
غزة-نساء FM- في خيمة مهترئة داخل مدرسة تحولت إلى مأوى، تقف مرح الزعانين، ذات الثمانية عشر عاما، حاملة فرشاتها كمن يحمل نافذة للحياة، في مدرسة الرمال شمالي القطاع، حولها أطفال يراقبون بصمت، لا لأن المشهد مألوف، بل لأن الأمل هنا يصنع بصعوبة.
تعلق على قماش الخيمة، لكنها في الحقيقة تعلق على جدار الروح، لتقول إن الجمال ما زال ممكنا حتى في قلب الركام.
مرح ليست فنانة تبحث عن شهرة، بل نازحة تبحث عن معنى. منذ أن سلب منها بيتها، وجدت في الرسم طريقة للنجاة، لا من الحرب فقط، بل من الخوف واليأس.. ألوانها القليلة تتحول إلى مساحة آمنة، وخطوطها المرتجفة ترسم ما عجزت الكلمات عن قوله

درس صامت في الصمود
الأطفال الذين يلتفون حولها لا يشاهدون لوحة فحسب، بل يتعلمون درسا صامتا في الصمود، عيونهم تلمع وهم يرون كيف يمكن لقطعة فحم أو لون باهت أن يصنع عالما آخر، عالما لا طائرات فيه ولا أصوات قصف، بل سماء زرقاء ووجوها تبتسم. في تلك

اللحظات، تتحول الخيمة إلى مرسم، والمأوى إلى حلم جماعي. ورغم الهدنة الهشة التي أوقفت القتال نسبيا، يبقى القلق حاضرا في كل تفصيلة من الحياة اليومية، الاتهامات المتبادلة بخرقها تبقي الخوف معلقا في الهواء، لكن مرح ومن حولها اختاروا ألا ينتظروا السلام الكامل ليعيشوا. هم يصنعون معجزاتهم الصغيرة الآن، باللون، وبالصبر، وبإصرار لا يقهر.
هكذا، في شمال غزة، تصنع المعجزات ببرودة اليدين وحرارة القلوب. لا تحتاج إلى ضجيج أو خطابات، بل إلى إنسان يؤمن أن الفن، مثل الحياة، يمكن أن يولد من بين الأنقاض. لوحات مرح قد لا توقف حربا، لكنها تنقذ يوما، وربما طفولة، وهذا بحد ذاته انتصار.

