الرئيسية » تقارير نسوية » دراسات المرأة » الرسالة الاخبارية »  

المرأة الفلسطينية والنكبة..معاناة مستمرة ونضال لا يتوقف
17 أيار 2023

  رام الله-نساء FM- شكلت نكبة العام 1948 وتهجير أكثر من ثلثي الشعب الفلسطيني وتدمير ما يقرب من الخمسمائة قرية فلسطينية، وقتل المئات من الفلسطينيين والفلسطينيات على أيدي عصابات الإجرام الصهيوني، الوريث الشرعي لحركات الاستعمار العالمية، محطة لا يمكن تجاهلها في السياق التاريخي للشعب الفلسطيني بكافة مكوناته. فقد أدت النكبة إلى تغيير جذري في نمط حياة الفلسطينيين والفلسطينيات وتحولات بنيوية لا تزال تلقي بظلالها على المجتمع الفلسطيني في كافة أماكن تواجده. فقد انتقل الفلسطينيون والفلسطينيات من مجتمع في مرحلة التشكل في فترة ما بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية وأفول الإمبراطورية العثمانية، إلى مجموعات من اللاجئين واللاجئات موزعة في جزء من وطنها وفي الدول المجاورة. كما رافقت عملية اللجوء تغييرات جوهرية في نمط حياة الفلسطينيين والفلسطينيات وخاصة في المجال الاقتصادي. فمن مجتمع يعتمد الزراعة كمكون أساسي في اقتصاده الوطني، إلى مجتمع يسعى للركض خلف ما يتاح للاجئين واللاجئات من فرص عمل تجود بها حكومات دول الشتات. كما أن اقتلاع الشعب الفلسطيني من أرضه بتلك الطريقة، قد أدى إلى تدمير الحياة الثقافية للمجتمع الفلسطيني والتي بدأت تتضح ملامحها منذ عشرينات القرن الماضي. ويكفي هنا الإشارة إلى انتشار الصحف اليومية والمسارح والمؤسسات الثقافية في مرحلة ما قبل النكبة، والتي كانت كفيلة أن تشكل الأساس لمشروع ثقافي وطني فلسطيني يضع الفلسطينيين والفلسطينيات في مصافِ الدول المتقدمة، في ذلك الحين، فيما لو قدر لها البقاء والاستمرار ولم تتعرض للتدمير، كما هو حال أغلبية مقدرات الشعب الفلسطيني في تلك الفترة. كما أن النكبة قد أدت إلى تدمير الهياكل والبنى المجتمعية والنقابية التي ظهرت في فلسطين قبل العام 1948 كدليل على مستوى التقدم الذي كان يتمتع بع الفلسطينيون والفلسطينيات في تلك الفترة. ويشار في هذا السياق إلى أن بواكير العمل النقابي قد ظهرت في فلسطين في العام 1920، عبر جمعية العمال العربية الفلسطينية[1]. كما لا يمكن إنكار مستوى البنية التحتية المتطورة نسبيا والتي كانت تتمتع بها فلسطين قبل النكبة، حيث عمدت الحركة الصهيونية إلى استغلال المرافق الفلسطينية التي كانت قائمة والاعتماد عليها في بناء كيانها، وبدعم واضح من الحركات الاستعمارية العالمية. وقد يكون مطار اللد من أهم الشواهد على ذلك، كونه مطار فلسطيني كان قائما قبل النكبة، ناهيك عن الموانئ الفلسطينية وغيرها الكثير من المرافق. شهدت فلسطين في مرحلة ما قبل النكبة نهضة عمرانية مميزة، لا تزال شواهدها قائمة حتى الآن حيث نشأت المدن التي شكلت نقاط جذب للعالم أجمع بحكم كون فلسطين تشاطئ المتوسط، ومحطة للتبادل التجاري العالمي في تلك الفترة. فقد نشأت وازدهرت العديد من المدن الساحلية كيافا وحيفا وعكا وعسقلان والمجدل والقدس وغيرها الكثير. كما أن ازدهار المدن قد انعكس على الحياة الاجتماعية للفلسطينيين والفلسطينيات ووفر لهم/ لهنّ الحيز الكافي لبناء مشروع ثقافي وطني. كما أن العمارة الفلسطينية شهدت تميزاً وتطورا ملحوظين في مرحلة ما قبل النكبة، ولا تزال العديد من المباني والبيوت الفلسطينية قائمة حتى اللحظة، وعصية على الطمس. ومن الشواهد الحية على ذلك بيوت منطقة عين كارم في القدس المحتلة وكذلك البيوت والمباني غي يافا وعكا وحيفا وغيرها الكثير من المدن. ورغم محاولات الاحتلال تغيير المشهد الجغرافي في فلسطين، إلا أن الذاكرة الفلسطينية بقيت حية وشاهدة على كذب الحركة الصهيونية وادعاءاتها الباطلة أن فلسطين كانت "خرابا".        أما على الصعيد الاجتماعي، فإن آثار النكبة قد طالت كافة الفئات المجتمعية دون استثناء، ولكن لا يمكن إخفاء حقيقة أن النساء كنّ الأكثر تأثرا بما جرى. تم استهداف النساء بالقتل كما الرجال والأطفال، وتعرضن للتشريد والزج بهنّ في مخيمات اللجوء داخل فلسطين وخارجها. فبالرغم من نجاح المرأة الفلسطينية في تنظيم ذاتها في جمعيات وهيئات اعتبارية قبل العام 1948، إلا أن النكبة جاءت لتدمر كل ما بنته المرأة الفلسطينية وكل ما حققته من إنجازات. الحركة النسوية في مرحلة ما قبل النكبة: انطلقت الحركة النسوية في فلسطين منذ أوائل القرن العشرين من خلال العمل الاجتماعي الخيري وتأسيس الجمعيات النسوية ذات الأهداف الإنسانية المتعددة. ومما لا شك فيه أن هذه الجمعيات ساهمت في تكوين الوعي العام بين النساء، سواء كان الوعي عملياً أو اجتماعياً أو سياسياً أو اقتصادياً، بالموضوعات التي كانت تطرح على بساط البحث، وبالأبحاث والمحاضرات والمسائل التي كانت تناقشها هذه الجمعيات، وما ترتب فيما بعد على هذا النقاش والحوار الاجتماعي والثقافي من تفاعل ساعد على انتشار الوعي بصورة عامة. وقد ساهمت هذه الجمعيات في حشد طاقات النساء للانخراط في النضال الوطني الفلسطيني في مرحلة الانتداب البريطاني والنضال ضد جرائم وممارسات العصابات الصهيونية المدعومة من الاستعمار البريطاني. فقد شاركت النساء في ثورة العام 1927 وفي ثورة العام 1936 دفاعاً عن الوجود الفلسطيني في وجه محاولات الاستعمار البريطاني طمس الهوية الوطنية للشعب الفلسطيني للتمهيد لتسليم فلسطين للعصابات الصهيونية. واستفادت الحركة النسوية الفلسطينية من التجارب التي مرت بها وراكمت عليها مما ساهم في انتشار وازدهار الجمعيات النسوية وخاصة في العقد الذي سبق النكبة. في هذا السياق، يشار إلى مجموعة من الجمعيات التي كان لها الباع الطويل في العمل الإنساني والنضالي في فلسطين: 

  • الاتحادات النسوية: تأسست الاتحادات النسوية في فلسطين سنة 1938 إثر القرارات التي اتخذها المؤتمر النسوي الذي عقد في القاهرة سنة 1938 برئاسة هدى شعراوي، زعيمة الحركة النسوية بمصر لبحث القضية الفلسطينية.  وقد توقف معظم هذه الاتحادات عن النشاط بسبب حرب 1948.
  • جمعيات الهلال الأحمر : تأسست هذه الجمعيات في مدن فلسطين المختلفة نتيجة للأوضاع التي كانت تمر بها البلاد منذ 1936. وبالرغم من أنها توقفت فترة بسيطة، فقد عادت للعمل بعد إعادة تسجيلها منذ سنة 1950 في القدس ونابلس وجنين وعرابة والبيرة وقباطية. أما أهداف هذه الجمعيات فهي: التمريض وتقديم الإسعافات الأولية، وفتح العيادات الطبية، وتقديم المساعدات والخدمات للمعتقلين السياسيين وأسرهم، إضافة إلى الخدمات الاجتماعية بشكل خاص. وهذه الجمعيات ذات اتصال وثيق بالمؤسسات الصحية الدولية، وفي مقدمتها الصليب الأحمر الدولي.
  • جمعية زهرة الأقحوان: هي جمعية سرية تأسست عام 1947 على يد الشقيقتين مهيبة وناريمان خورشيد، وانضم إليهما عدد من النساء الفلسطينيات، وبعض الرجال العرب والأجانب. وعملت المنظمة حتى وقوع النكبة وتهجير غالبية أهالي مناطق فلسطين التي احتلت عام 1948. نشطت الشقيقتان خورشيد في نشر الدعوة لتأسيس المنظمة بين «آنسات الطبقة المستنيرة» في يافا، فانضمت إليهن 12 فتاة عربية، وقررن مهاجمة عناصر منظمة الهاجاناه الصهيونية «في مواقعهم ومخابئهم» بعد أن تهيأت لهن فرصة التسلح بالمدافع الرشاشة والبنادق.

يأتي التعريج على ذكر المنظمات السابقة للتدليل على التقدم والتطور الذي كانت تتمتع به المرأة الفلسطينية في مرحلة ما قبل النكبة وعلى الدور التاريخي الذي لعبته نساء فلسطين في النضال الوطني التحرري. المرأة الفلسطينية في مرحلة ما بعد النكبة: بقيت المرأة الفلسطينية وفية لدورها النضالي في مرحلة ما بعد النكبة واللجوء، فانخرطت بشكل كبير في مجموعات مقاومة الاحتلال وامتشقت البندقية لتدافع عن شعبها ولم تتردد في التضحية بحياتها في سبيل حرية شعبها. ولم يكن دورها في الكفاح المسلح ثانويا أو تابعا، بل إنها شاركت في قيادة العمليات الفدائية التي أوجعت الاحتلال، وهنا يشار إلى العملية البطولية التي قادتها الشهيدة دلال المغربي واقتحامها لحدود فلسطين المحتلة عن طريق البحر، ويشار كذلك إلى العمليات الجريئة التي نفذتها ليلى خالد ضد أهداف صهيونية في أكثر من مكان في العالم، وخاصة خطف الطائرات بغية تبادل الاسرى والأسيرات وتحرير المناضلين والمناضلات من سجون الاحتلال.  كما لا بد في هذا السياق من الإشارة إلى العملية الجريئة التي نفذتها الراحلة تيريز هلسة، كنموذج آخر على الدور الكفاحي للمرأة في مرحلة الكفاح المسلح التي تلت نكبة العام 1948 ونكسة العام 1967. المرأة في مخيمات اللجوء: وفي مخيمات اللجوء، عانت المرأة الفلسطينية أكثر من غيرها من فئات المجتمع، فبحكم كونها تنحدر من مجتمع تقليدي يتميز بالنهج الأبوي، كان على المرأة اللاجئة أن تعمل جاهدة لرعاية أسرتها وخاصة الأطفال منهم. فالمرأة الفلسطينية هي التي كانت مسئولة عن أعمال الرعاية في مرحلة ما قبل النكبة، وحملت هذا الدور معها إلى مخيمات اللجوء. وفي المخيم، ورغم توليها مسئولية أعمال الرعاية، وبحكم قسوة الظروف وشح الإمكانيات، اضطرت المرأة للخروج بحثاً عن أي فرصة عمل توفر لها ولأسرتها حياة كريمة ضمن المستطاع. وفي ذات الوقت، حملت على عاتقها مسئولية حماية الهوية الوطنية الفلسطينية ونقلها للأجيال المختلفة ممن ولدوا وولدن في المخيمات بعيدا عن فلسطين. فقد انتشرت في العديد من مخيمات الشتات، الجمعيات النسوية الفلسطينية التي عملت على إحياء التراث الفلسطيني والحفاظ على الهوية الوطنية، إذ لا يكاد يخلو مخيم فلسطيني واحد من جمعية نسوية تعنى بالحفاظ على التطريز الفلسطيني والأشغال اليدوية ونقلها للأجيال الجديدة، باعتبارها إحدى أهم ركائز الثقافة والهوية الوطنية للفلسطينيين والفلسطينيات. وعلى نطاق الذاكرة، لعبت المراة دورًا مهمًّا في الحفاظ على الهوية والتاريخ الفلسطيني وذلك لدحض رواية الأعداء الصهاينة ومحاولة استبدال الرواية الفلسطينية؛ وبالتالي طمس الهوية وبعثرة الذاكرة الوطنية الجمعية التي يحرص كل فلسطيني وفلسطينية على التمسك بها؛ لأن الذاكرة هي محور أساسي للتاريخ الشفوي؛ ذلك أن المرأة  لها دور في حفظ الذاكرة والتدقيق في التفاصيل من خلال الحكاية الشفوية؛ لأن لها القدرة على الإفصاح عمَّا كان يدور من أحداث عبر الزمان والتاريخ، ومهما كانت الظروف إلا أنه يعتبر واجبًا وطنيًّا نضاليًّا أن تنقل المرأة التاريخ بين الأجيال. ومن ناحية التراث والفن كانت المرأة الفلسطينية تُتقن فنَّ التطريز اليدوي، وأيضًا الحياكة؛ ولذلك تتميز فلسطين بالتطريز على الأثواب، مثل: تطريز علَم فلسطين،  وتطريز شكل المفتاح الذي يُعبِّر عن التمسُّك بحق العودة، وأيضًا الزيتونة والأرض للتعبير عن معاني ومكانة الأرض في وجدان الشعب الفلسطيني، وكلها رموز تراثية شعبية من المطرزات، استطاعت المرأة من خلال هذا الفن أن تحافظ على الهوية والموروث الثقافي الإبداعي المميز الذي يميز الشعب الفلسطيني عن غيره من الشعوب العربية؛ تأكيدًا منها على التراث، والتصدي للمحاولات الممنهجة التي يقوم بها الاحتلال لسرقة التراث الشعبي الفلسطيني. كما عمدت المرأة الفلسطينية في المخيم ورغم قسوة الحياة، إلى تزيين شرفات منازلها الضيقة بالورود والنباتات وانتشرت الحدائق المنزلية على سطوح المنازل في المخيم. المرأة الفلسطينية في المناطق المحتلة منذ العام 1967: في المناطق التي احتلت في العام 1967، برز دور المرأة النضالي بشكل لا يمكن للعين المجردة أن تخطئه. فإلى جانب انخراطها في النضال الشعبي الفلسطيني ضد الاحتلال، اضطلعت المرأة بأدوار اجتماعية واقتصادية جلية للعيان. فعلى الصعيد النضال، شاركت المرأة في المقاومة الشعبية للاحتلال وقدمت الشهيدات والأسيرات والجريحات ولم تتراجع يوماً عن دورها الطليعي في مقارعة الاحتلال. فقد ارتقت شادية أبو غزالة على أرض مدينة نابلس- جبل النار، كأول شهيدة فلسطينية بعد نكسة العام 1967، وكانت الراحلة فاطمة البرناوي أول أسيرة فلسطينية تعتقل من قبل الاحتلال لنشاطها الوطني، وذلك بعد خمسة أشر من نكسة العام 1967 وهزيمة الأنظمة العربية واحتلال بقية ما تبقى من فلسطين. ولم يتوقف نضال المرأة الفلسطينية منذ العام 1967 وحتى اللحظة، بل لا يزال مستمرا ومتوهجاً ويؤكد أن المرأة الفلسطينية في طلائع الصفوف المقاتلة. ولم تتردد يوما من المشاركة في النضال الوطني ومقارعة الاحتلال، وفي هذا الإطار يشار للمناضلة ماجدة السلايمة والتي اعتقلها الاحتلال في العام 1978 وهي حامل في شهرها السادس، لتنجب طفلتها (والتي أسمتها فلسطين) وهي داخل زنازين العدو. وخلال الانتفاضة الأولى والتي أسقطت مقولة الصهاينة أن الفلسطينيين والفلسطينيات مجموعات من السكان وليسوا/ لسن شعبا، وانتزعت الاعتراف بحق الفلسطينيين والفلسطينيات بالوجود كشعب له حقوق وطنية وسياسية، كان للمرأة دور نضالي يشهد له القريب والبعيد. فإلى جانب انخراطها في الفعل النضالي اليومي، عملت المرأة على الإسناد الجماهيري للانتفاضة من خلال نشاطها في اللجان الشعبية وفي الجمعيات الأهلية التي عملت على تقديم الخدمات الطبية والإنسانية للفلسطينيين والفلسطينيات. كما ساهمت المرأة الفلسطينية وبفعالية في الأعمال التطوعية والتي قادت إلى ترسيخ العمل التطوعي كقيمة تميز المجتمع الفلسطيني. كما أن المرأة الفلسطينية ومن خلال الجمعيات الخيرية والجمعيات النسوية التي انتشرت في فترة ما قبل قيام السلطة الفلسطينية في العام 1993، قد شكلت حكومة ظل وطني، مما سهل عملية الانفكاك عن الاحتلال خلال الانتفاضة الأولى. كما لعبت النساء دوراً مميزاً في قيادة العمل الوطني في الأرض المحتلة، وخاصة في أواخر سبعينات القرن الماضي مع توجه الفصائل الفلسطينية لتشكيل منظمات جماهيرية في الأرض المحتلة من قبيل لجان المرأة والاتحادات الطلابية والنقابات وغيرها من الأجسام الجماهيرية.   الدور الاقتصادي للمرأة: أما على الصعيد الاقتصادي، فلم يكن دور المرأة الفلسطينية خافيا على أحد. فقد انخرطت في سوق العمل من أجل المساهمة في بناء اقتصاد وطني. وتعمقت مشاركة النساء في الأعمال الزراعية والأعمال غير الرسمية، مما شكل النواة لبناء اقتصاد فلسطيني مقاوم (اقتصاد الصمود) وساهمت المرأة في خلق نماذج تنموية لعبت دورا في تعزيز صمود الشعب الفلسطيني، وعلى رأس هذه النماذج كانت التعاونيات النسوية الإنتاجية وكذلك مشاريع زراعة الحدائق المنزلية. كما لعبت المرأة دورا بارزا في الحفاظ على النسيج الاجتماعي الفلسطيني وحماية الأسر، خاصة في ظل كون حملات الاعتقال قد ركزت بالأساس على الشباب والأطفال، إذ تشير التقارير الرسمية إلى اعتقال ما بين المائة والمائتي ألف فلسطيني خلال الانتفاضة الأولى. كما نشطت المرأة في تقديم الخدمات الطبية للجرحى والجريحات في الميدان وتقديم المساعدات العينية للأسر المحتاجة في ظل التضييق الذي مارسه الاحتلال على الفلسطينيين والفلسطينيات. وقد فتحت العديد من النساء أبواب منازلهن لحماية المطاردين الذين لاحقهم جيش الاحتلال. كذلك نشطت النساء الفلسطينيات في تنظيم صفوف التعليم الشعبي والتي جاءت ردا على سياسة الاحتلال الصهيوني المتمثلة في إغلاق المؤسسات التعليمية في فلسطين. المرأة الفلسطينية والنكبة المستمرة: تشير المعطيات والظروف الحالية إلى أن النكبة التي بدأت في العام 1948، لم تتوقف، بل لا تزال مستمرة.  فها هي حكومة الاحتلال الحالية (حكومة المستوطنين) والتي تصنف على أنها أكثر الحكومات الوحشية التي أفرزتها العقلية الاستعمارية الصهيونية، لا زالت تكرر ما قامت به العصابات الصهيونية أثناء النكبة، بشكل يكاد لا يقل وحشية عما حدث في العام 1948. فعمليات القتل متواصلة بشكل يومي وكذلك عمليات التهجير وهدم المنازل.  كما لا تزال فكرة التطهير العرقي تهيمن على العقلية الصهيونية، بوصفها الطريقة الأفضل للتخلص من الفلسطينيين والفلسطينيات. ففي هذا السياق، دعا أحد أركان حكومة الاحتلال الحالية، وبشكل علني إلى محو بلدة حوارة من الوجود، في اجترار جديد لنهج العصابات الصهيونية في العام 1948. كما لا يزال الشعب الفلسطيني في قطاع غزة تحت حصار خانق من البر والبحر والجو يفرضه الاحتلال منذ عقد ونيف. وقد تزامنت الذكرى الخامسة والسبعون للنكبة، مع عدوان صهيوني جديد على قطاع غزة استهدف الأبرياء ومن بينهم النساء والأطفال، حيث جاء هذا العدوان لتصدير الأزمة الداخلية التي يعيشها كيان الاحتلال من خلال شن عدوان على الشعب الفلسطيني. فكما حدث بدايات القرن المنصرم، عندما سعت الدول الاستعمارية للتخلص من الأزمة الداخلية التي سببها اليهود على حساب الشعب الفلسطيني، عبر تسهيل عملية اغتصاب العصابات الصهيونية لفلسطين للتخلص من اليهود، ها هي حكومة الكيان العنصري الصهيوني تكرر ذات التجربة بتصدير أزمتها الداخلية عبر شن عدوان على الشعب الفلسطيني الأعزل.   وقد أدت النكبة إلى تحويل قطاع غزة إلى أكثر بقاع المعمورة كثافة سكانية في ظل غياب الموارد والحصار الصهيوني الخانق للقطاع. فالكثافة السكانية غي قطاع غزة، على سبيل المثال، تصل إلى 6019 فردا للكيلو متر المربع الواحد، مع الأخذ بعين الاعتبار أن اللاجئين واللاجئات في قطاع غزة يشكلون ويشكلن 66% من مجمل المواطنين والمواطنات. وكنتيجة لذلك، يشهد القطاع تفاقما مخيفا في الأوضاع المعيشية للفلسطينيين والفلسطينيات. وفي تكرار لمشاهد النكبة، شهد قطاع غزة (منذ العام 2007) أربعة عشر عدوانا عسكريا صهيونيا قادت إلى سقوط مئات الشهداء والشهيدات وتدمير كامل للبنية التحتية مما زاد من دمار الحياة الاجتماعية وانعكست آثاره بالأساس على النساء الفلسطينيات. وقد خرجت المرأة الفلسطينية من النكبة والنكسة أكثر قوة من ذي قبل واستطاعت أن تثبت وجودها في كافة الساحات والميادين. فقد حاربت النساء ولا تزال تحارب على غير ذي صعيد، فإلى جانب مقارعتها للمشروع الاستعماري الصهيوني، ها هي تواجه مجتمعا يميز ضدها اجتماعيا وسياسيا وثقافيا. فبالرغم من دورها النضالي البارز عبر كافة مراحل النضال الوطني الفلسطيني، إلا أنه تم استثناء النساء من عملية صنع القرار في الفترة التي تلت قيام السلطة الفلسطينية. فكان لزاما على المرأة أن تناضل دفاعا عن حقوقها في مجتمعها، وهي الحقوق التي يجب أن تكون طبيعية للنساء. كما أن المرأة لا تزال عرضة لحملات الإقصاء والتحريض وخطاب الكراهية داخل المجتمع الفلسطيني، على أيدي العديد من القوى المحافظة والأبوية والتي لا تزال تحلم بتشييء النساء وإعادتهن إلى الحيز الخاص. يأتي ذلك كله في ظل وقوف المشرع الفلسطيني موقف المتفرج مما يجري دون خطوات عملية لحماية حقوق النساء أو تطبيق للعقد الاجتماعي الذي يربط المجتمع الفلسطيني والذي ينص عبر مختلف مكوناته على المساواة بين النساء والرجال، وكذلك دون احترام لتاريخ النساء ودورهن النضالي عبر مراحل النضال الوطني الفلسطيني المختلفة. كما لا تزال النساء الفلسطينيات في الضفة وقطاع غزة يعانين من تبعات الانقسام السياسي وتعطيل الحياة الديمقراطية في فلسطين والتنكر لحقوق الفلسطينيين والفلسطينيات في انتخاب من يمثلهم ويمثلهن في مختف دوائر صنع القرار وعلى رأسها المؤسسة التشريعية ومؤسسة الرئاسة. ولكي تتوقف آثار النكبة على النساء:  المرأة الفلسطينية هي الأكثر تضررا من النكبة وتبعاتها المستمرة منذ سبعة عقود ونيف. وقد آن الأوان لوقف الظلم الذي تعرضت وتتعرض له المرأة الفلسطينية وتكثيف الجهود لحمايتها من كافة أشكال الظلم والقهر الممارسين بحقها. فلا تزال نساء فلسطين عرضة لجرائم الاحتلال وانتهاكاته التي تضرب بعرض الحائط كافة المواثيق والأعراف الدولية. فالنساء تقتل بدم بارد على أيدي جنود الاحتلال، ويتم التنكيل بهن بشكل يومي على مرأى ومسمع العالم. فالنساء في فلسطين تعاني من نظام الفصل العنصري الذي يفرضه الاحتلال على الشعب الفلسطيني، ذلك النظام الذي أقرت بوجوده وأدانته منظمة العفو الدولية في تقرير مفصل صدر مطلع العام الماضي. كما لا تزال الأمم المتحدة تقف موقف المتفرج حيال جرائم الاحتلال بحق الفلسطينيين عامة وبحق النساء بشكل خاص. فبالرغم من أن النساء يتمتعن بالحماية حسب اتفاقيات جنيف وحسب عدد هائل من الاتفاقيات والمواثيق الدولية، إلا أن ما من خطوات عملية تتخذها الأمم المتحدة لتطبيق التزاماتها وتوفير الحماية لنساء فلسطين. فقد آن الأوان لتطبيق أجندة المرأة للأمن والسلام بوصفها من القواعد الملزمة وتوفير الحماية لنساء فلسطين. فمع تصاعد جرائم الاحتلال، باتت الحماية الدولية طارئة لضمان تمتع نساء فلسطين بحياة كريمة، كما هو حال النساء في كافة أنحاء العالم. أما على الصعيد الداخلي، وحتى لا تبقى النساء تحت ظلم مركب، فلا بد من توفر الإرادة السياسية لتعديل القوانين السارية في فلسطين والتي تميز بشكل صارخ ضد النساء، كما لا بد من ضمان حماية حقوق النساء الدستورية (مثلهن مثل بقية أفراد الشعب) للمشاركة في الحياة الديمقراطية عبر إجراء الانتخابات لكافة مستويات صنع القرار. وضمانا للحقوق السياسية للفلسطينيين والفلسطينيات في الشتات، لا بد من العمل ودون تأخير على إعادة الاعتبار لمنظمة التحرير الفلسطينية بوصفها الجسم السياسي الشرعي لتمثيل الفلسطينيين والفلسطينيات حيثما تواجدوا تواجدن. فلم يعد من المقبول استفراد مجموعة متنفذة بالقرار السياسي الفلسطيني، واحتكار تمثيل الفلسطينيين والفلسطينيات والتنازل عن حقوقهم وحقوقهن. فالشعب الفلسطيني اليوم بات قريباً من أربعة عشر مليون مواطن ومواطنة، ومن حقهم/ حقهن المشاركة في اختيار من يمثلهم/ نَ سياسياً. فقد أثبتت التجربة بعد مرور ثلاثة عقود على ما عرف بعملية التسوية، أن تلك العملية لم تقد إلى شيء، بل إلى تعميق المشروع الاستعماري الصهيوني. ولأن فلسطين هي لكافة الفلسطينيين والفلسطينيات، ولأن منظمة التحرير هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني بكافة مكوناته، فلا بد في هذا الاطار من تنظيم انتخابات فورية للمجلس الوطني الفلسطيني والذي بدوره ينتخب المجلس المركزي واللجنة التنفيذية للمنظمة، بما يضمن التمثيل الديمقراطي لكافة الفلسطينيين والفلسطينيات في كافة أماكن التواجد.