وسط 96FM شمال 96.2FM جنوب 92.2FM
استمع الآن راديو نساء
التنمية البشرية بين الوعود والواقع.. هل تقود دورات تطوير الذات إلى نجاح حقيقي أم تبيع الأوهام؟

 

رام الله-نساء FM-اية عبد الرحمن- بين وعود النجاح السريع والثراء وتغيير الحياة بالكامل، يجد كثيرون أنفسهم أمام تساؤلات حول جدوى دورات التنمية البشرية وتطوير الذات، ومدى قدرتها على إحداث تغيير حقيقي في حياتهم، في ظل انتشار برامج تسويقية تَعِد بنتائج كبيرة خلال وقت قصير، مقابل مخاوف من استغلال طموحات الناس وحاجتهم إلى التغيير، والترويج لوعود لا تستند إلى أسس علمية أو نتائج واقعية.

وفي حديثه لنساء إف إم، أوضح الخبير والمستشار في التنمية البشرية وتدريب القيادة، الدكتور محمد بشارات، أن التنمية البشرية بمفهومها العلمي تجمع بين علم النفس والإدارة ومجالات معرفية متعددة، وتهدف إلى بناء قدرات الإنسان وتطوير مهاراته، مؤكداً أن المشكلة لا تكمن في التنمية البشرية بحد ذاتها، وإنما في استغلال هذا المصطلح لبيع الأوهام والترويج لأفكار ووعود غير واقعية.

بين التدريب الحقيقي والوعود المضللة

وأشار بشارات إلى أن الدورات التدريبية القائمة على الدراسات والمعرفة العلمية يمكن أن تسهم في تطوير قدرات الأفراد، إلا أن التغيير يبدأ بقرار شخصي، ولا يرتبط بالظروف وحدها أو بمجرد المشاركة في دورة تدريبية.

وأوضح أن الوعود بتحويل الشخص إلى قائد ناجح أو تحقيق الثراء وتغيير الحياة بالكامل من خلال دورة واحدة هي وعود غير واقعية، مشدداً على أن تطوير الذات عملية تحتاج إلى التعلم والممارسة والاستمرارية، ولا يمكن اختزالها في حضور برنامج تدريبي أو الاستماع إلى محاضرة تحفيزية.

وحول كيفية التمييز بين الدورات التدريبية الفعالة وتلك التي تبيع الأوهام، شدد بشارات على ضرورة التحقق من مرجعية المدرب وخبرته وشهاداته، والجهة التي تقدم التدريب، وطبيعة المحتوى والأهداف التي يسعى إلى تحقيقها، إلى جانب مراجعة نتائج أعمال المدرب والتغذية الراجعة من الأشخاص الذين سبق لهم المشاركة في برامجه.

ولفت إلى أهمية التأكد من أن الدورة تقدم مهارات عملية قابلة للتطبيق، مثل التفاوض والتواصل والكتابة والخطابة والتعامل مع الآخرين، مشيراً إلى أن المؤسسات والشركات تستثمر مبالغ كبيرة في تدريب موظفيها بهدف تحسين الأداء وزيادة الإنتاجية، وهو ما يعكس أهمية التدريب عندما يستند إلى احتياجات واضحة وأهداف قابلة للقياس.

وأكد بشارات ضرورة عدم المبالغة في توقع نتائج الدورات التدريبية، موضحاً أن الحماس الذي يشعر به المشاركون خلال التدريب قد يكون مؤقتاً، وأن استمرار أثره يتطلب التطبيق والممارسة والمتابعة.

وأضاف أن أفضل تدريب، حتى مع توفر مدرب مؤهل وبيئة مناسبة واحتياجات واضحة، لا يعني بالضرورة حدوث تغيير شامل في حياة المتدرب، داعياً إلى التعامل بواقعية مع النتائج المتوقعة، وعدم الاعتقاد بأن دورة أو كتاباً واحداً قادر على تغيير حياة الإنسان بالكامل.

لماذا ينجذب الناس إلى وعود النجاح السريع؟

وفي ما يتعلق بأسباب انجذاب الناس إلى الوعود السريعة بالنجاح والثراء، أوضح بشارات أن الإنسان يميل بطبيعته إلى النتائج السهلة والسريعة، الأمر الذي يجعل بعض الأشخاص أكثر عرضة للتأثر بالوعود المغرية، خاصة عندما يواجهون إخفاقات أو يسعون إلى تحسين أوضاعهم الشخصية والمهنية.

وأضاف أن انتشار وسائل التواصل الاجتماعي والإنترنت أتاح المجال أمام بعض المدربين لتسويق برامج تعتمد على المبالغة والوعود غير الواقعية، بما في ذلك الترويج لمفاهيم مثل طاقة الجذب والثراء السريع، محذراً من استغلال حاجة الناس إلى الأمل والتغيير لتحقيق مكاسب مالية على حساب مصداقية التدريب.

وأشار بشارات إلى أن بعض الأشخاص قد يلجؤون إلى تفسيرات غير مثبتة لإخفاقاتهم، مثل السحر والحسد، بدلاً من مراجعة مهاراتهم وسلوكهم والظروف المحيطة بهم، داعياً إلى التفكير النقدي والتعامل مع المشكلات بواقعية، والبحث عن حلول عملية قائمة على المعرفة والتجربة.

مسؤولية مشتركة لضبط قطاع التدريب

وشدد بشارات على أن مسؤولية الحد من هذه الممارسات لا تقع على المدربين وحدهم، بل تشمل المؤسسات والجهات المهنية التي تنظم قطاع التدريب، والأفراد الذين ينبغي أن يتحققوا من مصداقية البرامج قبل الالتحاق بها.

وأكد أهمية وجود مرجعيات مهنية واضحة ومعايير تنظم عمل المدربين، وتساعد على التمييز بين البرامج الجادة والبرامج التي تروج لوعود مضللة، بما يعزز الثقة بالتدريب القائم على المعرفة ويحد من استغلال الراغبين في تطوير أنفسهم.

ودعا الراغبين في تطوير مهاراتهم إلى البحث عن مدربين يمتلكون خبرة فعلية في المجال الذي يقدمونه، والتحقق من مؤهلاتهم وشهاداتهم والجهات التي اعتمدتها، إلى جانب مراجعة تجارب المتدربين السابقين ونتائج البرامج التدريبية.

كما شدد على أهمية معرفة محتوى الدورة وأهدافها والمهارات المتوقع اكتسابها قبل دفع تكاليفها، وعدم اتخاذ قرار التسجيل بناءً على الإعلانات أو الوعود التسويقية وحدها، بل استناداً إلى تقييم واقعي لما يمكن أن يقدمه التدريب ومدى ارتباطه باحتياجات الشخص وأهدافه.

التعلم لا يتطلب دائماً تكاليف مرتفعة

وفي ما يتعلق بالبدائل المتاحة أمام الراغبين في التعلم دون تحمل تكاليف مرتفعة، أشار بشارات إلى أن كثيراً من الجامعات والمؤسسات العالمية توفر دورات ومواد تعليمية مجانية عبر الإنترنت، من بينها مصادر تعليمية تقدمها جامعات هارفارد وكامبريدج وشركة جوجل، إضافة إلى المحاضرات والمواد التدريبية المتاحة عبر موقع يوتيوب.

وأكد أن التعلم لا يتطلب دائماً دفع مبالغ مالية كبيرة، داعياً إلى القراءة والتثقيف المسبق في المجال المراد تطوير المهارات فيه، وتحديد الاحتياجات والأهداف قبل التسجيل في أي دورة تدريبية.

وأشار كذلك إلى إمكانية الاستعانة بمرشد أو خبير يمتلك خبرة عملية، شريطة أن يكون قادراً على فهم احتياجات الشخص وتقديم التوجيه المناسب لها، بما يساعده على تطوير قدراته وفق أهداف واضحة بدلاً من الانجراف وراء وعود عامة لا تراعي اختلاف الظروف والإمكانات بين الأفراد.

تطوير الذات يبدأ بخطوات واقعية

وختم بشارات بالتأكيد على أن التنمية البشرية الحقيقية تقوم على العلم والمعرفة والتطبيق العملي، وأن دورات تطوير الذات يمكن أن تكون وسيلة فعالة لبناء القدرات عندما تستند إلى أسس واضحة، بعيداً عن المبالغة في الوعود أو الادعاء بإمكانية تحقيق النجاح والثراء بصورة فورية.

وبين الوعود التسويقية والتطوير الحقيقي، تبقى القدرة على التحقق من المصادر واختيار التدريب المناسب وتطبيق المهارات المكتسبة من أهم العوامل التي تساعد الأفراد على تطوير أنفسهم وتحقيق نتائج واقعية في حياتهم الشخصية والمهنية.

فالتغيير لا تصنعه الوعود وحدها، بل يبدأ بمعرفة الاحتياجات، واختيار مصادر التعلم الموثوقة، والعمل المستمر على اكتساب المهارات وتطبيقها، مع إدراك أن النجاح مسار يتطلب الوقت والجهد، وليس نتيجة مضمونة لدورة تدريبية واحدة.