وسط 96FM شمال 96.2FM جنوب 92.2FM
استمع الآن راديو نساء
سريدة حسين لـ"نساء إف إم": المؤسسات النسوية شريك أساسي في الاستجابة للأزمات

 

رام الله-نساء FM- آية عبد الرحمن: في ظل تصاعد النزاعات المسلحة والأزمات الإنسانية في المنطقة، تواجه النساء والفتيات مخاطر متزايدة تتعلق بالصحة الإنجابية والحماية من العنف والوصول إلى الخدمات الأساسية، في وقت تتضاعف فيه الأعباء الملقاة على عاتقهن جراء النزوح وفقدان المأوى وتدهور الأوضاع الصحية والمعيشية.

وفي اليمن، حذّر صندوق الأمم المتحدة للسكان من المخاطر التي تهدد حياة وصحة أكثر من 147 ألف امرأة وفتاة في سن الإنجاب في محافظة تعز، في ظل تعطل معظم مستشفيات رعاية الطوارئ التوليدية وحديثي الولادة، وصعوبة وصول آلاف النساء الحوامل إلى الرعاية الصحية اللازمة، بالتزامن مع تعليق نحو 75% من خدمات الحماية من العنف في المحافظة.

وتتقاطع هذه الأوضاع مع ما تواجهه النساء الفلسطينيات في قطاع غزة جراء الحرب والنزوح وانهيار الخدمات الصحية، إلى جانب معاناة النساء في السودان وسوريا والعراق، ما يسلط الضوء على حجم المخاطر التي تواجه النساء والفتيات، ودور المؤسسات النسوية في الاستجابة للأزمات وتعزيز حماية حقوقهن.

وفي هذا السياق، استضاف برنامج "المنتصف" على نساء إف إم الناشطة النسوية والحقوقية سريدة حسين، للحديث عن واقع النساء في مناطق النزاع، والتحديات التي تواجههن، ودور المؤسسات النسوية في الاستجابة الإنسانية والتعافي وإعادة الإعمار.

وأكدت حسين أن النساء في مناطق النزاع يواجهن ظروفاً متشابهة في جوانب عدة، أبرزها النزوح وفقدان المأوى وتدهور الخدمات الأساسية، لكنها شددت على ضرورة التمييز بين طبيعة الأزمات وأسبابها، موضحة أن ما تواجهه النساء الفلسطينيات في قطاع غزة يختلف عن الأوضاع في مناطق أخرى، لأن القضية الفلسطينية، بحسب وصفها، لا تتعلق بمجرد نزاع مسلح، وإنما ترتبط باحتلال استعماري إحلالي يسعى إلى اقتلاع السكان الفلسطينيين وإحلال غيرهم مكانهم.

وأشارت إلى أن فهم أوضاع النساء في غزة يستدعي النظر إلى طبيعة الاحتلال وتداعياته على المجتمع الفلسطيني، مع الإقرار بالمعاناة المشتركة للنساء في مناطق النزاع، سواء في اليمن أو السودان أو سوريا أو غيرها من المناطق التي تشهد حروباً وأزمات إنسانية.

النزوح يضاعف الأعباء الجسدية والنفسية على النساء

وأوضحت حسين أن النزوح المتكرر والانتقال من المنازل إلى الخيام ومراكز الإيواء، ثم الانتقال مجدداً من مكان إلى آخر، يفرضان أعباءً إنسانية واجتماعية ونفسية كبيرة على الأسر، تتحمل النساء جانباً كبيراً منها بحكم مسؤولياتهن في رعاية أفراد الأسرة وتنظيم شؤونهم اليومية.

وأضافت أن المرأة غالباً ما تتحمل مسؤولية رعاية الأطفال وكبار السن، والاهتمام باحتياجات الأسرة، ومحاولة توفير الشعور بالأمان والاستقرار لأفرادها، حتى عندما تفقد الأسرة منزلها وممتلكاتها ومقومات حياتها الأساسية.

وأكدت أن فقدان المأوى لا يعني خسارة مكان السكن فحسب، بل يؤدي أيضاً إلى انهيار الروتين اليومي والاستقرار الذي تعتمد عليه الأسرة في تنظيم حياتها، ما يضع النساء أمام مسؤوليات أكثر صعوبة، خصوصاً عندما يضطررن إلى مواصلة رعاية أسرهن في بيئة تفتقر إلى الحد الأدنى من الأمان والخصوصية والخدمات.

ولفتت إلى أن هذه الأعباء لا تقتصر على الجوانب الجسدية والمعيشية، بل تمتد إلى الصحة النفسية، إذ تجد النساء أنفسهن مطالبات بتوفير الرعاية والحماية لأفراد أسرهن، في الوقت الذي يعانين فيه من الخوف والقلق وفقدان الاستقرار والضغط النفسي المتواصل.

الصحة الإنجابية احتياج أساسي لا يحتمل التأجيل

وفيما يتعلق بالصحة الإنجابية واحتياجات النساء والفتيات خلال الأزمات، شددت حسين على أن هذه الاحتياجات لا يمكن اعتبارها ثانوية أو تأجيل تلبيتها، لأنها ترتبط بمراحل أساسية في حياة المرأة وتتطلب رعاية خاصة ومستمرة.

وأوضحت أن الفتيات خلال مرحلة الحيض يحتجن إلى مستلزمات النظافة الصحية، فيما تحتاج النساء الحوامل إلى الرعاية الطبية والغذاء المناسب للحفاظ على صحتهن وصحة الأجنة، وتحتاج الأمهات المرضعات إلى التغذية الكافية لضمان قدرتهن على إرضاع أطفالهن وتلبية احتياجاتهم.

وبيّنت أن الأزمات الإنسانية تحد من القدرة على توفير هذه المستلزمات والخدمات، ما يزيد المخاطر الصحية التي تواجه النساء والفتيات. واستشهدت بما شهدته غزة منذ بداية الحرب من نقص في المواد الصحية الأساسية، بما فيها الفوط الصحية، نتيجة تعطل الإمدادات وصعوبة إدخال الاحتياجات الضرورية، في وقت تركزت فيه المساعدات بدرجة كبيرة على توفير الطحين والزيت والمياه والمواد الغذائية.

وأضافت أن نقص المستلزمات الصحية الخاصة بالنساء والفتيات فاقم معاناتهن، وأدى إلى ظهور مشكلات صحية نتيجة عدم القدرة على الحصول على المواد اللازمة للنظافة الشخصية خلال النزوح والظروف المعيشية القاسية.

وأكدت أن توفير المستلزمات الصحية والإنجابية يجب أن يكون جزءاً أساسياً من الاستجابة الإنسانية، شأنه شأن توفير الغذاء والمياه والمأوى، لأن تجاهل هذه الاحتياجات يعرّض النساء والفتيات لمخاطر إضافية، في وقت يعانين فيه أصلاً من ضعف الخدمات الصحية وانعدام الاستقرار.

معاناة صامتة واحتياجات لا تحظى بالأولوية

وأشارت حسين إلى أن معاناة النساء خلال الأزمات لا تظهر دائماً بصورة واضحة، إذ كثيراً ما تبقى احتياجاتهن الشخصية والنفسية غير معلنة بسبب شعورهن بالمسؤولية تجاه أسرهن، واعتقادهن بأن الأولوية يجب أن تكون لتلبية احتياجات الأطفال وبقية أفراد الأسرة.

ووصفت ذلك بأنه "معاناة صامتة"، موضحة أن المرأة قد تتردد في التعبير عن احتياجاتها الخاصة لأنها اعتادت أن تكون المسؤولة عن رعاية الآخرين وتوفير ما يحتاجون إليه، حتى عندما تكون هي نفسها في أمسّ الحاجة إلى الدعم والرعاية.

وشددت على أن هذه الأدوار الاجتماعية تصبح أكثر ثقلاً خلال النزوح والحروب، حيث تضطر النساء إلى مواصلة الاهتمام بأسرهن رغم فقدان مقومات الحياة الأساسية وتراجع الخدمات وازدياد الضغوط النفسية والمعيشية.

وأكدت أن الاستجابة الإنسانية ينبغي أن تراعي احتياجات النساء بوصفهن أفراداً لهن حقوق واحتياجات مستقلة، لا أن تنظر إليهن فقط من خلال دورهن في رعاية الأسرة.

المؤسسات النسوية في مقدمة الاستجابة الإنسانية

وفيما يتعلق بدور المؤسسات النسوية، أكدت حسين أن المؤسسات التي تقودها النساء تؤدي دوراً محورياً في الاستجابة الأولى للاحتياجات المجتمعية، وتتحرك في كثير من الأحيان منذ اللحظات الأولى للأزمات، بحكم ارتباطها المباشر بالمجتمع ومعرفتها باحتياجاته الفعلية.

وأوضحت أن دراسة أجرتها مؤسستها في قطاع غزة أظهرت أن المؤسسات التي تقودها النساء كانت من أوائل المؤسسات الوطنية التي تحركت للاستجابة للأزمة وتلبية احتياجات السكان.

وأضافت أن هذه المؤسسات واصلت عملها رغم الدمار الذي طال مقارها، واحتراق الملفات وفقدان الإمكانات التشغيلية، واضطرار عدد منها إلى مواصلة أنشطته من الخيام وفي ظروف شديدة الصعوبة.

وبيّنت أن العاملات في هذه المؤسسات لم يتوقفن عن أداء مهامهن الإنسانية والمجتمعية رغم المخاطر والضغوط، إذ تواصل المرأة تقديم المساعدة للآخرين، ثم تعود إلى خيمتها لتعتني بأسرتها وتواجه احتياجاتها الشخصية والمعيشية.

واعتبرت أن هذه الصورة تعكس حجم المسؤولية التي تتحملها النساء، اللواتي يجمعن بين الاستجابة لاحتياجات المجتمع والقيام بمسؤولياتهن الأسرية، حتى في ظل انعدام الاستقرار وشح الإمكانات.

وأكدت أن هذا الدور لا يقتصر على قطاع غزة، بل يتكرر في اليمن والسودان وسوريا وغيرها من المناطق التي تشهد أزمات ونزاعات، حيث تتحرك المؤسسات التي تقودها النساء مبكراً لتقديم المساعدة والاستجابة للاحتياجات الطارئة.

وأشارت إلى أن هذه المؤسسات تستمد قوتها من وجودها داخل المجتمع ومعرفتها المباشرة بالناس والظروف التي يعيشونها، ما يساعدها على تحديد الاحتياجات والتعامل معها بصورة أقرب إلى الواقع.

وشددت حسين على أن المؤسسات النسوية ليست الجهات الوحيدة التي تستجيب للأزمات، لكنها من أوائل الجهات التي تتحرك، ومن الجهات التي تواصل عملها رغم استمرار المخاطر وتفاقم الظروف الإنسانية، بفضل ارتباطها بالمجتمعات التي تنتمي إليها وإدراكها أن قضايا النساء واحتياجاتهن جزء لا يتجزأ من قضايا المجتمع بأكمله.

دعم مستدام وشراكة في تحديد الأولويات

ودعت حسين إلى تقديم دعم مستمر للمؤسسات النسوية، لا يقتصر على المرحلة الأولى من الأزمة، بل يمتد إلى مراحل التعافي وإعادة الإعمار، مؤكدة ضرورة أن تكون هذه المؤسسات ضمن أولويات الجهات المانحة والمنظمات الدولية منذ بداية الأزمات وحتى انتهاء مراحل الاستجابة والتعافي، مع توفير الموارد المالية والمادية اللازمة لاستمرار عملها وتطوير قدراتها.

وأشارت إلى أن الخبرات والمعارف التي راكمتها المؤسسات النسوية خلال العمل الميداني تمثل قيمة أساسية ينبغي الاستفادة منها، إذ تمتلك المؤسسات المحلية معرفة مباشرة بالتحديات والاحتياجات التي تواجه السكان، وهي معرفة قد لا تتوفر بالدرجة نفسها لدى الجهات الخارجية أو المؤسسات الدولية البعيدة عن واقع المجتمعات المتضررة.

وشددت على ضرورة عدم التعامل مع هذه المؤسسات باعتبارها جهات ثانوية أو مجرد أدوات لتنفيذ البرامج، بل بوصفها شريكات أساسيات في تحديد الأولويات وصياغة الاستجابات الإنسانية.

وأضافت أن الدعم المطلوب لا ينبغي أن يكون مؤقتاً أو مقتصراً على المساعدات الطارئة، بل يجب أن يشمل تمكين المؤسسات النسوية من الاستمرار في العمل وتعزيز إمكاناتها والاستفادة من خبراتها خلال مرحلة إعادة البناء.

وأكدت أن الجهات التي كانت في مقدمة الاستجابة خلال الأزمة ينبغي أن يكون لها دور أساسي في عملية التعافي وإعادة الإعمار، لأنها الأكثر معرفة باحتياجات المجتمعات التي تعمل فيها.

حسين: يجب إشراك المؤسسات النسوية في قرارات إعادة إعمار غزة

وفيما يتعلق بمستقبل قطاع غزة، شددت حسين على ضرورة إشراك المؤسسات النسوية الفلسطينية والمؤسسات المجتمعية المحلية في القرارات المتعلقة بإعادة الإعمار وتحديد ملامح المرحلة المقبلة.

وأعربت عن رفضها لأي تدخلات أو ترتيبات تتجاوز حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، مؤكدة أن المؤسسات الفلسطينية التي عاشت تفاصيل الأزمة وقدمت الاستجابة على الأرض يجب أن تكون حاضرة في صياغة الخطط المتعلقة بمستقبل القطاع.

وأوضحت أن المؤسسات النسوية، بالتعاون مع المؤسسات المجتمعية والشبكات المحلية، تمتلك المعرفة والخبرة اللازمتين للمشاركة في تحديد كيفية إعادة بناء المجتمعات والمنازل، ووضع أولويات التعافي، وتحديد الاحتياجات الاجتماعية والإنسانية للسكان.

وشددت على ضرورة حضور النساء على طاولات صنع القرار ومشاركتهن بصورة فعلية في وضع السياسات والخطط التي تحدد مستقبل مجتمعاتهن، بدلاً من الاكتفاء بإشراكهن بصورة شكلية.

وأكدت أن إعادة الإعمار لا ينبغي أن تقتصر على إعادة بناء المباني والمنازل، بل يجب أن تشمل إعادة بناء الحياة المجتمعية، واستعادة الخدمات الأساسية، وتوفير الحماية للنساء والفتيات، وضمان مشاركتهن في صياغة القرارات التي تمس حياتهن ومستقبلهن.

واعتبرت أن النساء اللواتي تحملن مسؤوليات كبيرة خلال الحرب والنزوح، والمؤسسات التي واصلت تقديم الخدمات رغم الدمار والمخاطر، يمتلكن خبرة ميدانية تؤهلهن للمساهمة في تحديد أولويات البناء والتعافي.

وفي ختام حديثها، أكدت حسين أن حماية النساء والفتيات في مناطق النزاع تتطلب استجابة شاملة تراعي احتياجاتهن الصحية والإنجابية والنفسية والاجتماعية، وتضمن توفير الخدمات الأساسية والمستلزمات الضرورية، إلى جانب تعزيز دور المؤسسات النسوية ودعمها بصورة مستدامة.

وشددت على أهمية إشراك النساء في جميع مراحل الاستجابة الإنسانية والتعافي وإعادة الإعمار، انطلاقاً من خبراتهن ومعرفتهن المباشرة بواقع مجتمعاتهن، بما يضمن أن يكن شريكات أساسيات في صنع القرار وبناء مستقبل أكثر أماناً واستقراراً لمجتمعاتهن.