
رام الله-نساء FM- اية عبد الرحمن- في ظل تسارع وتيرة الحياة وتزايد الضغوط النفسية والاجتماعية، يبرز مفهوم "العطاء المفرط" كأحد السلوكيات التي تستحق التوقف عندها، خاصة حين يتحول من قيمة إنسانية إيجابية إلى نمط استنزاف يؤثر على توازن الفرد النفسي والعاطفي. وبينما يُنظر إلى العطاء بوصفه أحد أهم مظاهر التكافل الإنساني، إلا أن غياب الحدود الواضحة قد يجعله سببًا في إنهاك صاحبه بدلًا من دعمه.
العطاء في جوهره يشكّل أحد أهم مظاهر الترابط الإنساني، إذ يتجلى في تقديم الدعم المادي والمعنوي والعاطفي، ويعزز من جودة العلاقات بين الأفراد. غير أن الإشكالية تبدأ عندما يتجاوز هذا السلوك حدوده الطبيعية، ليتحول إلى نمط دائم من التضحية غير المتوازنة، قد يدفع الشخص إلى إهمال ذاته واحتياجاته الأساسية.
وفي هذا السياق، أوضحت مدربة التنمية البشرية والإدارية عايدة زواهرة، خلال حديثها لـ“نساء إف إم”، أن العطاء بحد ذاته سلوك إيجابي يعكس نفسًا واعية ورحيمة، إلا أن قيمته الحقيقية تكمن في تحقيق التوازن. وأكدت أن الحياة تقوم على مبدأ الأخذ والعطاء، وأن اختلال هذا التوازن يقود إلى ما يُعرف بـ”الاحتراق الذاتي”، حيث يستهلك الإنسان طاقته دون تعويض.
وبيّنت زواهرة أن العطاء الصحي يصدر عن شخص قادر على العطاء دون أن يُنهك نفسه، سواء من خلال تقديم الوقت أو الجهد أو الدعم العاطفي، محذّرة من أن الإفراط في هذا السلوك قد يخلّ بتوازن العلاقات، ويجعل الفرد أكثر عرضة للاستغلال.
وأضافت أن كثيرًا من الأشخاص يجدون صعوبة في وضع حدود واضحة مع الآخرين، بدافع الرغبة في إرضائهم أو الخوف من الرفض، ما يؤدي إلى مزيد من الضغط النفسي والاستنزاف المستمر. وأشارت إلى أن غياب هذه الحدود يرتبط غالبًا بضعف مهارات إدارة الذات.
وشددت على أهمية وعي الفرد بقدراته وحدوده، وتنظيم وقته وطاقته بشكل متوازن، دون الشعور بالذنب عند الرفض، مؤكدة أن الاهتمام بالنفس لا يُعد أنانية، بل هو ضرورة للحفاظ على الصحة النفسية والجسدية.
كما لفتت إلى أن العطاء المفرط قد ينعكس سلبًا حتى على العلاقات نفسها، إذ قد لا يقدّر الطرف الآخر هذا العطاء، أو يتعامل معه كأمر مُسلّم به، ما يفاقم شعور الشخص بالإرهاق والتوتر.
وقدمت مثالًا على ذلك في بعض العلاقات الأسرية، لا سيما لدى الأمهات اللواتي يقدمن كل ما لديهن دون الالتفات إلى احتياجاتهن، الأمر الذي قد يقود لاحقًا إلى إنهاك نفسي عميق.
واختتمت زواهرة بالتأكيد على أن الحل يكمن في الاعتدال، من خلال تحقيق توازن حقيقي بين العطاء للآخرين والاهتمام بالذات، وتعزيز تقدير النفس، ووضع حدود صحية في العلاقات.
ويخلص التقرير إلى أن الوعي بمفهوم العطاء المفرط يُعد خطوة أساسية نحو بناء علاقات صحية ومستدامة، تضمن تقديم الدعم للآخرين دون الوقوع في فخ الاستنزاف، والوصول إلى حياة أكثر توازنًا واستقرارًا على المستويين النفسي والاجتماعي.
