الدكتورة سالي حمود لـ"نساء إف إم": كتاب "الذكاء الاصطناعي في تكوين السمعة الرقمية" يرصد تحولات العصر الرقمي
رام الله-نساء FM-اية عبد الرحمن- في ظل الانتشار المتسارع لأدوات الذكاء الاصطناعي، لم تعد السمعة الرقمية للأفراد والمؤسسات تتشكل فقط من خلال ما ينشرونه عبر منصات التواصل الاجتماعي، بل أصبحت هذه التقنيات تؤثر بشكل متزايد في الطريقة التي تظهر فيها المعلومات عن الأشخاص والمؤسسات على الإنترنت، سواء عبر محركات البحث أو أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي والنماذج اللغوية الكبيرة.
و أطلقت الدكتورة سالي حمود كتابًا بعنوان "الذكاء الاصطناعي في تكوين السمعة الرقمية"، يناقش التحولات التي أحدثها الذكاء الاصطناعي في مفهوم السمعة الرقمية، وطريقة تشكل الصورة التي يكونها المستخدم عن شخص أو مؤسسة، خاصة في ظل إمكانية أن تكون المعلومات التي تقدمها أدوات الذكاء الاصطناعي دقيقة، أو ناقصة، أو قديمة، أو مضللة.
السمعة الرقمية.. من الحضور إلى إدارة الصورة
وأوضحت حمود، خلال حديثها لنساء إف إم، أن السمعة الرقمية أصبحت اليوم أكثر تداولًا، بعدما انتقل الناس من الاعتماد على التواصل التقليدي والكلمة المباشرة إلى البحث عن الأشخاص والمؤسسات عبر الإنترنت.
وترى أن بناء السمعة الرقمية لا يعني مجرد امتلاك حضور على الشبكة، في ظل وجود كميات هائلة ومتباينة من المعلومات، وإنما يتطلب استراتيجية واضحة تساعد الفرد أو المؤسسة على تقديم صورة متماسكة عن نفسه، وفهم طبيعة اللغة التي يستخدمها في التواصل مع الآخرين.
وتشير إلى أن بناء السمعة الرقمية في عصر الذكاء الاصطناعي يحتاج كذلك إلى فهم طريقة عمل الخوارزميات، وكيفية تأثيرها في انتشار المعلومات ووصولها إلى الجمهور، موضحة أنه لم يعد كافيًا نشر المحتوى وتركه، بل أصبح ضروريًا فهم البيئة الرقمية التي يتحرك فيها هذا المحتوى.
"الهاشتاغ" واللغة الرقمية
وتلفت حمود إلى أن الإنترنت خلق نوعًا جديدًا من التواصل، حتى على مستوى اللغة، معتبرة أن "الهاشتاغ" أصبح نوعًا من البلاغة المعاصرة، إذ يمكن لكلمة واحدة أو كلمتين أن تعبّرا عن موقف سياسي أو اجتماعي، أو تطلقا حملة أو تصنعا ترندًا، بل ويمكن أن تؤثرا في طريقة تفكير الناس وتوجهاتهم.
وترى أن فهم اللغة الرقمية لا ينفصل عن فهم الطريقة التي تنتقل بها المعلومات عبر الإنترنت، وهو ما يتطلب معرفة أكبر بالخوارزميات وآليات عملها، خصوصًا مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي في إنتاج المعلومات وإعادة توزيعها.
النماذج اللغوية وتأثيرها في الصورة الرقمية
وتؤكد حمود أن الذكاء الاصطناعي أصبح قادرًا بشكل متزايد على التأثير في الانطباع الذي يتشكل عن الأشخاص والمؤسسات على الإنترنت، خاصة بعدما تغيرت عادات الجمهور في الحصول على المعلومات.
فبعد أن كان الجمهور يعتمد على الصحف، ثم نشرات الأخبار، ثم المواقع الإلكترونية، أصبح كثير من المستخدمين يتوجهون مباشرة إلى النماذج اللغوية الكبيرة للحصول على إجابات ومعلومات حول موضوعات مختلفة، وهو ما أحدث، بحسب حمود، نوعًا جديدًا من الانتقائية في تقديم الأخبار والمعلومات.
وتوضح أن هذا التحول يفرض ضرورة فهم كيفية عمل هذه النماذج وتأثيرها في تشكيل الصورة الرقمية للأفراد والمؤسسات.
الإقناع والتصميم الرقمي
ويتناول الكتاب، بحسب حمود، مفهوم الإقناع باعتباره مزيجًا من الفن والعلم، ولا سيما علم النفس الاجتماعي والتكنولوجيا، إضافة إلى مفهومي "الإقناع الحاسوبي" و"التصميم الإقناعي"، حيث يمكن لطريقة تصميم منصة أو وسيلة رقمية أن تؤثر في سلوك المستخدم وتدفعه إلى اختيار أو تبني سلوك معين.
كما تركز حمود على أهمية فهم اللغة نفسها وعلاقتها بالتفكير والمشاعر، وكيف تغيرت اللغات وأساليب استخدامها مع تطور التكنولوجيا، مشيرة إلى أن التكنولوجيا أصبحت أكثر قدرة على التعامل مع اللغات الطبيعية واللغات الأم، ما يجعل فهم هذه الأدوات واستخدامها باللغة التي يفكر ويتواصل بها الإنسان أكثر سهولة.
التكنولوجيا تعيد تشكيل المجتمع والاقتصاد
وتشير حمود إلى أن أحد فصول الكتاب يتناول التكنولوجيا نفسها، لفهم الطريقة التي غيّرت بها المجتمعات وخلقت أنظمة بيئية جديدة للأعمال، وأثرت في العلاقات بين المؤسسات والدول والقطاع الخاص.
وتوضح أن الهدف من الكتاب لا يقتصر على معرفة كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي، وإنما فهم كيفية تأثيره في المجتمعات والأعمال والأفراد.
كما يتناول الكتاب العلاقات العامة الرقمية، التي لم تعد، برأيها، خيارًا للمؤسسات وحدها، بل أصبحت مسؤولية على الجميع، لأن كل شخص يمتلك اليوم حضورًا رقميًا وقنوات خاصة به من خلال حساباته ومنصاته المختلفة.
وتلفت إلى أن الشخص قد يبحث عن جامعة أو مؤسسة أو شخصية عبر الإنترنت، وما يظهر له من معلومات يمكن أن يؤثر في قراره وانطباعه، وبالتالي أصبحت إدارة الحضور الرقمي جزءًا من عملية بناء السمعة.
ويتضمن الكتاب كذلك فصلًا حول ظاهرة "الميتافيرس"، إلى جانب النماذج اللغوية الكبيرة، ومنها ChatGPT، مشيرة إلى أن إطلاق هذه التقنيات لم يكن حدثًا مفاجئًا أو وليد اللحظة، بل جاء نتيجة سنوات من البحث والتطوير داخل المختبرات.
دورة إنتاج المعلومات أصبحت أكثر تشابكًا
وترى حمود أن التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي أدى إلى تغيير عناصر العملية الاتصالية نفسها، فلم يعد المرسل مجرد شخص يبعث رسالة عبر قناة مستقلة عنه، بل أصبح المرسل في الوقت ذاته يمتلك القناة ويديرها ويعيد إنتاج المحتوى من خلالها.
وتوضح أنه يمكن للباحث أو الصحفي أو أي شخص أن يجد معلومة أو دراسة حول موضوع معين، ثم يعيد إنتاجها في شكل مقال أو فيديو أو "ريل" أو بودكاست، ما يعني أن دورة إنتاج المعلومات وإعادة توزيعها أصبحت أسرع وأكثر تشابكًا.
وتؤكد أن فهم الخوارزميات أصبح مهمًا في هذه العملية، حتى وإن كان من الصعب على أي شخص الادعاء بأنه يفهمها بشكل كامل، إلا أن امتلاك قدر من المعرفة حول كيفية عملها يساعد الفرد على التعامل بشكل أفضل مع البيئة الرقمية الجديدة.
وترى أن هذه التحولات لا تؤثر فقط في الاتصال، بل تساهم أيضًا في نشوء اقتصادات جديدة تستفيد من التغيرات التي طرأت على العملية الاتصالية.
المهارة وحدها لا تكفي
وفيما يتعلق بما لا يزال غير مفهوم لدى الناس في علاقتهم بالذكاء الاصطناعي وسمعتهم الرقمية، تؤكد حمود أن المهارات أصبحت ضرورية، خاصة مع الانتشار الواسع للتدريبات في مجال الذكاء الاصطناعي، لكنها تشدد على أن المهارات وحدها لا تكفي، لأن الأدوات نفسها تتغير وتتطور بسرعة.
وتقول إن المطلوب هو تحقيق توازن بين المهارة والمعرفة، موضحة أن المهارة يمكن اكتسابها من خلال التدريب والتمكين، لكن المعرفة تعني فهم الموضوع بشكل أعمق، سواء بالنسبة للأم أو الأستاذ أو المدير التنفيذي أو أي مستخدم، ومعرفة كيفية تطور التكنولوجيا وما الذي تقوده إليه.
وتحذر من التعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره مجرد أداة أو تطبيق يمكن استخدامه ثم التخلي عنه، لأن وجوده أصبح مرتبطًا بمختلف جوانب الحياة اليومية، الأمر الذي يفرض إعادة التفكير في العلاقة بين الإنسان وهذه التقنيات التي بات يعتمد عليها في الحصول على المعلومات واتخاذ بعض القرارات.
وتؤكد أن الإنسان بحاجة إلى فهم قدرات الذكاء الاصطناعي وحدوده، وعدم التعامل معه باعتباره مصدرًا مطلقًا للحقيقة، قائلة إن تطور التكنولوجيا لا يعني بالضرورة أن يصبح الإنسان أكثر اعتمادًا عليها، بل ربما يحتاج إلى أن يكون أكثر وعيًا وأقل انبهارًا بها.
من الاستخدام التقني إلى الحوكمة
وتوضح حمود أن القضية ليست في امتلاك النظام الأكثر ذكاءً، وإنما في معرفة ما الذي يستطيع الذكاء الاصطناعي تقديمه للإنسان وكيف يمكن توظيفه في خدمة المجتمع.
وتضرب مثالًا على ذلك بإمكانية استخدامه في التعامل مع الكوارث الطبيعية ومساعدة الضحايا والمصابين، داعية إلى إعادة النظر في العلاقة معه بعيدًا عن النظرة التي تختزله في المنافسة أو الجانب التجاري فقط.
وتؤكد أن الكتاب ينطلق من مفهوم الإقناع، ثم ينتقل إلى الفلسفة والعلم والمنطق الذي تقوم عليه الخوارزميات، وصولًا إلى ضرورة النظر إلى الذكاء الاصطناعي من زاوية فلسفية، وليس فقط من زاوية عملية أو تقنية.
وترى أن العلاقات البشرية نفسها بدأت تتغير بفعل الذكاء الاصطناعي، كما تغيرت العلاقات بين الحكومات والدول والقطاعات المختلفة، وأصبحت التكنولوجيا عاملًا مؤثرًا في تحديد الأولويات وإعادة تشكيل العلاقات والأنظمة الاقتصادية والاجتماعية.
وبحسب حمود، فإن الذكاء الاصطناعي لا ينبغي النظر إليه فقط باعتباره وسيلة تساعد على تحسين السمعة الرقمية، بل باعتباره قوة تساهم في إعادة إنتاج قيم جديدة داخل المجتمع، وإعادة تشكيل أنظمة اقتصادية وبيئات اجتماعية جديدة تحتاج إلى فهم ووعي أكبر.
حوكمة الذكاء الاصطناعي في غرف الأخبار
وتحذر حمود من أن وفرة المعلومات لا تعني بالضرورة زيادة الذكاء، خصوصًا عندما يصبح الإنسان معتمدًا على الذكاء الاصطناعي في مختلف جوانب حياته من دون أن يمتلك القدرة على مساءلة المعلومات التي يحصل عليها أو التحقق منها.
وتشير إلى أنها تعمل أيضًا على إعداد أوراق بحثية وسياساتية حول الذكاء الاصطناعي في غرف الأخبار وحوكمة استخدامه في هذا المجال، مؤكدة أن استخدام الذكاء الاصطناعي في القطاعات المختلفة لا يمكن أن يستمر دون ضوابط ومعايير واضحة تحكمه.
وتدعو في هذا السياق إلى تعزيز حوكمة الذكاء الاصطناعي، بحيث يكون هناك إطار واضح لاستخدام هذه التقنيات، خاصة في المجالات التي تؤثر بشكل مباشر في حياة الناس وحقوقهم ومعلوماتهم.
حماية السمعة تبدأ بالوعي والتحقق
وتخلص حمود إلى أن حماية السمعة الرقمية في عصر الذكاء الاصطناعي تتطلب أكثر من مجرد امتلاك حسابات ومنصات رقمية، فهي تحتاج إلى معرفة وفهم للغة والخوارزميات وآليات انتشار المعلومات، إلى جانب امتلاك مهارات رقمية وقدرة على التفكير النقدي والتحقق من المعلومات.
وترى أن الرسالة الأساسية التي تريد إيصالها من خلال كتابها هي ضرورة النظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره ظاهرة تتجاوز حدود الأداة التقنية، لأنه يعيد تشكيل العلاقات الإنسانية والاقتصاد والمجتمع وطرق التواصل، وبالتالي فإن التعامل معه يحتاج إلى وعي ومعرفة وفهم فلسفي وأخلاقي، وليس مجرد استخدام تقني.
وتؤكد أن الإنسان يجب ألا يتخلى عن دوره في التفكير واتخاذ القرار لمصلحة الآلة، بل عليه أن يفهم هذه التقنيات ويعرف حدودها ويستخدمها بطريقة مسؤولة، بما يضمن الاستفادة من إمكاناتها دون أن تتحول إلى بديل عن المعرفة الإنسانية والتفكير النقدي.