وسط 96FM شمال 96.2FM جنوب 92.2FM
استمع الآن راديو نساء
نساء مناطق زراعة القنب الهندي بالمغرب.. أين نصيبهن من التنمية؟

 

 

المغرب-نساء FM-بين التحولات التشريعية التي يشهدها قطاع القنب الهندي في المغرب، وهشاشة الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية في المناطق المرتبطة تاريخيا بزراعته، تبرز قضية بنيوية غالبا ما تبقى في الظل: نساء يتحملن أعباء الرعاية والعمل اليومي، ويسهمن في استمرارية الحياة الاقتصادية للأسر، من دون أن يحظين دائما بالاعتراف المؤسسي أو الحماية الاجتماعية أو نصيب عادل من فرص التنمية.

ففي هذه المناطق القروية، لا تختزل الظاهرة في محصول ينمو فوق الأرض، ولا في مؤشرات الإنتاج والتسويق، أو في النقاش القانوني حول تقنين الاستعمالات المشروعة. بل تقف خلف هذه التفاصيل أسر تدبر معاشها وسط تقلبات الدخل، وأمهات يسعين إلى ضمان تمدرس أبنائهن، ونساء يتحملن مسؤولية رعاية المرضى وكبار السن، والحفاظ على توازن الأسرة كلما ضاقت الموارد. هنا تتكشف معالم اقتصاد الرعاية؛ ذلك الاقتصاد غير المرئي الذي تتحمل النساء قسطه الأوفر، بينما يغيب عن الحسابات الاقتصادية الرسمية، ولا يحتل المكانة التي يستحقها في السياسات العمومية.

 

القاسم المشترك بين الحالات هو أن العمل الكثيف الذي تقوم به النساء لا يترجم بالضرورة إلى استقلال اقتصادي أو سلطة فعلية في اتخاذ القرار بشأن الدخل أو الاستثمار، ولا يقترن بحماية اجتماعية أو فرص شغل لائق

 

اقتصاد لا يظهر في الأرقام

في العديد من الأسر المرتبطة بالنشاط الزراعي، لا ينحصر دور الدخل في تلبية الحاجات المباشرة لمن ينتجه، بل يمتد ليشكل عصب التضامن الأسري؛ إذ يوجه لتمويل الدراسة، وتغطية تكاليف العلاج، ومساعدة الأسرة الممتدة، وتوفير الغذاء والسكن، ومواجهة الأزمات. غير أن المورد المالي لا يتحول تلقائيا إلى استقرار معيشي، بل يتطلب تدبيرا يوميا للميزانية، وترتيبا للأولويات، وموازنة مستمرة بين نفقات المدرسة والدواء ومتطلبات البيت. وتضطلع النساء بجانب أساسي من هذه المسؤولية التدبيرية، فضلا عن أعمال الرعاية التي لا تتوقف بانتهاء اليوم أو نفاد الدخل.

إن هذا المجهود يمثل عملا ذا قيمة اقتصادية واجتماعية فعلية، وإن لم يقابله أجر نقدي أو يدرج في الإحصاءات الرسمية. وتكمن المفارقة في أن الاقتصاد المرئي المنتج للدخل لا يستطيع الاستمرار من دون اقتصاد الرعاية الذي يصون الحياة اليومية ويجدد القدرة البشرية على العمل؛ ومع ذلك، تقاس نجاعة السياسات الاقتصادية بحجم الإنتاج والاستثمار، بينما يظل الزمن والجهد اللذان تبذلهما النساء خارج دائرة التثمين.

المرأة بين العمل والمسؤولية الاجتماعية

لا يستقيم التحليل السوسيولوجي حين يتعامل مع نساء مناطق القنب الهندي بوصفهن فئة واحدة متجانسة؛ فالمشهد الميداني يعكس تباينا في الأدوار بين من تسهم في الأعمال الزراعية، ومن تعمل في إطار المساعدة العائلية، ومن تضطلع بمسؤوليات الرعاية، ومن تحاول الجمع بين العمل المنزلي ومصادر دخل أخرى، إلى جانب تفاوت أوضاعهن تبعا لمستوى التعليم وإمكانية الوصول إلى الموارد والتمويل والملكية.

بيد أن القاسم المشترك بين هذه الحالات هو أن العمل الكثيف الذي تقوم به النساء لا يترجم بالضرورة إلى استقلال اقتصادي أو سلطة فعلية في اتخاذ القرار بشأن الدخل أو الاستثمار، ولا يقترن بحماية اجتماعية أو فرص شغل لائق. وهنا يتجاوز السؤال حدود الاعتراف الرمزي بتضحيات المرأة، ليطرح إشكالية حقوقية ومؤسسية حول كيفية تحويل هذه المساهمة الحيوية إلى حقوق مكفولة، وفرص متكافئة، واستقلالية اقتصادية فعلية.

 

في ظل محدودية الموارد، تتحول الأسرة الممتدة إلى شبكة تضامن ذاتي تتحمل نفقات العلاج والدراسة ومساندة الأفراد في أوقات البطالة أو المرض

 

تقنين القنب الهندي وحدود المقاربة القانونية

مع اعتماد القانون رقم 13.21 المتعلق بالاستعمالات المشروعة للقنب الهندي، دخل المغرب مرحلة مؤسسية جديدة لتنظيم هذا المجال. ويمثل هذا التحول فرصة لفتح نقاش أوسع حول التنمية الاقتصادية والاجتماعية في المناطق المعنية، لكنه يطرح أسئلة جوهرية تتجاوز تنظيم الإنتاج والتسويق: من سيستفيد فعليا من الفرص الاقتصادية الجديدة؟ وهل ستتمكن النساء من الولوج إلى التكوين والتمويل والتعاونيات وسلاسل الإنتاج والتسويق بالشروط نفسها؟ وما التدابير الكفيلة بضمان عدم استمرار تهميش العمل النسائي داخل اقتصاد أصبح أكثر تنظيما؟

إن الانتقال إلى الاقتصاد القانوني لا يضمن تلقائيا تحقيق العدالة الاجتماعية؛ فقد تتغير القواعد المنظمة للنشاط، بينما تستمر التفاوتات البنيوية المرتبطة بالملكية والدخل والقدرة التفاوضية والوصول إلى الأسواق. وعليه، فإن نجاح هذا التحول لا يقاس فقط بحجم الإنتاج المرخص أو الاستثمار، بل بمدى انعكاسه الملموس على حياة النساء والأسر، وقدرة النساء على حيازة الموارد والمشاركة في القرار.

فجوة السياسات العمومية واستنزاف شبكات التضامن الأسري

لا تكمن الإشكالية التنموية في مبدأ تنظيم النشاط الاقتصادي أو البحث عن بدائل، وإنما في طريقة تدبير هذا الانتقال ومدى مراعاته للهشاشة الاجتماعية للأسر المعنية. فحين يرتهن استقرار الأسرة بمورد محدود أو موسمي، فإن أي تحول غير مصحوب ببدائل واقعية قد يضعها أمام مخاطر اجتماعية جديدة. وهنا تبرز مسؤولية السياسات العمومية في توفير شروط الانتقال العادل، عبر تجويد الخدمات الصحية والتعليمية، وتطوير النقل والبنى الأساسية، وتوسيع فرص التكوين والتشغيل والتمويل والمواكبة المؤسسية. إذ يصبح خذلان السياسات العمومية تعبيرا عن فجوة بين حضور الدولة في ضبط النشاط الاقتصادي وقدرتها على توفير الشروط الاجتماعية الداعمة للتنمية.

وفي ظل محدودية الموارد، تتحول الأسرة الممتدة إلى شبكة تضامن ذاتي تتحمل نفقات العلاج والدراسة ومساندة الأفراد في أوقات البطالة أو المرض. غير أن هذا التضامن ليس موردا بلا حدود؛ فمع تراجع المداخيل وتزايد الاحتياجات، تتضاعف الضغوط الأسرية وتتحمل النساء تبعاتها. فالنساء لا يواجهن الفقر بوصفه نقصا في المال فحسب، بل يعشنه بوصفه فقرا في الزمن؛ أي حرمانا من الراحة، وتقليصا لفرص العمل والتعلم والمشاركة العامة، مما يستوجب توسيع الحماية الاجتماعية لتشمل الخدمات العمومية المخففة لأعباء الرعاية.

 

إن قضية نساء القنب الهندي ليست دفاعا عن نشاط اقتصادي بعينه، بل هي قضية حقوق اجتماعية واقتصادية، ومساءلة لمسؤولية الدولة في ضمان انتقال لا يترك الأسر وحدها في مواجهة التحولات

 

التعليم والتنمية الدامجة: من اقتصاد المحصول إلى اقتصاد الكرامة

من أبلغ المفارقات الدالة سعي العديد من الأسر إلى توظيف مواردها الزراعية في تعليم أبنائها وبناتها، أملا في فتح آفاق مهنية واجتماعية مغايرة، وتجاوز الارتهان لمورد اقتصادي وحيد؛ جيل يعمل في الأرض لكي يدرس أبناؤه، وأبناء يدرسون لكي تتسع أمامهم خيارات الحياة. غير أن تحقيق هذا الطموح يرتهن بجودة التعليم، وتوافر النقل المدرسي والمنح وفرص الشغل بعد التخرج، لا سيما للفتيات اللواتي يواجهن عوائق بعد المسافة عن المؤسسات التعليمية وثقل المسؤوليات الأسرية. وهذا يجعل الاستثمار في تعليم النساء والفتيات ركيزة إستراتيجية لأي سياسة جادة لتنويع الاقتصاد وتقليص الهشاشة.

إن أي تصور لمستقبل المناطق المرتبطة بزراعة القنب الهندي يظل ناقصا إذا تعامل مع النساء باعتبارهن مجرد مستفيدات محتملات من برامج التنمية، بدلا من الاعتراف بهن فاعلات اقتصاديات واجتماعيات لهن حقوق ومطالب مشروعة. ويقتضي هذا الاعتراف إشراكهن في التشاور المحلي، وتيسير استفادتهن من التكوين والتمويل، وتعزيز حضورهن في التعاونيات والهيئات المهنية، وربط المشاريع الاقتصادية بمؤشرات اجتماعية تقيس أثرها الفعلي على شروط العيش.

إن قضية نساء القنب الهندي ليست دفاعا عن نشاط اقتصادي بعينه، بل هي قضية حقوق اجتماعية واقتصادية، ومساءلة لمسؤولية الدولة في ضمان انتقال لا يترك الأسر وحدها في مواجهة التحولات. فالبديل الحقيقي لا يختزل في استبدال محصول بآخر أو ضبط السوق فحسب، بل يتجسد في تغيير الشروط التي تجعل المرأة خط الدفاع الأخير أمام الفقر والأزمات، عبر سياسات عمومية متكاملة تجعل الكرامة حقا ملموسا، والعدالة الاجتماعية ثمرة فعلية للتنمية، لا مجرد شعار يرافقها.

المصدر : الجزيرة