الذكاء الاصطناعي في تدريس الصحافة.. كيف تحافظ الجامعات على مهارات الصحفي وإبداعه؟
رام الله-نساء FM-آية عبد الرحمن –لم يعد التحدي الذي يفرضه الذكاء الاصطناعي على المؤسسات الإعلامية والأكاديمية مقتصراً على مواكبة أدواته وتعلم استخدامها، بل بات يرتبط بكيفية توظيف هذه التقنيات دون المساس بمهارات الصحفي وقدرته على التفكير والإبداع والإنتاج. وبين فرص التطوير ومخاوف تراجع المهارات البشرية، تتجه مؤسسات أكاديمية إلى إعادة النظر في مناهج تدريس الصحافة، بما يضمن إعداد صحفيين قادرين على التعامل النقدي مع التكنولوجيا والتحكم في مخرجاتها، بدلاً من الاعتماد عليها بصورة كاملة.
وناقش برنامج "المنتصف" في إذاعة نساء إف إم تجربة مركز تطوير الإعلام في جامعة بيرزيت في إدماج الذكاء الاصطناعي في تدريس الصحافة والإعلام، والتحديات التي تواجه المؤسسات الأكاديمية في تطوير المناهج والحفاظ على المهارات المهنية والأخلاقيات الصحفية في ظل التحولات التكنولوجية المتسارعة.
واستضاف البرنامج منسق وحدة الأبحاث والسياسات في مركز تطوير الإعلام بجامعة بيرزيت، صالح مشارقة، للحديث عن التجربة التي عرضها خلال مشاركته في الملتقى العربي الخامس لطلبة الدراسات العليا في علوم الإعلام والاتصال، الذي استضافته جامعة السلطان قابوس في سلطنة عُمان، بمشاركة أكاديمية عربية ودولية.
وأوضح مشارقة أن مشاركة جامعة بيرزيت جاءت في إطار عضويتها في رابطة باحثي الاتصال العربي الأوروبي، التي تضم ثماني جامعات عربية من المغرب وتونس وقطر والأردن ولبنان ومصر، إلى جانب جامعة برلين الحرة، مشيراً إلى أن الملتقى شكل مساحة لعرض تجارب الجامعات في إدماج الذكاء الاصطناعي في تدريس الصحافة والإعلام وتبادل الخبرات الأكاديمية.
وبيّن أن جامعة بيرزيت عرضت تجربتها ضمن مشروع حصلت عليه من الاتحاد الأوروبي، تضمن تدريب 25 محاضراً جامعياً ومدرباً فلسطينياً على مفاهيم الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته، موضحاً أن التجربة لم تقتصر على تعليم استخدام الأدوات المتاحة، وإنما ركزت على إدخال السياق الفلسطيني في التعامل مع هذه التكنولوجيا، وتعزيز التفكير النقدي لدى الطلبة والمحاضرين.
وأكد أن فلسفة مركز تطوير الإعلام تقوم على تحويل استخدام الذكاء الاصطناعي من مجرد ممارسة تقنية إلى عملية اجتماعية وثقافية وتعليمية، بحيث لا يقتصر الأمر على إنشاء حسابات في التطبيقات واستخدامها لإنتاج المواد الصحفية، دون امتلاك رؤية واضحة لطبيعة الاستخدام وتداعياته.
وشدد على ضرورة أن يستند إدماج هذه التكنولوجيا إلى منظور اجتماعي وأخلاقي وحقوقي وإنساني، يحافظ على مهنة الصحافة والإبداع فيها، ويضمن ألا يتحول طلبة الإعلام إلى مستهلكين للمخرجات الجاهزة، بل يبقوا أصحاب الفكرة الأساسية والمتحكمين في عملية الإنتاج.
وأضاف أن التجربة التعليمية حرصت على عدم فصل التكنولوجيا عن البيئة الثقافية والاجتماعية، مؤكداً أهمية استحضار القيم العربية والدينية والمجتمعية الفلسطينية في استخدام هذه الأدوات، بحيث تكون وسيلة للتطوير لا بديلاً عن الهوية أو القيم أو التفكير الإنساني.
مخاوف من تراجع اللغة والإبداع والمهارات الصحفية
وفي استعراضه لمراحل التجربة، أشار مشارقة إلى أن المركز بدأ خلال عامي 2023 و2024 مرحلة استكشافية للتعرف إلى مواقف محاضري الإعلام في الجامعات الفلسطينية تجاه الذكاء الاصطناعي، من خلال بحث تناول المخاوف والمحاذير المرتبطة باستخدام تطبيقاته في التعليم والإنتاج الصحفي.
وأوضح أن نتائج البحث كشفت عن مخاوف تتعلق باللغة والإبداع والملكية الفكرية، إلى جانب القلق من أن يؤدي الاعتماد المفرط على هذه التطبيقات إلى تحويل الطلبة إلى أشخاص غير منتجين، يعتمدون على الحصول على مواد صحفية جاهزة بمجرد إدخال الأوامر، دون المرور بمراحل البحث والتفكير والتحرير والإنتاج التي تشكل أساس العمل الصحفي.
وأضاف أن بعض أساتذة الإعلام أبدوا مخاوف من تراجع اللغة وضعف القدرة على الإقناع، وإنتاج مواد تفتقر إلى الروح والتأثير الإنساني، وتبدو مصطنعة نتيجة الاعتماد الكامل على التطبيقات، الأمر الذي قد ينعكس على جودة الكتابة الصحفية وطبيعة الخطاب الإعلامي وقدرة الصحفي على التواصل مع الجمهور.
كما تطرق إلى المخاوف المتعلقة بمستقبل مهنة الصحافة وسوق العمل، في ظل ظهور تطبيقات قادرة على إنتاج الإعلانات والصور والتصميمات الجرافيكية والمواد المرئية، مشيراً إلى أن هذه الأدوات تطرح تساؤلات بشأن مستقبل بعض المهن والمهارات التي يعتمد عليها العاملون في المجال الإعلامي للحصول على فرص العمل والدخل.
ولفت إلى أن هذه التحولات تفرض على المؤسسات الأكاديمية التفكير في كيفية حماية المهارات البشرية وتطويرها، بما يتناسب مع متطلبات المرحلة الجديدة.
وفي سياق متصل، انتقد مشارقة التعامل مع تطبيقات الذكاء الاصطناعي باعتبارها خدمات مجانية بصورة مطلقة، موضحاً أن تقديم الشركات لهذه الخدمات دون مقابل مباشر لا يعني أنها بلا ثمن اقتصادي أو سياسي، في ظل امتلاك الشركات المطورة لهذه التطبيقات كميات واسعة من البيانات والمعلومات الناتجة عن استخدام الجمهور لها.
وأشار إلى أن توظيف هذه الأدوات من قبل الدول والأجهزة الأمنية والجهات المؤثرة عالمياً يطرح تساؤلات بشأن طبيعة هذه المجانية، والجهات المستفيدة منها، وما يمكن أن تمثله التكنولوجيا من أدوات للهيمنة والتأثير.
خمس جامعات فلسطينية تدرّس مساقاً متخصصاً في الذكاء الاصطناعي
وأكد مشارقة أن المركز لم يتبنَّ موقفاً يقوم على الرفض الكامل للذكاء الاصطناعي أو القبول غير المشروط به، وإنما اتجه إلى إدماجه ضمن عملية اجتماعية وثقافية وتعليمية واعية، يكون فيها السياق الفلسطيني والتفكير النقدي حاضرين بصورة أساسية.
وأوضح أن المركز عمل على تصميم مساق أكاديمي متخصص في الذكاء الاصطناعي وتدريس الصحافة والإعلام، مشيراً إلى أن المساق يُدرّس حالياً في خمس جامعات فلسطينية.
وفيما يتعلق بضمان المصداقية الصحفية والأمان الأكاديمي والحفاظ على مهارات الطلبة، شدد مشارقة على ضرورة أن يبقى الإنسان متحكماً في المنتج النهائي والعملية الإنتاجية، وألا تُترك التطبيقات تعمل بصورة مستقلة بعيداً عن الرقابة والتدخل البشري.
وأشار إلى مفهوم "الإنسان في الحلقة" (Human in the Loop)، المستخدم في الدراسات العلمية للتأكيد على ضرورة بقاء الإنسان جزءاً أساسياً من تشغيل الأنظمة الذكية ومراقبتها والتحكم في مخرجاتها.
وأوضح أن المشكلة لا تكمن في استخدام التطبيقات والاستفادة منها، وإنما في إخراج الإنسان من دائرة الفعل والتحكم، بما قد يضعف قدرته على توجيه التكنولوجيا وفق احتياجاته وقيمه وأهدافه.
وأضاف أن الفلسفة المعرفية التي اعتمدها المركز تنطلق من أن الإنسان هو العنصر الأساسي في عملية الإنتاج، وأن الصحفيين وطلبة الإعلام يمتلكون مهارات ومواهب يجب الحفاظ عليها، تشمل اللغة والمهارات الصوتية والأداء أمام الكاميرا وحركات الجسد والقدرة على إنتاج المواد الصحفية والتعامل مع الجمهور.
ولفت إلى أن التجارب العملية أظهرت أن استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي المجانية دون امتلاك المهارات الصحفية أو القدرة على تقييم المخرجات قد يؤدي إلى إنتاج مواد غير مقنعة وغير متقنة، تفتقر إلى المنطق والروح الصحفية، مؤكداً أن امتلاك الأداة وحده لا يكفي لإنتاج محتوى إعلامي جيد.
وشدد على أهمية إدماج الأخلاقيات والحقوق الرقمية والتفكير النقدي في المناهج التعليمية، وتعليم الطلبة كيفية التعامل مع التكنولوجيا بعقلية نقدية، وعدم التسليم بكل ما تنتجه التطبيقات أو تتداوله المنصات.
وأكد أن مسؤولية تعزيز الوعي لا تقتصر على الجامعات وطلبة الإعلام، بل ينبغي أن تشمل الأسر والمدارس والمجتمع، بما يعزز قدرة الأفراد على التمييز والتقييم والتعامل الواعي مع هذه الأدوات.
تحديات تتجاوز الجامعات وتهدد مستقبل المهارات البشرية
وفي حديثه عن أبرز التحديات التي واجهت المركز خلال تنفيذ التجربة، أوضح مشارقة أن التحديات لم تكن داخلية بقدر ما ارتبطت بالتطور السريع لتطبيقات الذكاء الاصطناعي وقدرتها على تنفيذ مهام متعددة، الأمر الذي أثار تساؤلات حول مستقبل دور المدرس والجامعة ومصمم المناهج التعليمية.
وأشار إلى أن بعض النقاشات باتت تتساءل عن جدوى وجود مدرس أو جامعة أو مصمم تعلم، في ظل قدرة التطبيقات على إعداد الكتب والمواد الإخبارية وإنتاج الصور والفيديوهات وتنفيذ مهام مختلفة.
وبيّن أن هذا الواقع فرض على المركز البحث عن صيغة متوازنة للعلاقة بين المحاضر والطالب، وبين الأسرة والمدرسة، وكذلك بين مصممي التعلم والوزارات والمعلمين والطلاب في فلسطين، تقوم على الاستخدام الواعي للتكنولوجيا، دون السماح لها بإضعاف القدرات البشرية أو تقليص الإبداع والسيطرة الإنسانية على الأدوات.
وحذّر من أن مخاطر الذكاء الاصطناعي لا تقتصر على فقدان بعض الوظائف، بل تمتد إلى احتمال تحول الإنتاج الإعلامي إلى محتوى مصطنع يفتقر إلى التأثير، بحيث تصبح اللغة ضعيفة وغير مقنعة، والصورة غير طبيعية، والفيديو بعيداً عن التعبير الإنساني الحقيقي.
واعتبر أن هذه القضايا يجب أن تكون جزءاً أساسياً من النقاشات التربوية والأكاديمية، وأن يتعامل معها العاملون في تصميم التعلم وتطوير المناهج باعتبارها تحديات مرتبطة بتحولات اجتماعية وثقافية واسعة.
وأضاف أن الوصول إلى استخدام آمن ورشيد للذكاء الاصطناعي لا يعني رفض التطور التكنولوجي أو الوقوف في مواجهته، وإنما فهم تأثيراته وتطوير أساليب تعليمية تحمي قدرات الأفراد وإبداعهم، وتضمن ألا يصبح الإنسان تابعاً للأدوات التي صنعها أو عاجزاً عن التفكير والإنتاج خارجها.
أوراق سياسات لتوسيع النقاش الفلسطيني حول الذكاء الاصطناعي
وعلى صعيد الخطط المستقبلية، كشف مشارقة عن توجه مركز تطوير الإعلام إلى مواصلة العمل وعدم الاكتفاء بالجانب الأكاديمي، من خلال إعداد أوراق سياسات وتطوير تدخلات فلسطينية بمشاركة باحثين ومهتمين من قطاعات متعددة، بهدف دراسة تأثير الذكاء الاصطناعي واستخداماته في مجالات مختلفة.
وأوضح أن المرحلة المقبلة ستشهد توسيع النقاش ليشمل قطاعات الصحة والقانون والمجتمع المدني والحقوق والرواية الفلسطينية، إلى جانب المجالات الاجتماعية والثقافية والسياسية.
وأشار إلى أن المركز، رغم أنه ليس جهة مختصة بصناعة السياسات، يستطيع التأثير في هذا المجال عبر تقديم المقترحات والأوراق البحثية والتدخلات التي تساعد في توجيه النقاش الفلسطيني حول الاستخدامات المناسبة للذكاء الاصطناعي، واستكشاف حضوره في مؤسسات المجتمع المدني والحقوق الرقمية والرواية الفلسطينية، وفي سياق الصراع مع الاحتلال.
وأكد أن الهدف هو نقل النقاش حول الذكاء الاصطناعي من حدود الاستخدام الأكاديمي والتقني إلى مجالات أوسع تشمل الأبعاد السياسية والاجتماعية والثقافية، والعمل على استكشاف ممارسات فلسطينية تراعي خصوصية المجتمع واحتياجاته وحقوقه وقيمه.
واختتم مشارقة حديثه بالتأكيد على أن تجربة مركز تطوير الإعلام في جامعة بيرزيت تنطلق من ضرورة تحقيق التوازن بين الاستفادة من التطور التكنولوجي والمحافظة على الدور الإنساني والإبداعي للصحفي، بحيث يبقى الذكاء الاصطناعي أداة مساندة للتفكير والإنتاج وليس بديلاً عنهما، بالتوازي مع تطوير المناهج الأكاديمية وتعزيز الوعي بالأخلاقيات والحقوق الرقمية، وفتح نقاش فلسطيني أوسع حول مستقبل هذه التكنولوجيا وتأثيراتها في مختلف القطاعات.
الاستماع الى اللقاء :