
رام الله-نساء FM- سارة شاهين - من الضفة الغربية مروراً بالقدس والداخل المحتل، وصولاً إلى الشتات، تشكل المنتخب الفلسطيني النسائي لكرة القدم عام 2003. ورغم التحديات التي تواجهها اللاعبات الفلسطينيات من قبل المجتمع والاحتلال، فإنهن بقين متمسكات بحلمهن في إثبات جدارتهن على أرض الملعب.
ميرا، دانا، ونمير، ثلاث لاعبات كرة قدم فلسطينيات، عشن تجارب مختلفة في مسيرتهن الكروية، ولكن لم يختلفن في أن كرة القدم هي حلم الطفولة، الذي تحقق رغم الصعوبات.
حلم الطفولة
بدأت اللاعبة ميرا ناطور (24 عاما) وهي خريجة طب بشري، مسيرتها الكروية في عمر الست سنوات، وتحديداً في حصص الرياضة في المدرسة، وفي الخامسة عشرة ومن نفس المكان، اختارها المدرب لتنضم لصفوف نادي الديار في بيت لحم. كانت مترددة وخائفة من نظرة المجتمع، ولكن بدعم من إخوتها فراس وفادي ورامي وإيهاب، انضمت إلى النادي، وبعد ثلاث سنوات أصبحت تلعب ضمن المنتخب النسائي الفلسطيني.
من ساحة المنزل ومع العائلة، بدأت اللاعبة دانا بواطنة (20 عاما) وهي طالبة طب أسنان، تلعب كرة القدم. وفي عمر التسع سنوات ومع تشجيع الأب "باسم بواطنة" لها، التحقت بنادي شباب البيرة، قبل أن تنتمي إلى المنتخب النسائي في 2018 .
نفس الأمر بالنسبة للاعبة نمير طريفي (22 عاما) وهي خريجة علوم مالية ومصرفية التي بدأت تلعب كرة القدم في الحي، حيث اكتشفتها بالصدفة، وفي عمر التسع سنوات، لاعبة في نادي شباب البيرة، وهكذا انضمت لصفوف النادي عام 2010، وبعد ثلاث سنوات أصبحت بدورها لاعبة في المنتخب الفلسطيني النسائي.
التنمر ونظرة المجتمع
الدخول إلى المنتخب، لم يمنع تعرض اللاعبات إلى التنمر من قبل المجتمع الذي لا يقبل أن تغزو النساء مجالا هو تقليديا حكر على الرجال وأن تنجحن فيه.
"في المدرسة لم يكونوا ينادوني باسمي بل "حسن صبي"، وخاصة من قبل الطلاب والمعلمين، الذين يعتبرون أن أي فتاة تلعب كرة القدم هي مثل الأولاد"، تقول اللاعبة ميرا، مضيفة " كنا جميعاً كفتيات في النادي نتعرض لنفس المواقف، ولكن أعتقد أنه ومنذ 2015 إلى يومنا هذا، اختلفت نظرة المجتمع قليلاً للفتاة التي تلعب كرة القدم، وأصبحت الفكرة نوعاً ما مقبولة".
تؤكد اللاعبة دانا هي أيضا تعرضها للكثير من الانتقادات من قبيل " أنت بنت فلماذا تلعبين مثل الأولاد؟"، ولكنها تؤكد أن وجود العائلة يُشكّل دعما في وجه هذه الانتقادات".
أما اللاعبة نمير، فأكّدت أنها تتلقى هي وزميلاتها الكثير من التعليقات السلبية التي تصلهن على مواقع التواصل الاجتماعي، " خاصة عند نشر صورنا في التدريبات، فيتم التنمر على أجسادنا، أو الإستنقاص من كفائتنا ونجد تعليقات مثل (أنتِ مكانك المطبخ، وشو بفهمك بالرياضة)، وبالطبع تؤثر هذه التعليقات سلباً على أدائنا في الملعب".
في ذات السياق، تُبيّن رماح محمود وهي المديرة الفنية للدائرة النسوية في إتحاد كرة القدم، ومدربة فريق العمر 17 ومساعدة مدرب للمنتخب الأول فوق 17 عاما، أن طاقم التدريب يطلب دائما من اللاعبات أن لا يأخذن بما يُنشر في وسائل التواصل الإجتماعي وفي الإعلام لأن " اللاعبة التي تمكّنت من أن تكون في المنتخب، يجب أن تكون مقتنعة باختياراتها ومسيرتها الرياضية". وتضيف "بشكل عام، فإن نظرة المجتمع تغيرت قليلاً وأصبح هناك تقبل للكرة النسائية".
التحديات والصعوبات
ولكن التنمر ليس الصعوبة الوحيدة التي تتعرض لها لاعبات المنتخب، فهن يواجهن تحديات في إيجاد الملابس الرياضية المناسبة وفي عدم تقبل المجتمع للباسهن نتيجة العادات والتقاليد المحافظة، بالاضافة إلى العوائق التي يفرضها الإحتلال وصعوبة التنقل وقلة الدعم المادي.
تقول اللاعبة ميرا "في بداية مسيرتي الكروية، لم تكن الملابس الرياضية الخاصة بالفتيات متوفرة، لذلك كنت أشتري ملابس خاصة بالفتيان، وكان مظهري في أي مكان ألعب فيه يشبهم، عدا ذلك كان هناك ضغط من المحيط الخارجي على الأهل، حيث كان هناك سؤال متكرر يُطرح عليهم (كيف تسمحون لها بلبس "الشورت"، ولعب كرة القدم)". وتتابع "كانت هذه الأقاويل تنعكس علي، ولكن وجود الأهل وتفهمهم مثّل الداعم الأول لي".
في هذا الصدد، تُبيّن المدربة رماح أن: "العادات والتقاليد تقف في وجه اللاعبات في فلسطين؛ فاللاعبة التي تصل لعمر 18-19 وخاصة من المناطق المحافظة يتم اعتبار أنها كبُرت على لعب كرة القدم، هذا إلى جانب أنه في فترة الثانوية العامة، تقرر العديد من الأسر أن تُوقف ممارسة بناتها لهذه الرياضة لدفعهن للتركيز على الدراسة. بالنتيجة، انتهت المسيرة الكروية للكثير منهن نظر لكل تلك الأسباب".
من جهة أخرى، تعتبر اللاعبة دانا أنه "لا يتوفر دعم كافٍ للكرة النسوية في فلسطين وخاصة في مسألة توفر الملاعب، فأحياناً كان يتغير موعد التدريب بشكل مفاجئ بسبب وجود مباراة للشباب، بالإضافة إلى وجود الاحتلال الذي يعيق تنقلنا عبر الحواجز للوصول للتدريبات".
أما بالنسبة للاعبة نمير، فإن الصعوبات تكمن في أن ممارسة كرة القدم النسائية في فلسطين تنحصر بكونها هواية، لأنها لا توفر أي دعم مادي لهن، وتتم فقط تغطية مصاريف السفر لهن للمشاركة في البطولات. بالتالي، يجب أن تكون لديهن شهادة جامعية ومهنة أخرى حتى يستطعن أن يصرفن على أنفسهن.
وجود الاحتلال يشكل أحد أبرز التحديات التي تواجهها كرة القدم النسائية، حيث تُفسّر المدربة رماح أن "الطرق والحواجز والأزمات التي يتسبب بها الاحتلال، تُؤخر اللاعبات عن موعد التدريبات، كما أن عدم توفر ملاعب كافية هو بسبب منع الاحتلال لبنائها. وتذكر في هذا الصدد، أن هناك لاعبات من القدس انتهت مسيرتهن الكروية بسبب اقتحامات القوات الإسرائيلية خلال التدريبات وتخوف الأهل على بناتهم. من جانب آخر، فإن فرق كرة القدم النسائية في غزة دمرها الاحتلال خلال الحرب الحالية، وبقي مصير اللاعبات غير معروف. ينضاف إلى كل ذلك "عدم قدرتنا على التجمع كفريق كامل في فلسطين، مما يؤثر كثيراً على أدائنا، فعلى سبيل المثال، في بطولة اتحاد غرب آسيا لكرة القدم للسيدات التي انعقدت في فبراير من هذا العام، تجمع المنتخب فقط في السعودية ".
التجربة مع المنتخب
رغم كل الصعوبات التي تواجهها اللاعبات، فإن تجربة اللعب في المنتخب تمثل مصدر فخر واعتزاز بالنسبة لهن.
"في اللحظة التي تقفين فيها بالملعب أمام أي منتخب ثاني وتضعين يدك على علم فلسطين، ينتابك شعور بالفخر، التجربة رائعة جداً ولا توصف"، تقول اللاعبة ميرا، لكنها لا تُخفي أسفها من أن التدريبات مع المنتخب لا تكون مستمرة مثلما هو الحال في النادي، وذلك بسبب
التزام اللاعبات بالدراسة والعمل، حيث أنهن لا يستطعن التفرغ كلياً للتمارين، بما أنهن لا يتقاضين أي راتب مقابل اللعب، إضافة إلى أنهن لا يلتقين ببعضهن كلاعبات إلا في موعد البطولة.
اللاعبة دانا تصف التجربة مع المنتخب بأنها: "تجربة صعبة في البداية، لأننا لا نعرف بعضنا البعض، ولكن مع مرور الوقت تصبح تجربة جميلة، فأنت تسافرين وتمثلين بلدك في مختلف البطولات وهذا يُحمّلك مسؤولية، والتزاما بالتدريبات لتعطي أفضل ما عندك". فيما وصفت اللاعبة نمير التجربة مع المنتخب بأنها تجربة تفخر بها، قائلة: "بدأت مع المنتخب في عام 2013، في مركز الدفاع. هذه المسيرة الطويلة أتاحت لي الفرصة للمشاركة في العديد من البطولات، في كل من الأردن، لبنان، مصر، فرنسا، فيتنام، وتمثيل فلسطين؛ لتصبح ممارسة هذه الرياضة جزء من مقاومتنا للاحتلال وإثبات وجودنا أمام العالم".
وفيما يخص معايير اختيار اللاعبات للعب في المنتخب؛ تُوضّحُ المدربة رماح أنه لابد أن تكون اللاعبة منتمية لأحد النوادي، سواء في الضفة الغربية أو الداخل المحتل أو الشتات. بالنسبة لداخل فلسطين، يتم اختيار اللاعبات عبر متابعة الطاقم الفني للمنتخب للمباريات المحلية. أما بالنسبة لفلسطينيات الشتات، فيُطلب منهن إرسال فيديوهات أثناء اللعب. واجمالا، "يُشترط أن تتمتع اللاعبة باللياقة البدنية وتكون لها إمكانيات فردية، كما يجب أن تتحلى بالروح الجماعية، والأخلاق العالية".
وضعية كرة القدم النسائية في فلسطين
تعتبر اللاعبات اللواتي تحدثنا إليهن من المنتخب أن كرة القدم النسائية في فلسطين مازالت تحتاج إلى الكثير من الدعم، على العديد من المستويات. وحسب وكالة الأنباء وفا، توجد 3 أندية نسائية فقط لكرة القدم في الضفة.
ترى اللاعبة ميرا أن هذه الرياضة مظلومة مقارنة مع كرة القدم الرجالية، "فنحن لا نستطيع أن نلعب إلا في ملعب أو اثنين، وفي كثير من الأحيان تكون هذه الملاعب محجوزة لدوري الشباب، علاوة على أننا مظلومات إعلامياً، حيث لا يتم ذكر المنتخب النسائي كثيراً في وسائل
الإعلام وحتى على صفحة اتحاد كرة القدم، فالاهتمام بالمنتخب الرجالي أكثر، وحتى عند مشاركتنا في بطولة عالمية، لا يتم الترويج لنا." فيما تعتبر اللاعبة نمير أن هناك مواهب نسائية كثيرة لكنها تفتقر إلى الدعم والمساندة، "فالمجتمع والأهل يمثلان عائقا في وجوهنا في كثير من الأحيان، ويجب الوعي بأهمية وجود العنصر النسائي في المجالات الرياضية المختلفة، لإخراج جيل متميز يمثل اسم فلسطين عالمياً".
من جهتها، تُذكّر المدربة رماح بأن "هناك دعما ماديا يُقدّم للمنتخب النسائي من طرف رئيس الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم جبريل رجوب، وشركاء الاتحاد كالاتحاد الآسيوي والفيفا، ولكن هذا لا يكفي لدفع رواتب اللاعبات، خاصة وأنه لا يوجد احتراف في كرة القدم النسائية في فلسطين، ولا توجد قدرة مادية عند الأندية لدفع رواتب اللاعبات".
في المقابل، يقدم الاتحاد ودائرة المسابقات تسهيلات لهن للاحتراف في الخارج. " نحاول حالياً جلب عقود خارجية للبعض من اللاعبات اللواتي شاركن في بطولة غرب آسيا، للعب في السعودية"، تؤكد الرماح.
وللتذكير، فإن المنتخب شارك في بطولات عربية وآسيوية عديدة منذ تشكله، وفاز بالمركز الثاني في بطولة اتحاد غرب آسيا لكرة القدم للسيدات التي انعقدت في الأردن سنة 2014، وتمكّن من الوصول هذا العام إلى الدور النصف النهائي في نفس البطولة.
ماذا عن المستقبل؟
رغم مشاركة اللاعبات المستجوبات المنتظمة في التدريبات وفي مقابلات المنتخب، إلا أن مسألة استمراريتهن في ممارسة كرة القدم من عدمها تبقى غير مؤكدة، فبالنسبة للاعبة ميرا، يظل المستقبل غير واضح حاليا، حيث تقول: " لا أنوي ترك الملعب، وفي نفس الوقت درست الطب وأريد أن أعمل في هذا المجال، لذلك فأنا أفكر أن أبحث عن طريق يجعلني أوفّق بين المجالين، كأن أتخصص مثلا في الطب الرياضي، حتى أستطيع أن أبقى في الملاعب كطبيبة المنتخب مثلاً، أو يمكن أن تبقى كرة القدم مجرد هواية أمارسها، لأنه لا مستقبل لنا في فلسطين في هذا المجال ، كما أن الإحتراف في الخارج صعب في عمري هذا."
في سياق متصل ترى اللاعبة دانا أنه "في فلسطين لا إمكانيات لنحترف كرة القدم، كما أن الفرص محدودة، ولا يمكن أن نعتمد عليها لتكون مهنتنا في المستقبل بما أنها لا توفر أي دعم مادي، لذلك فبالنسبة لي يجب التركيز على الحصول على شهادتي الجامعية في طب الأسنان لضمان مستقبلي".
أما اللاعبة نمير فإنها تطمح لإكمال مسيرتها الكروية في الخارج، حيث تقول "مستقبل كرة القدم للنساء في فلسطين محدود، ولكنني لا أفكر شخصيا في الإعتزال. سأواصل اللعب إلى حدود السن المسموح بها، وقد أستمر بعد ذلك كمدربة لكرة القدم في المستقبل".
تم إنتاج هذا التقرير ضمن برنامج القادرات بدعم من الوكالة الفرنسية لتنمية الإعلامCFI وبتنفيذ من اذاعة نساء FM و حاضنة نساء الإعلامية. إن الآراء الواردة في هذا التقرير هي مسؤولية المنتجة، ولا تعبر عن آراء وموقف الوكالة الفرنسية لتنمية الإعلام CFI أو الجهات المانحة لها أو نساء إف إم/حاضنة نساء الإعلامية.
