رام الله-نساء FM-اية عبد الرحمن: أثارت قضية المحامية والناشطة الحقوقية المصرية سالي الجباس جدلاً واسعاً عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وأعادت إلى الواجهة النقاش حول سؤال ما زال مطروحاً في كثير من المجتمعات: هل لا يزال الطلاق يُنظر إليه باعتباره وصمة عار؟ وما حجم تأثير الوصم الاجتماعي على الصحة النفسية والاختيارات الشخصية للنساء؟
القضية، التي ارتبطت بجريمة قتل مروعة وفق ما تناولته وسائل الإعلام والتحقيقات، دفعت إلى نقاشات واسعة حول الضغوط النفسية والاجتماعية التي قد يعيشها بعض الأفراد داخل أسرهم ومجتمعاتهم، خاصة في ظل الحديث عن أن الضغوط المرتبطة بكون المرأة مطلقة قد تكون عاملاً حاضراً في بعض العلاقات الأسرية. مع التأكيد أن أي ضغوط أو ظروف نفسية واجتماعية لا يمكن أن تكون مبرراً لأي جريمة أو عنف.
قالت الناشطة النسوية والحقوقية سريدة حسين، في حديث مع "نساء إف إم" إن الجريمة مرفوضة بشكل كامل، وإن قتل الإنسان، وخاصة داخل الأسرة، يمثل خطاً أحمر وقضية تستوجب الاستنكار والبحث الجاد في أسبابها الاجتماعية والنفسية، مشيرة إلى أن قضايا العنف ضد النساء والأطفال والجرائم التي ترتكب تحت ذرائع مختلفة تحتاج إلى التعامل معها بالجدية نفسها من قبل المجتمع والمشرعين وصناع السياسات والمؤسسات.
وأضافت حسين أن الحديث عن تعرض امرأة للمعايرة بسبب طلاقها يكشف عن مشكلة أعمق تتمثل في استمرار انتقال بعض الأفكار الاجتماعية من جيل إلى آخر، حيث تُربط صورة المرأة المثالية في بعض المجتمعات بالزواج والاستمرار فيه، وكأن الطلاق يمثل خروجاً عن النموذج المتوقع اجتماعياً.
وأوضحت أن كثيراً من الأسر تحمل أبناءها، وخاصة بناتها، صورة نمطية محددة حول "المرأة الناجحة" أو "المرأة المثالية"، وتكون ضمن هذه الصورة توقعات اجتماعية كبيرة، من بينها عدم حدوث الطلاق، لذلك عندما يقع الانفصال يشعر البعض بأن هذا النموذج قد تعرض للكسر، فتبدأ الضغوط والأحكام المجتمعية.
وأكدت أن الطلاق ليس أمراً سهلاً أو خياراً بسيطاً، لكنه في بعض الحالات قد يكون حلاً ضرورياً لإنهاء ظروف صعبة، مشددة على أنه لا يمكن الحكم على أي حالة طلاق دون معرفة تفاصيلها وأسبابها، وأن المشكلة تكمن في تحويل الطلاق إلى وصمة تُلاحق المرأة وتضعها في دائرة من الأحكام المسبقة.
وبيّنت حسين أن النساء المطلقات ما زلن يواجهن في بعض المجتمعات نظرة اجتماعية سلبية، قد تصل إلى التعامل معهن باعتبارهن أقل قبولاً أو أكثر عرضة للأحكام والتدخلات غير المقبولة، مشيرة إلى أن بعض النساء يتجنبن اتخاذ قرار الطلاق بسبب الخوف من هذه النظرة والضغوط التي قد يتعرضن لها بعد الانفصال.
ولفتت إلى أن التجارب والنقاشات التي جرت مع نساء، من بينهن نساء مطلقات، أظهرت وجود ممارسات اجتماعية قائمة على التقليل من شأن المرأة أو التعامل معها بنظرة مختلفة بعد الطلاق، وهو ما يفرض أعباء نفسية واجتماعية إضافية على النساء اللواتي يمررن بهذه التجربة.
وشددت حسين على ضرورة عدم اختزال أي قضية عنف في الحدث الأخير فقط، بل البحث في السياق الكامل المحيط بها، لأن تجاهل الأسباب والعوامل الاجتماعية لا يساعد على منع تكرار مثل هذه الأحداث، مؤكدة أهمية الاستفادة من هذه القضايا في تطوير التشريعات والسياسات والبرامج الاجتماعية.
وفيما يتعلق بكون المتهمة في القضية ناشطة في مجال حقوق المرأة، قالت حسين إن ذلك لا يعني وجود علاقة مباشرة بين عملها الحقوقي والجريمة، مشيرة إلى ضرورة الفصل بين النشاط المهني أو الحقوقي لأي شخص وبين أي فعل إجرامي يخضع للتحقيق والقانون. وأضافت أن معرفة الضغوط أو الخلفيات الاجتماعية لا تعني تبرير الجريمة، وإنما محاولة فهم الظروف التي قد تقود إلى تفاقم الأزمات داخل الأسرة والمجتمع.
وأشارت إلى أن هذه القضايا يجب أن تكون فرصة لمراجعة واقع التشريعات والسياسات الاجتماعية، مؤكدة أن تغيير الواقع يحتاج إلى العمل على أكثر من مستوى، بدءاً من القوانين، مروراً بالمناهج التعليمية والإعلام، وصولاً إلى الثقافة المجتمعية داخل الأسرة.
وأضافت أن المجتمعات بحاجة إلى منظومة متكاملة تعالج قضايا العنف الأسري والضغوط الاجتماعية، من خلال وجود قوانين فاعلة، وبرامج دعم نفسي واجتماعي، وسياسات تحمي الأفراد وتوفر لهم المساندة قبل الوصول إلى مراحل خطيرة.
وأكدت حسين أن قضايا النساء لا يمكن فصلها عن القضايا الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وأن إهمال الجانب الاجتماعي يؤدي إلى استمرار وجود فجوات بين التشريعات والواقع، ما يزيد من معاناة الأفراد والأسر.
وقالت إن تغيير النظرة المجتمعية تجاه النساء، وخاصة المطلقات، يحتاج إلى طريق طويل من التوعية والعمل المستمر، مشيرة إلى أن احترام حقوق الإنسان ودعم الصحة النفسية وتعزيز ثقافة الحوار داخل الأسرة هي عناصر أساسية للحد من العنف والوصم الاجتماعي.