
رام الله-نساء FM-طالما ارتبط حب الشباب في الوعي الشعبي بقائمة مختصرة من "الممنوعات" الغذائية، تتصدرها الشوكولاتة ومنتجات الألبان والوجبات الدسمة. غير أن هذا الربط المباشر يبدو تبسيطا لمشكلة معقدة، إذ لا يعمل الغذاء بمعزل عن المنظومة الهرمونية والالتهابية في الجسم. ومع تطور أدوات البحث العلمي، بدأ العلماء إعادة فحص هذه المسلمات الشائعة، ليس بهدف تبرئة الطعام أو إدانته، بل لفهم الآليات البيولوجية الدقيقة التي تجعل بعض الأطعمة محفزا لظهور البثور لدى بعض الأشخاص دون غيرهم.
تفكيك الخرافات الغذائية
لسنوات طويلة، استبعد الخبراء وجود أي صلة تذكر بين الغذاء وحب الشباب، وذلك استنادا إلى دراسات قديمة تعاني من ضعف في التصميم المنهجي وصغر حجم العينات. إلا أن إعادة النظر في هذه العلاقة خلال العقدين الأخيرين أعادت بعض الأطعمة إلى دائرة البحث.
1. لغز الشوكولاتة
تشير الأبحاث الحديثة إلى وجود علاقة ضعيفة ولكن قابلة للرصد بين الإفراط في تناول الشوكولاتة وتفاقم البثور لدى بعض الأشخاص. غير أن العامل الحاسم لا يبدو مرتبطا بالكاكاو نفسه، بل بما يرافقه من سكريات وحليب. فهذه المكونات تؤدي إلى ما يعرف بـ"شلال الأنسولين"، حيث يرتفع مستوى الأنسولين في الدم بسرعة، مما يحفز الغدد الدهنية على إنتاج كميات أكبر من الزهم. في المقابل، تعد الشوكولاتة الداكنة ذات النسبة العالية من الكاكاو خيارا أقل ضررا نسبيا، نظرا لغناها بمضادات الأكسدة وانخفاض محتواها السكري.
2. الألبان والهرمونات
تعد منتجات الألبان، ولا سيما الحليب السائل، من أكثر العوامل الغذائية إثارة للجدل فيما يتعلق بتأثيرها على ظهور حب الشباب. يحتوي الحليب طبيعيا على عامل النمو الشبيه بالأنسولين (IGF-1)، إضافة إلى هرمونات أندروجينية، تعمل كرسائل كيميائية تحفز خلايا الجلد على الانقسام المفرط وزيادة إفراز الدهون، ما يؤدي إلى انسداد المسام وتهيئة بيئة مناسبة للالتهاب. اللافت أن هذه العلاقة تبدو أضعف مع منتجات الألبان المخمرة مثل الزبادي والأجبان، ما يشير إلى أن عمليات التصنيع والتخمير قد تعدل من التأثير الهرموني للحليب.

حب الشباب ليس مرتبطًا بكمية الكاكاو بل بمحتويات الشوكولاتة من سكريات وحليب (بيكسلز)
3. الدهون: النوع أهم من الكمية
رغم أن الدهون الغذائية تدخل في تكوين الزهم الجلدي، فإن المشكلة لا تكمن في كمية الدهون المتناولة بقدر ما تكمن في نوعيتها. فالأنظمة الغذائية الغنية بالدهون المشبعة والمهدرجة، الشائعة في النمط الغذائي الغربي، قد تغير من التركيب الكيميائي للزهم، فتجعله أكثر لزوجة وقابلية لسد المسام، مقارنة بالدهون الصحية غير المشبعة.
مؤشر السكر.. المحرك الخفي لالتهاب البشرة
يجمع عدد متزايد من الباحثين اليوم على أن المؤشر الغليسيمي (جي آي – GI) والحمل الغليسيمي (جي إل – GL) يشكلان مفتاحا أساسيا لفهم العلاقة بين الغذاء وحب الشباب. ويقصد بالمؤشر الغليسيمي مدى سرعة تحول الطعام إلى سكر في الدم بعد تناوله، بينما يعكس الحمل الغليسيمي كمية هذا السكر وتأثيره الفعلي. فعند استهلاك الكربوهيدرات المكررة، مثل الخبز الأبيض والحلويات والمشروبات السكرية، يرتفع سكر الدم بسرعة وبحدة، ما يستدعي استجابة قوية من هرمون الأنسولين.
هذا الارتفاع المزمن في الأنسولين يقود إلى سلسلة من التغيرات البيولوجية، من أبرزها:
- تحفيز آي جي إف-1 (IGF-1)، الذي يعزز فرط نمو الخلايا داخل المسام.
- خفض مستويات آي جي إف بي بي-3 (IGFBP-3)، وهو البروتين المسؤول عن كبح نشاط عامل النمو، ما يسمح بتأثيره دون ضوابط.
- تنشيط الأندروجينات، حيث يعمل الأنسولين كمنظم رئيسي يرفع مستويات الهرمونات المحفزة لإنتاج الدهون.
- والنتيجة النهائية هي بيئة جلدية مثالية لظهور البثور واستمرار الالتهاب.
- أوميغا-3 ومضادات الأكسدة.. خط الدفاع البيولوجي عن البشرة.
في المقابل، يمتلك النظام الغذائي ذاته القدرة على تهدئة البشرة والحد من شدة الالتهاب إذا أحسن اختياره.
أوميغا-3 في مواجهة الالتهاب
يعاني النظام الغذائي الحديث من خلل واضح في التوازن بين الدهون؛ إذ نستهلك كميات كبيرة من أوميغا-6 التي تعزز الالتهاب، مقابل كميات أقل من أوميغا-3 التي تساعد على تهدئته. إذ إن زيادة تناول أوميغا-3، الموجودة في الأسماك الدهنية مثل السلمون والسردين، وكذلك في بذور الكتان والشيا، تساعد على تقليل الإشارات داخل الجسم التي تدفع الغدد الدهنية إلى العمل بصورة مفرطة، ما يخفف من التهاب البشرة وحدة البثور.

تناول أوميغا-3 يساعد على تقليل الإشارات داخل الجسم التي تدفع الغدد الدهنية إلى العمل بصورة مفرطة (شترستوك)
مضادات الأكسدة والزنك
تلعب الفواكه والخضروات الملونة دورًا أساسيًا في حماية الجلد من الإجهاد التأكسدي، وهو عامل رئيسي في تفاقم الالتهاب الجلدي. كما تشير دراسات سريرية إلى أن الزنك، سواء من الغذاء أو المكملات، يمتلك خصائص مضادة للبكتيريا المرتبطة بحب الشباب، ويسهم في تقليل الاحمرار والتورم وتحسين شفاء الجلد.
طرق عملية لبشرة أكثر صفاءً
لا يتطلب تحسين صحة البشرة اتباع حمية قاسية أو حرمانًا مفرطًا، بل يعتمد على استبدالات ذكية ومستدامة:
- التركيز على جودة السعرات الحرارية وليس كميتها فقط.
- جعل الخضروات الغنية بالألياف ومضادات الأكسدة مكوّنًا أساسيًا في كل وجبة.
- تقليل الكربوهيدرات المكررة واستبدالها بخيارات كاملة منخفضة المؤشر الغليسيمي.
- مراقبة استجابة البشرة لمنتجات الألبان، ولا سيما الحليب السائل، وإجراء تعديلات فردية بناءً على ذلك.
إن حب الشباب ليس مشكلة سطحية فحسب، بل هو انعكاس لتوازن داخلي دقيق بين الهرمونات والالتهاب والاستقلاب. النظام الغذائي المتوازن، الغني بأوميغا-3 ومضادات الأكسدة، والمنخفض في المؤشر الغليسيمي، لا يساعد فقط على تقليل البثور الحالية، بل يعمل كخط دفاع وقائي طويل الأمد عبر إعادة ضبط “السيمفونية الهرمونية” داخل الجسم. وفي النهاية، تبقى البشرة مرآة صادقة لما يجري في الداخل، ويظل الاعتناء بالمائدة خطوة أولى وأساسية نحو بشرة صحية ونقية.
