
الخليل-نساء FM -في مشهد انتخابي يعكس تحوّلات عميقة في الوعي المجتمعي الفلسطيني، نجحت المرأة في الوصول إلى عضوية المجالس البلدية بجدارة، متجاوزة فكرة “الكوتة النسوية” نحو استحقاق قائم على الكفاءة وثقة الناخبين.
ففي مدينة الخليل، تمكنت أربع مرشحات من الفوز بعضوية المجلس البلدي عبر صناديق الاقتراع، بعد منافسة نزيهة وشفافة، ما يعكس تنامي الإيمان بدور المرأة كشريك كامل في صناعة القرار المحلي.
هذا التحول يطرح تساؤلات جوهرية: هل اقتربت المرأة الفلسطينية فعلاً من توديع نظام الكوتة؟ أم أن الطريق ما زال يتطلب تعزيزات قانونية ومجتمعية لضمان تمثيل عادل ومستدام؟
ورغم التقدم الملحوظ، فإن التحديات ما تزال قائمة، خصوصاً في ظل الحاجة إلى ترسيخ حضور النساء في مواقع القيادة، ليس فقط عبر النصوص القانونية، بل من خلال تغيير البنية الثقافية وتعزيز العدالة الاجتماعية.
وفي السياق ذاته، برزت نماذج نسوية لافتة، من بينها المهندسة ليمور خليل الصوص، التي حصدت ثاني أعلى الأصوات في بلدية دورا ضمن قائمة “الصمود والعطاء”، ما يعكس حضوراً تنافسياً قوياً للمرأة في الانتخابات المحلية.
أما في بلدية نابلس، فقد شهدت التجربة بعداً أكثر تقدماً، حيث وصلت عنان خليل الأتيرة إلى رئاسة البلدية بالتعيين، في سابقة تاريخية بعد أكثر من 157 عاماً على تأسيس البلدية. هذه الخطوة لم تكن مجرد حدث إداري، بل شكلت تحوّلاً رمزياً في مسار تمكين المرأة، ورسالة واضحة بأن المرأة قادرة على قيادة واحدة من أكبر وأهم الهيئات المحلية في فلسطين، بما تحمله نابلس من ثقل اقتصادي وتاريخي وسياسي.
ويُنظر إلى هذه التجربة كنموذج يمكن البناء عليه، خاصة إذا ما تم تعزيزه ببيئة داعمة تتيح للنساء الوصول إلى مواقع صنع القرار عبر الانتخابات مستقبلاً، وليس فقط التعيين.
ونشير هنا إلى تجربة مهمة في مدينة الخليل، حيث تُعد الدكتورة أسماء الشرباتي أول امرأة تتولى منصب نائب رئيس البلدية، وقد برزت خلال فترة توليها إدارة البلدية، إذ قادت العمل البلدي بهدوء واقتدار خلال اعتقال رئيس البلدية تيسير أبو سنينة، في نموذج يعكس قدرة المرأة على تحمل المسؤولية في أصعب الظروف.
إحصائياً، تشير البيانات إلى تقارب واضح بين نسب الناخبين والناخبات، حيث بلغت نسبة الذكور في الضفة الغربية 51.23% مقابل 48.77% للإناث، وهي نسب متقاربة أيضاً في محافظة الخليل. إلا أن مشاركة فئة الشباب (18–22 عاماً) بقيت محدودة عند نحو 15%، ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول أسباب عزوف هذه الفئة، رغم الجهود الرسمية والمجتمعية المبذولة لتعزيز مشاركتها.
وعلى صعيد التحديات، تلقي الأوضاع الاقتصادية بظلالها الثقيلة على المشاركة السياسية، خاصة في ظل تفاقم البطالة وتأخر صرف الرواتب، ما دفع كثيراً من المواطنين إلى الانشغال بتأمين سبل العيش على حساب الانخراط في العملية الديمقراطية.
كما تلعب الظروف الجغرافية والأمنية دوراً معيقاً، لا سيما في المناطق المغلقة بمدينة الخليل، حيث يحدّ إغلاق الحواجز وفرض القيود من قدرة النساء على الوصول إلى مراكز الاقتراع والمشاركة في الحياة العامة.
وفي سياق أوسع، لا تزال الازدواجية في المعايير الدولية تمثل تحدياً أمام الفلسطينيين، إذ يشعر كثيرون بأن الضغوط والإصلاحات تُفرض عليهم دون أن يُجبر الاحتلال على الالتزام بالقانون الدولي، ما ينعكس على ثقة المواطن بالعملية السياسية برمتها.
ورغم ذلك، تؤكد التصريحات الرسمية، ومنها ما صدر عن وزيرة شؤون المرأة، أن تمكين المرأة لم يعد مجرد أولوية تنموية، بل ضرورة وطنية وإنسانية، تتطلب توجيه الدعم الدولي بما يتوافق مع الأولويات الفلسطينية، ويعزز صمود النساء ودورهن في بناء المجتمع.
وبحسب لجنة الانتخابات المركزية، بلغت نسبة المشاركة في الانتخابات المحلية الأخيرة 53.44%، مع أكثر من نصف مليون مقترع، في عملية وُصفت بأنها جرت بهدوء وانتظام.
في المحصلة، تكشف هذه المؤشرات عن واقع متحرك بين التقدم والتحدي؛ فنجاح المرأة في الوصول إلى مواقع القرار دون كوتة يمثل إنجازاً مهماً، لكنه يحتاج إلى ترسيخ واستدامة عبر سياسات عادلة، وبيئة سياسية واقتصادية واجتماعية داعمة، تضمن
المصدر : الكاتب: إكرام التميمي
