المديرة التنفيذية لمؤسسة مدرج لريادة الإعلام الرقمي، الدكتورة روان الجيوسي لـ"نساء إف إم"، إن المعلومات المضللة تنتشر في ظل غياب الحقيقة وتصاعد الاستقطاب
مؤسسة"مدرج لريادة الإعلام الرقمي"، بقيادة المديرة التنفيذية الدكتورة روان الجيوسي، تحصد جائزة الإنجاز بين الثقافات لعام 2026.
عمان-نساء FM- اية عبد الرحمن- في وقت تتسارع فيه وتيرة تداول المعلومات والأخبار المضللة عبر المنصات الرقمية، لم تعد مواجهة التضليل تقتصر على كشف الأخبار الكاذبة، بل أصبحت ترتبط ببناء الثقة، وتعزيز التفكير النقدي، وفتح مساحات للحوار بين الثقافات. وفي هذا السياق، حصدت مؤسسة"مدرج لريادة الإعلام الرقمي"، بقيادة المديرة التنفيذية الدكتورة روان الجيوسي، جائزة الإنجاز بين الثقافات لعام 2026، عن جهودها في توظيف التكنولوجيا والإعلام لمواجهة التضليل وتعزيز التفاهم بين المجتمعات.
وقالت الدكتورة روان الجيوسي، المديرة التنفيذية لمؤسسة مدرج لريادة الإعلام الرقمي-الأردن، في حديثها لنساء إف إم، إن المعلومات المضللة تنتشر في ظل غياب الحقيقة وتصاعد الاستقطاب، سواء عبر منصات التواصل الاجتماعي أو نتيجة تدخل جهات إعلامية تسهم في تعميق الانقسامات، خصوصاً في المناطق التي تشهد نزاعات وحروباً، وكذلك في الدول التي تمر بمراحل تحول ديمقراطي.
وأوضحت الجيوسي أن "مدرج" تُعد أول حاضنة أعمال متخصصة في قطاع الإعلام، وتركز على دعم ريادة الأعمال والاستدامة للمؤسسات الصحفية المستقلة، مشيرة إلى أن المؤسسة تعمل على تعزيز الحوار الديمقراطي من خلال احتضان ودعم مؤسسات صحفية في المنطقة العربية، بما فيها الأردن، تسهم في الدفاع عن حقوق الإنسان والأقليات والنساء والأشخاص ذوي الإعاقة، وتوفير مساحات للحوار المدني والديمقراطي ومواجهة خطاب الكراهية.
وأضافت أن المؤسسة توظف التكنولوجيا والابتكار والتحول الرقمي لدعم الصحافة المستقلة، انطلاقاً من إيمانها بأن تعزيز هذه المؤسسات ينعكس إيجاباً على المجتمعات المدنية، ويفتح المجال أمام حوار قائم على المعرفة، ويسهم في حماية الحقيقة والحد من انتشار المعلومات المضللة.
وفيما يتعلق بدور الذكاء الاصطناعي في مواجهة التضليل، أكدت الجيوسي أن دور «مدرج» لا يتمثل في التحقق المباشر من الأخبار، وإنما في احتضان المؤسسات والمبادرات الناشئة العاملة في مجال التحقق من المعلومات، ودعم المؤسسات الصحفية المستقلة التي تستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي في عملها.
وأشارت إلى أن المؤسسة توفر برامج تدريب واحتضان، ومدربين متخصصين، واشتراكات في أدوات الذكاء الاصطناعي التي تحتاجها المؤسسات، إلى جانب تنظيم جلسات نقاشية مستمرة تهدف إلى إنتاج أوراق سياسات تبحث في كيفية تطوير استخدام الذكاء الاصطناعي بما يخدم الإنسانية.
وبينت أن هذه الجلسات تستهدف فئات مختلفة، من بينها طلبة الجامعات، وتناقش كيفية توظيف الذكاء الاصطناعي في غرف الأخبار، واستخدامه لحماية الحقيقة، والتحقق من المعلومات التي تنتجها هذه الأدوات أو تقدمها للمستخدمين. ولفتت إلى أن بعض أدوات الذكاء الاصطناعي قد تحمل تحيزات ضد قضايا المنطقة العربية، أو تعكس انحيازات مرتبطة بالبيانات التي تدربت عليها، الأمر الذي يستدعي رفع الوعي بكيفية استخدامها وتقييم مخرجاتها، والاستفادة منها في تطوير العمل الصحفي دون المساس بالدقة والمصداقية.
وشددت الجيوسي على أن الاستفادة من التكنولوجيا يجب أن تبقى مرتبطة بخدمة الحقيقة، لا أن تتحول إلى وسيلة لإعادة إنتاج التضليل، مؤكدة أهمية استمرار الحوار والتدريب وتوفير الخبرات اللازمة للعاملين والعاملات في المؤسسات الإعلامية.
وحول سبل تعزيز التفكير النقدي لدى الجمهور، اعتبرت الجيوسي أن هذه المهمة ترتبط بصورة أساسية بالتعليم، موضحة أن التفكير النقدي يجب أن يبدأ من المدارس، من خلال إدماج التربية الإعلامية والمعلوماتية في المناهج، وتعليم الطلبة كيفية التمييز بين الأخبار الصحيحة والمضللة.
وأوضحت أن التحقق من أي خبر يبدأ بطرح أسئلة أساسية، من بينها مدى منطقية المعلومات الواردة فيه، وتوقيت نشره، والجهة التي تقف وراءه، ومدى اتساق الصورة المرفقة معه مع الوقائع. وأشارت إلى أن هذه المهارات تساعد الجمهور على التعامل الواعي مع المحتوى الرقمي، بدلاً من تصديقه أو إعادة نشره دون تمحيص.
وأضافت أن الاعتماد على التلقين والحفظ في الأنظمة التعليمية يحد من تطوير مهارات التفكير والتحليل، مؤكدة أن التفكير النقدي ليس مجرد مهارة فردية، بل جزء من بنية المجتمع، وينبغي أن يمتد إلى طريقة تعامل الحكومات والمؤسسات مع المعلومات، وكيفية تحليل المواد الصحفية والإعلامية والأعمال الدرامية وغيرها من أشكال المحتوى.
وأشارت إلى أن المؤسسة تعمل منذ خمس سنوات على دعم المؤسسات الصحفية والطلبة والصحفيين والصحفيات الجدد والشركات الناشئة في المنطقة العربية، من خلال التدريبات والمحاضرات والأنشطة التي تنفذها في الجامعات، ولا سيما كليات الإعلام، مؤكدة انفتاحها على فرص التعاون التي تسهم في تعزيز التربية الإعلامية وتطوير مهارات التحقق والتفكير النقدي.
وفيما يتعلق باستعادة ثقة الجمهور بالإعلام، قالت الجيوسي إن تراجع الثقة بالمعلومات المتداولة رقمياً، وعدم معرفة مصادرها وآليات إنتاجها، ينعكسان سلباً على الصحافة المستقلة، ويضعان مختلف وسائل الإعلام، سواء الحكومية أو التجارية أو المستقلة، أمام أزمة ثقة عامة.
وأكدت أن الصحافة المستقلة تؤدي دوراً أساسياً في تقديم الحقيقة من خلال الصحافة المعمقة والاستقصائية والحقوقية، ومساءلة السلطات، والبحث في القضايا التي قد لا تحظى بالاهتمام الكافي في الإعلام التجاري أو الحكومي. وشددت على أهمية أن تحافظ هذه المؤسسات على المهنية والاستقلالية، وأن تقدم محتوى يرتبط بقضايا المواطنين والمواطنات واحتياجاتهم.
وأضافت أن التربية الإعلامية تساعد الجمهور على فهم طبيعة عمل المؤسسات الإعلامية، والجهات التي تمتلكها، والتحديات التي تواجهها، والتمييز بين الخطأ غير المقصود في المعلومات، سواء كان فنياً أو مهنياً أو تحريرياً، وبين التضليل المتعمد الذي يستهدف التلاعب بالرأي العام والتأثير في الديمقراطية والمجتمع المدني.
وحول نتائج عمل «مدرج» والتحديات التي تواجه المؤسسات الصحفية المستقلة، أوضحت الجيوسي أن الجائزة جاءت تقديراً لعمل المؤسسة ومسيرتها، وليست لمشروع منفرد، مشيرة إلى أن السنوات الخمس الماضية شهدت احتضان ودعم عشرات المؤسسات الصحفية العربية، ومساعدة عدد منها على الاستمرار وتحقيق قدر من الاستدامة رغم التحديات المالية.
ولفتت إلى أن المؤسسة أسهمت في مساعدة صحفيين وصحفيات مستقلين على تحويل أفكارهم إلى مشاريع وشركات ناشئة، كما دعمت تطوير محتوى إعلامي متخصص في قضايا الأشخاص ذوي الإعاقة، بما أتاح لبعض المؤسسات إنتاج برامج جديدة والحصول على تمويل خاص بها.
وأكدت أن بناء نماذج عمل مستدامة للصحافة المستقلة يتطلب تطوير استراتيجيات تحريرية وخطط للنشر، والاستفادة من التكنولوجيا، وإيجاد مصادر دخل تساعد المؤسسات على الاستمرار، مع الحفاظ على خطاب إعلامي مسؤول يناهض الكراهية ويدافع عن حقوق الإنسان والحقيقة.
وفي المقابل، حذرت الجيوسي من استمرار التحديات التي تواجه البيئة الحاضنة للصحافة المستقلة في المنطقة العربية، ومن بينها صعوبات تسجيل المؤسسات الربحية وغير الربحية، والعقبات التي تواجه تأسيس المؤسسات الصحفية، وارتفاع تكاليف الإنتاج والعمل الصحفي، إضافة إلى القوانين المتعلقة بالجرائم الإلكترونية، وضعف مخرجات التعليم في مجال الإعلام، والحاجة إلى تطوير غرف الأخبار والتحول الرقمي فيها.
كما أشارت إلى نقص فرص التدريب المتخصص، والحاجة إلى الانتقال من التدريبات الجزئية والمحدودة إلى برامج مستمرة لبناء القدرات، فضلاً عن أهمية تطوير السياسات التحريرية ومواثيق الشرف والمعايير الأخلاقية التي تنظم العمل الصحفي، خصوصاً مع تسارع التحولات التكنولوجية ودخول الذكاء الاصطناعي إلى الصناعة الإعلامية.
وأكدت أن مواجهة هذه التحديات تتطلب عملاً متواصلاً من المؤسسات الإعلامية والجهات الداعمة والجامعات، من أجل توفير بيئة أكثر نضجاً واستقراراً للصحافة المستقلة، وتمكينها من أداء دورها الرقابي والمجتمعي.
وحول الخطوات المقبلة، أوضحت الجيوسي أن المؤسسة تواصل تنفيذ مشاريعها وتوسيع شراكاتها في المنطقة العربية، مشيرة إلى وجود مشاريع في الأردن وسوريا ولبنان، إلى جانب التعاون مع مؤسسات صحفية عربية، وتنفيذ تدريبات ومحاضرات جامعية، والعمل ضمن شبكات مهنية دولية، من بينها زمالة المركز الدولي للصحفيين.
وأضافت أن «مدرج» احتضنت نحو 22 مؤسسة عربية، وأن الشراكات والتحالفات التي بنتها المؤسسة تمثل قاعدة لمواصلة العمل وتحقيق أثر أكبر خلال السنوات المقبلة.
وفي ختام اللقاء، استذكرت الجيوسي تجربة التعاون مع نساء إف إم، معربة عن اعتزازها بهذه التجربة وبالتقدم الذي تحقق خلالها، ومؤكدة أهمية استمرار التعاون بين المؤسسات الإعلامية وتبادل الخبرات لدعم الصحافة المستقلة وتعزيز حضورها في المنطقة العربية.