الفاعلة في توفير الحماية القانونية للنساء، من خلال مجموعة من الخدمات المجانية والتي تشمل: التمثيل أمام المحاكم، وتقديم الاستشارات القانونية، والتوعية المجتمعية، والضغط والمناصرة لتطوير التشريعات والإجراءات القضائية ذات الصلة بحقوق المرأة.
تطور في الإجراءات… وتحديات مستمرة
تؤكد المستشارة القانونية غادة وهدان، والعاملة في المقر الرئيس للجمعية في رام الله، أن السنوات الأخيرة شهدت تطورًا ملحوظًا في إجراءات التقاضي أمام المحاكم الشرعية، تمثل في تبسيط بعض المعاملات واستحداث تعديلات إدارية وقانونية ساهمت في تسهيل وصول النساء إلى القضاء الشرعي.
وتضيف أن وجود المؤسسات النسوية، ومن بينها جمعية المرأة العاملة الفلسطينية للتنمية، ساهم في تمكين النساء للمطالبة بحقوقهن القانونية من خلال توفير الاستشارات والتمثيل القانوني المجاني، الأمر الذي انعكس على زيادة عدد النساء اللواتي يلجأن إلى المحاكم الشرعية للمطالبة بحقوقهن في قضايا من قبيل النفقة والمهور المؤجلة والحضانة والتفريق.
كما لعبت الجمعية دورًا محوريًا في نشر الوعي القانوني من خلال ورش العمل والجلسات التوعوية المكثفة التي استهدفت النساء في المدن والقرى والمخيمات، بهدف تعريفهن بحقوقهن القانونية وآليات الوصول إلى العدالة.
تزويج القاصرات… عندما تتحول الاستثناءات إلى قاعدة
تسلط وهدان الضوء على إحدى أكثر القضايا إثارة للجدل في قانون الأحوال الشخصية، والمتمثلة في الاستثناءات المتعلقة بسن الزواج.
فعلى الرغم من صدور قرار بقانون عام 2019 يقضي بتحديد سن الزواج بـ 18 عامًا للجنسين، إلا أن الإبقاء على باب الاستثناءات القضائية مفتوحًا سمح باستمرار حالات تزويج القاصرات تحت مبررات مختلفة، الأمر الذي تعتبره المؤسسات النسوية والحقوقية ثغرة قانونية تهدد الحماية المقررة للفتيات.
وتؤكد أن السماح بزواج من هن دون الثامنة عشرة، يشكل انتهاكًا لحق الفتاة في التعليم والنمو الطبيعي، ويتعارض مع مبدأ المصلحة الفضلى للطفل، كما يعد أحد أشكال العنف القائم على النوع الاجتماعي.
وتشير المستشارة القانونية إسراء قطوش، العاملة في المركز المجتمعي التابع للجمعية في بيت لحم، إلى أن بعض الممارسات المتداولة أمام المحاكم الشرعية تكشف عن أشكال متعددة من التحايل على تحديد سن الزواج، من بينها طلبات الاستثناء المتكررة، وتثبيت عقود الزواج العرفي بعد بلوغ الفتاة السن القانونية، إضافة إلى الضغوط العائلية والاجتماعية التي تُمارس على الفتيات للموافقة على الزواج المبكر.
وترى المستشارات القانونيات أن غياب الرقابة الفعالة على تطبيق الاستثناءات يفتح المجال أمام تجاوز الغاية التي وُضع من أجلها النص القانوني، ما يستدعي مراجعة أكثر صرامة لضمان عدم استخدام الاستثناء كمدخل لتقويض الحماية القانونية للفتيات.
الميراث… حق ثابت يواجه ضغوطًا اجتماعية
رغم أن حق المرأة في الميراث يعد حقًا شرعيًا وقانونيًا ثابتًا، إلا أن الواقع يكشف عن استمرار ممارسات اجتماعية تحرم النساء من هذا الحق بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
وتوضح وهدان أن العديد من النساء يتعرضن لضغوط اجتماعية أو عائلية تدفعهن إلى التنازل عن حصصهن الإرثية عبر الوكالات العامة أو حجج التخارج، دون إدراك كامل للآثار القانونية المترتبة على تلك الإجراءات.
وتضيف قطوش أن من أبرز أشكال الحرمان من الميراث تسجيل الممتلكات باسم الأبناء الذكور قبل وفاة المورث، أو ممارسة ضغوط نفسية واجتماعية على النساء للتنازل عن حقوقهن حفاظًا على العلاقات العائلية، أو استغلال ضعف المعرفة القانونية لديهن.
وتعتبر المستشارات القانونيات أن هذه الممارسات تمثل انتهاكًا صريحًا للحق في الملكية ولضمانات المساواة أمام القانون، وتكشف عن الحاجة إلى تعزيز الحماية القانونية للنساء للمواجهة التحايل على هذه الحقوق ولتوسيع نطاق الخدمات القانونية الداعمة لهن.
قانون قديم لمجتمع متغير
من جهتها، تؤكد المستشارة القانونية لينا الجلاد العاملة في المركز المجتمعي التابع للجمعية في طولكرم أن قانون الأحوال الشخصية المطبق في الضفة الغربية ما زال يستند في جوهره إلى تشريعات تعود لعقود سابقة، الأمر الذي جعل العديد من مواده غير منسجمة مع التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي شهدها المجتمع الفلسطيني.
وتشير إلى أن المؤسسات الحقوقية والنسوية طالبت مرارًا بإجراء تعديلات جوهرية على القانون بما يضمن حماية أكبر للنساء والأطفال، ويعالج الإشكاليات المتعلقة بالزواج المبكر والطلاق والنفقة والحضانة والميراث، ويوفر إجراءات أكثر عدالة وسهولة للوصول إلى القضاء.
وترى الجلاد أن تطوير قانون الأحوال الشخصية لم يعد مطلبًا حقوقيًا فحسب، بل أصبح ضرورة مجتمعية تسهم في تعزيز الاستقرار الأسري وتحقيق العدالة الاجتماعية.
بطء الإجراءات والتنفيذ… عدالة مؤجلة
رغم التطورات الإجرائية التي شهدتها المحاكم الشرعية، ما تزال النساء يواجهن تحديات كبيرة في مسار التقاضي. في هذا السياق، تشير المحامية هيا بنورة، العاملة في بيت لحم، أن المحاكم الشرعية تتميز بسرعة نسبية في بعض القضايا المستعجلة مثل النفقة والمشاهدة والاستضافة، إلا أن دعاوى النزاع والشقاق قد تمتد لأشهر طويلة، نتيجة إجراءات الصلح والتحكيم.
كما تلفت إلى أن اقتصار مهمة التحكيم غالبًا على الرجال، يضع العديد من النساء في مواقف محرجة عند عرض تفاصيل حياتهن الخاصة، الأمر الذي يستدعي تطوير آليات أكثر حساسية للنوع الاجتماعي.
بدورها، تشير المستشارة القانونية سجى العمري، العاملة مع الجمعية في جنين، إلى أن بطء تنفيذ الأحكام الشرعية، وصعوبات عمل صندوق النفقة، وضعف التنسيق بين الجهات المختصة، كلها عوامل تؤثر بشكل مباشر على قدرة النساء على تحصيل حقوقهن في الوقت المناسب.
وتضيف أن النقص في الكوادر الإدارية والقضائية داخل بعض المحاكم يؤدي إلى تراكم الملفات وتأخير الفصل في القضايا، وهو ما ينعكس سلبًا على النساء والأطفال الذين ترتبط حياتهم/ حياتهن اليومية بنتائج تلك الأحكام.
أما المستشارة القانونية زين ملحيس محامية الجمعية في نابلس، فتلفت النظر إلى أن بعض الإشكاليات التشريعية والإجرائية ما زالت قائمة، ومنها القيود المرتبطة بالخلع وصعوبة تنفيذ الأحكام المالية، إضافة إلى غياب التبليغات الإلكترونية التي يمكن أن تسهم في تسريع إجراءات التقاضي، خصوصًا في ظل القيود المفروضة على الحركة والتنقل.
الحضانة بين النص القانوني والمصلحة الفضلى للطفل
من بين أكثر القضايا التي تتعامل معها المحاكم الشرعية حساسية، تبرز قضية الحضانة بوصفها ملفًا يمس حياة الأطفال بشكل مباشر.
وتروي المحامية ملحيس قصة واقعية لأم شابة أرملة وجدت نفسها أمام خيار مؤلم يتمثل في التنازل عن حضانة أطفالها مقابل الحصول على أحد حقوقها القانونية، رغم توفر ظروف مناسبة لرعاية الأطفال واستعداد الزوج الجديد لتحمل مسؤولياتهم.
وتؤكد أن الحضانة يجب أن تُفهم باعتبارها حقًا للمحضون قبل أن تكون حقًا للحاضن، وأن المعيار الأساسي في تقريرها ينبغي أن يكون مصلحة الطفل الفضلى واستقراره النفسي والاجتماعي.
وتشير إلى أن بعض التطبيقات القانونية والفقهية التي تؤدي إلى إسقاط حضانة الأم بمجرد زواجها، تحتاج إلى مراجعة في ضوء مقاصد الشريعة التي تقوم على حماية الطفل ورفع الضرر وتحقيق المصلحة.
دور يتجاوز قاعات المحاكم
لا يقتصر دور المستشارات القانونيات لجمعية المرأة العاملة الفلسطينية للتنمية على التمثيل القانوني داخل قاعات المحاكم فقط، بل يمتد إلى العمل المجتمعي والتوعوي والحقوقي.
فمنذ أكثر من عقدين من الزمن، تدير الجمعية عيادة قانونية متنقلة تقدم الاستشارات والإرشاد القانوني للنساء في مختلف المحافظات الفلسطينية، خاصة في المناطق المهمشة والريفية، بهدف تمكين النساء قانونيًا وتعزيز قدرتهن على الوصول إلى العدالة.
كما تواصل الجمعية جهودها في مجال المناصرة القانونية والتوعية المجتمعية بهدف تغيير الصور النمطية المرتبطة بأدوار النساء، والدفع نحو إصلاح تشريعي يضمن المساواة والعدالة ويستجيب للتحولات الاجتماعية والاقتصادية التي يشهدها المجتمع الفلسطيني.
خاتمة
تكشف شهادات المستشارات القانونيات لجمعية المرأة العاملة الفلسطينية للتنمية عن صورة مركبة لمنظومة الأحوال الشخصية والقضاء الشرعي في فلسطين؛ صورة تجمع بين التطور التدريجي في بعض الإجراءات، واستمرار تحديات قانونية وتشريعية واجتماعية ما زالت تعيق وصول النساء إلى العدالة بصورة كاملة.
وفي ظل استمرار العمل بقانون أحوال شخصية يستند إلى تشريعات قديمة، تتزايد الحاجة إلى إصلاحات قانونية شاملة تضع مصلحة الأسرة والطفل وحقوق النساء في صلب العملية التشريعية، وتضمن قضاءً أكثر كفاءة للوصول الى العدالة على أرضية مبدأ المساواة.
