مستشار التنمية البشرية الدكتور أكرم عثمان : إتيكيت العمل يجمع بين الكفاءة والأخلاق واحترام الآخرين
رام الله-نساء FM-اية عبد الرحمن-أكد المستشار والمدرب الدولي في التنمية البشرية الدكتور أكرم عثمان أن النجاح المهني لا يعتمد على الخبرة والمهارات وحدها، بل يرتبط أيضًا بقدرة الموظف على التواصل الفعّال، واحترام الآخرين، وإدارة العلاقات المهنية بذكاء، والحفاظ على الحدود بين الحياة الشخصية والعمل.
وقال عثمان، خلال حديثه لإذاعة "نساء إف إم"، إن إتيكيت العمل يمثل منظومة متكاملة من القواعد السلوكية التي تنظم تعامل الموظفين مع زملائهم ومديريهم ومسؤوليهم والزبائن، وتشمل اللباقة والاحترام والانضباط وتحمل المسؤولية، بما يعزز الثقة ويرفع مستوى الكفاءة والإنتاجية داخل المؤسسات.
احترام الخصوصية وحدود المسؤوليات
وأوضح عثمان أن العلاقات المهنية ينبغي أن تقوم على احترام إنسانية الموظف وخصوصيته، والابتعاد عن التعليقات المسيئة والسخرية والاستهزاء، إلى جانب الالتزام بمواعيد الحضور والانصراف والاجتماعات، وإنجاز المهام بمسؤولية وفعالية.
وشدد على أهمية استخدام لغة واضحة ومهذبة في التواصل، والتحلي بالأمانة والمحافظة على سرية المعلومات المتعلقة بالعمل، وعدم نقلها إلى أشخاص من خارج المؤسسة أو إلى جهات منافسة.
وفيما يتعلق بإثبات الموظف كفاءته دون فرض رأيه أو تجاوز حدود الآخرين، أوضح عثمان ضرورة وجود مدونة سلوك مهني ووصف وظيفي واضح يحدد حقوق الموظف وواجباته ومسؤولياته، بما يضمن معرفة كل شخص لدوره داخل المؤسسة، ويحد من التدخل في شؤون الآخرين أو التطفل على خصوصياتهم.
وأشار إلى أن الالتزام بحدود المسؤوليات لا يتعارض مع التعاون، بل يساعد على تنظيم العمل وتوزيع المهام بصورة أكثر فاعلية.
روح الفريق وتبادل المعرفة
وأكد عثمان أن التعاون وروح الفريق يشكلان عنصرين أساسيين في نجاح المؤسسات، موضحًا أن الموظف الناجح هو الذي يستطيع الانسجام مع زملائه والمساهمة بصورة إيجابية في إنجاز المهام المشتركة، بدلًا من التعامل مع الآخرين باعتبارهم منافسين أو حجب المعلومات عنهم.
وأضاف أن تبادل المعرفة والبيانات بشفافية والعمل بروح الفريق الواحد يساعدان على تعزيز الإنتاجية وتحقيق الأهداف المؤسسية، لافتًا إلى أن إتيكيت العمل يرتبط كذلك بالذكاء العاطفي والقدرة على فهم الآخرين والتعامل معهم بطريقة متوازنة.
سلوكيات تضر بصورة الموظف
وحذّر عثمان من مجموعة من السلوكيات التي قد تؤثر سلبًا في صورة الموظف داخل المؤسسة، حتى لو كان متميزًا من الناحية المهنية، ومن أبرزها نقل الكلام بين الزملاء، والنميمة، والحسد، والغيرة السلبية، وإثارة الخلافات، إلى جانب المزاجية والصراخ والتنمر والسخرية والتحرش.
وأوضح أن هذه الممارسات تؤدي إلى تراجع الثقة بين الموظفين، وتؤثر في العلاقات المهنية، وقد تحول بيئة العمل إلى مساحة للصراعات بدلًا من التعاون والإنجاز.
واستشهد عثمان بحديث النبي محمد صلى الله عليه وسلم: «لا تُبَلِّغوني عن أصحابي، فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر»، موضحًا أن هذا المعنى يعزز أهمية تجنب نقل الكلام الذي قد يفسد العلاقات ويزرع الشكوك بين الأشخاص.
وأكد ضرورة التحلي بالأمانة والأخلاق الرفيعة، والابتعاد عن الممارسات التي تهدف إلى هدم العلاقات المهنية أو الإضرار بالزملاء.
وأشار إلى أن الموظفين الذين يعملون في الوظيفة أو التخصص نفسه قد تنشأ بينهم أحيانًا حساسيات مهنية، الأمر الذي يتطلب تعزيز ثقافة الشراكة والتعاون بدلًا من الغيرة والمنافسة السلبية، مؤكدًا أن نجاح المؤسسة مسؤولية مشتركة، وأن العمل ينبغي أن يقوم على الانسجام والتفاهم، لا على الدخول في صراعات مستمرة مع المحيطين.
كيف تُدار الخلافات والانتقادات؟
وفي سياق إدارة الخلافات المهنية والانتقادات، شدد عثمان على ضرورة التعامل مع المشكلات بجرأة واحترام في الوقت نفسه، من خلال الحوار المباشر والهادئ، والتأكد من صحة المعلومات قبل توجيه اللوم أو العتاب.
وأوضح أن سماع كلام سلبي عن أحد الزملاء لا ينبغي أن يكون سببًا للمواجهة الفورية أو إصدار الأحكام، بل يتطلب التحقق من الوقائع والاستماع إلى الأطراف المعنية، حتى لا يتعرض أحد للظلم نتيجة معلومات غير دقيقة.
وضرب مثالًا بموقف من السيرة النبوية، حين ورد أن أبا ذر رضي الله عنه عيّر رجلًا بأمه، فواجهه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «أعيّرته بأمه؟»، في دلالة على أهمية التعامل مع التصرفات المسيئة بطريقة أخلاقية، بعيدًا عن الإهانة والتسرع في إصدار الأحكام.
وأكد عثمان أن احترام الطرف الآخر عند تقديم النقد أو مناقشة الأخطاء يساعد على معالجة الخلافات دون تحويلها إلى عداوات شخصية أو توترات داخل فريق العمل.
مواثيق سلوكية وتدريب مهني
ودعا عثمان إلى تعزيز الثقافة المهنية القائمة على الاحترام المتبادل، ووضع مواثيق سلوكية واضحة تنظم طبيعة العلاقات داخل المؤسسات، إلى جانب تدريب الموظفين على مهارات الإتيكيت والتواصل الفعّال والذكاء العاطفي، بما يساعدهم على التعامل مع المواقف المختلفة بصورة أكثر وعيًا واحترافية.
وأوضح أن تنمية هذه المهارات تسهم في تحسين الانسجام والتعاون بين العاملين، ورفع مستوى الفاعلية والكفاءة، وتعزيز قدرة المؤسسات على تحقيق أهدافها، مضيفًا أن السلوكيات الإيجابية والأفكار البنّاءة لا تنعكس على الأداء الوظيفي فحسب، بل تمثل أيضًا رسالة أخلاقية وإنسانية ومهنية تعزز الاحترام والثقة داخل بيئة العمل.
واختتم عثمان حديثه بالتأكيد على أن إتيكيت العمل ليس مجرد قواعد للمجاملة أو مظهر شكلي، بل هو جزء أساسي من السلوك المهني الذي يحدد طبيعة العلاقات داخل المؤسسة، ويساعد على تحقيق التوازن بين إثبات الكفاءة واحترام الآخرين، وبين الاهتمام بالزملاء والحفاظ على خصوصياتهم.
وشدد على أن النجاح المهني المستدام يتطلب الجمع بين الخبرة والمهارة والأخلاق والذكاء العاطفي والتواصل الفعّال، بما يضمن بيئة عمل أكثر تعاونًا وإنتاجية واحترامًا.