حين تصبح الكذبة سلاحًا: كيف تُستخدم المعلومات المضللة ذات الطابع الجندري لإسكات الصحفيات الفلسطينيات؟
رام الله-نساء FM- مريم هاشم- لم تعد المعركة التي تخوضها الصحفية الفلسطينية مقتصرة على الميدان، أو على صعوبة الوصول إلى المعلومة، أو على مخاطر العمل الصحفي في مناطق النزاع. هناك معركة أخرى تجري على شاشة الهاتف.
صورة مفبركة، مقطع فيديو مولّد بالذكاء الاصطناعي، اتهام أخلاقي، تعليق جنسي، أو منشور يشكّك في مهنية صحفية لأنها امرأة. قد يبدو كل ذلك في البداية مجرد إساءة عابرة، لكنه يمكن أن يتحول إلى وسيلة لضرب مصداقيتها المهنية وسمعتها الشخصية ومشاركتها في الشأن العام.
وفي حزيران/يونيو 2026، وثّق مركز صدى سوشال 235 انتهاكًا رقميًا استهدف نساء فلسطينيات، في أعلى حصيلة شهرية منذ بداية العام، بعد 141 انتهاكًا في آذار/مارس، و142 في نيسان/أبريل، و166 في أيار/مايو. وفي الشهر نفسه، وثّق المركز 98 انتهاكًا رقميًا طال الصحفيين والصحفيات والمؤسسات الإعلامية، كان 69 منها (70.41%) ضد صحفيات، مقابل 29 ضد صحفيين رجال.
لكن الأرقام وحدها لا تجيب عن السؤال الأهم: ماذا يحدث عندما تكون المعلومة الكاذبة مصممة تحديدًا لاستغلال كون المستهدفة امرأة؟
من التشهير إلى التضليل الجندري
المعلومات المضللة ليست دائمًا خبرًا كاذبًا بالمعنى التقليدي. ففي حالة الصحفيات، قد تكون المعلومة الكاذبة مرتبطة بحياتهن الخاصة، أو أشكالهن، أو ملابسهن، أو علاقاتهن، أو «أخلاقهن»، ثم تُستخدم هذه العناصر لضرب أهليتهن المهنية.
وهذا ما يميّز «التضليل القائم على النوع الاجتماعي» (Gendered Disinformation). وتعرّفه الأدبيات البحثية بأنه استخدام معلومات كاذبة أو مضللة تستهدف شخصًا بسبب نوعه الاجتماعي، وغالبًا ما يعتمد على سرديات جنسية أو معادية للنساء لإضعاف مصداقيتهن ودفعهن إلى الابتعاد عن المجال العام. وتوضح دراسة منشورة في المجلة الدولية للقانون الدستوري (International Journal of Constitutional Law) أن الصحفيات والسياسيات والناشطات من أكثر الفئات استهدافًا.
وهنا تكمن المفارقة: الخبر الكاذب لا يحتاج إلى أن يكون متعلقًا بعمل الصحفية حتى يضرّ بعملها. يكفي أن يجعل الجمهور يشكّ في شخصها.
لماذا يصنع كونُ الصحفية امرأةً فرقًا في التضليل؟
عندما يُتهم صحفي رجل بالرشوة مثلًا، يدور الهجوم غالبًا حول عمله. أما عندما تكون المستهدفة صحفية، فقد ينتقل الهجوم بسرعة من سؤال: «هل المعلومة التي نشرتها صحيحة؟» إلى أسئلة أخرى: من هي؟ كيف تتصرف؟ مع من تتحدث؟ ماذا ترتدي؟ أين كانت؟ ولماذا كانت هناك؟
أي أن النقاش ينتقل من المحتوى إلى الشخص. وهذا التحول ليس تفصيلًا لغويًا، بل هو جوهر التضليل الجندري.
وتشير هيئة الأمم المتحدة للمرأة في تقريرها لعام 2024 حول العنف ضد النساء والفتيات في الفضاء الرقمي إلى أن الهجمات القائمة على النوع الاجتماعي، والمعلومات المضللة، والتهديدات والعنف الإلكتروني، يمكن أن تقلّص مشاركة النساء في الفضاء العام، وأن استهداف الناشطات والمدافعات عن حقوق الإنسان والعاملات في الحياة العامة قد يهدف إلى إسكات أصواتهن.
فلسطين: الصحفية تواجه معركة مزدوجة
في فلسطين تأخذ المسألة بُعدًا أكثر تعقيدًا. فالصحفية تعمل أصلًا في بيئة شديدة الخطورة بسبب الحرب والاحتلال، ثم تواجه طبقة إضافية من المخاطر عندما تتحول هويتها كامرأة إلى أداة للهجوم عليها.
ففي بيان أصدرته في آذار/مارس 2026 بمناسبة يوم المرأة العالمي، قالت نقابة الصحفيين الفلسطينيين إن الصحفيات الفلسطينيات يواصلن عملهن في ظروف بالغة الصعوبة، مشيرة إلى مقتل 37 صحفية في قطاع غزة خلال نحو عامين ونصف، واعتقال 22 صحفية في الضفة الغربية بما فيها القدس.
لكن الخطر لا ينتهي عند الميدان. فبحسب مركز صدى سوشال، شملت الاعتداءات الرقمية على الصحفيات الفلسطينيات التشهير، والتحريض، ومحاولات إغلاق الحسابات، واستخدام محتوى مولّد بالذكاء الاصطناعي أو صور مفبركة لضرب السمعة.
وهذا يخلق معادلة خطيرة: الصحفية لا تواجه فقط خطر أن تُمنع من الوصول إلى الميدان، بل قد تواجه أيضًا محاولة لتدمير مصداقيتها عندما تصل إليه.
الذكاء الاصطناعي يغيّر قواعد اللعبة
قبل سنوات، كان إنتاج صورة مزيفة يحتاج إلى مهارات تقنية وبرامج تحرير. اليوم، يمكن لأدوات الذكاء الاصطناعي إنتاج صور وفيديوهات شديدة الإقناع خلال دقائق.
وهنا يتحول التضليل من كتابة منشور كاذب إلى إعادة تصنيع شخصية الصحفية نفسها: يمكن أن تظهر في صورة لم تلتقطها، أو في فيديو لم تصوّره، أو تبدو وكأنها قالت شيئًا لم تقله، أو تُنسب إليها أفعال لم تفعلها.
وتحذّر اليونسكو من أن الصحفيات يتعرضن بشكل متزايد للعنف الرقمي، بما في ذلك التضليل القائم على النوع الاجتماعي والمراقبة والتزييف العميق والتحرش. ففي مسح عالمي أجرته اليونسكو مع المركز الدولي للصحفيين، قالت 73% من الصحفيات المشاركات إنهن تعرّضن للعنف عبر الإنترنت، وتلقّت واحدة من كل أربع تهديدات بالعنف الجسدي، بما فيها تهديدات بالقتل.
وفي فلسطين تحديدًا، وثّق مركز صدى سوشال خلال 2026 استخدام صور مفبركة ومحتوى مولّد بالذكاء الاصطناعي في حملات تشهير استهدفت صحفيات فلسطينيات، معتبرًا أن هذه الاعتداءات تجمع بين استهداف حرية الصحافة والعنف الرقمي القائم على النوع الاجتماعي.
عندما يصبح الجسد جزءًا من «الخبر»
أحد أخطر جوانب التضليل الجندري أن المرأة لا تُستهدف فقط لأنها صحفية، بل لأنها امرأة صحفية. وهذا فرق جوهري.
فالصور المفبركة قد تستغل الجسد أو الملابس أو الحياة الخاصة، والشائعات قد تركّز على العلاقات الشخصية، والتعليقات قد تتحول إلى تحرش جنسي. وبذلك لا يصبح الهدف فقط إسقاط رواية الصحفية، بل جعل استمرارها في المجال العام أكثر كلفة.
وتُظهر الأبحاث الدولية، ومنها دراسة «التأثير المُخيف» (The Chilling) الصادرة عن اليونسكو والمركز الدولي للصحفيين، أن حملات التضليل الجندري تستهدف الصحفيات تحديدًا عبر التشكيك في قدراتهن ومهنيتهن، إلى جانب التحرش والسرديات الجنسية والمعادية للنساء.
ماذا تقول الأرقام الفلسطينية؟
تكشف بيانات صدى سوشال عن تصاعد لافت خلال 2026: فالانتهاكات الرقمية ضد النساء الفلسطينيات ارتفعت من 141 في آذار/مارس إلى 235 في حزيران/يونيو، أي بزيادة تقارب 67% خلال ثلاثة أشهر. وشكّلت هذه الانتهاكات في حزيران/يونيو 26.37% من مجمل الانتهاكات الرقمية التي رصدها المركز، وكان نحو نصفها (48.93%) إساءات لفظية، وقرابة ثلثها (32.44%) خطاب كراهية وتشويه سمعة.
أما في قطاع الإعلام، فقد استهدفت 69 انتهاكًا من أصل 98 صحفيات في الشهر نفسه، أي أكثر من ضعف ما استهدف الصحفيين الرجال. ومن المهم الانتباه هنا إلى أن الرقم يشير إلى عدد الانتهاكات التي وثّقها المركز، لا إلى عدد الصحفيات المستهدفات.
هذه الأرقام لا تثبت وحدها وجود جهة واحدة تقف وراء جميع الهجمات، لكنها تكشف تفاوتًا يستحق الفحص الصحفي. والسؤال هنا ليس: من يكره الصحفيات؟ بل: هل توجد أنماط متكررة في نوع المحتوى، وتوقيته، والحسابات التي تنشره، وطريقة انتشاره، تجعل بعض الاعتداءات تبدو أكثر من مجرد إساءات فردية؟
هل كل هجوم رقمي «حملة منظمة»؟
هنا يجب الحذر. فليس كل تعليق مسيء حملة منظمة، وليست كل صورة مزيفة دليلًا على وجود شبكة، وليس كل حساب مجهول جزءًا من «غرفة عمليات». لذلك لا يجوز لنا، كصحفيين وصحفيات، أن نقفز من وجود عشرات المنشورات إلى اتهام جهة محددة بالتنسيق من دون أدلة.
لكن هناك مؤشرات يمكن فحصها، منها:
• تكرار النص نفسه بين حسابات مختلفة، أو نشر المادة نفسها في توقيت متقارب.
• استخدام الصور أو الفيديو نفسه عبر منصات متعددة.
• ظهور حسابات حديثة الإنشاء بشكل مفاجئ، أو حسابات بأسماء متشابهة.
• تزامن حملات الإبلاغ الجماعي عن حساب الصحفية.
• انتقال الادعاء من حسابات مجهولة إلى صفحات واسعة الانتشار.
• استخدام صور قديمة في سياق جديد، أو تعديل صورة حقيقية لصناعة ادعاء كاذب.
• استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لتغيير الصورة أو الصوت أو الفيديو.
المفارقة: الصحفية مطالبة بإثبات براءتها
في العمل الصحفي التقليدي، نسأل دائمًا: أين الدليل؟ لكن في التضليل الجندري قد تنقلب المعادلة.
تنتشر صورة مفبركة، ثم يُطلب من الصحفية أن تثبت أنها مفبركة. تنتشر شائعة عن حياتها الخاصة، ثم يُطلب منها أن تثبت أنها كاذبة. يُصنع فيديو مزيف بالذكاء الاصطناعي، ثم يصبح عليها أن تقنع الجمهور بأنها لم تقل ما يظهر فيه.
وهكذا تنتقل كلفة التحقق من صانع التضليل إلى المرأة المستهدَفة. وهذا يطرح سؤالًا مهمًا حول مسؤولية المنصات.
وماذا تفعل المنصات؟
تقول شركة Meta إن لديها سياسات لمواجهة التنمر والتحرش، وإنها تمنع الصور الحميمة المنشورة دون موافقة، بما فيها تلك المنتَجة بالذكاء الاصطناعي، وإنها اتخذت إجراءات ضد ما يُعرف بتطبيقات «التعرية» (nudify).
لكن قرارات مجلس الرقابة التابع لـMeta خلال 2026 تُظهر أن القضية لم تُحسم بعد. ففي إحدى القضايا، أمر المجلس بإزالة فيديو مولّد بالذكاء الاصطناعي يُظهر امرأة في أوضاع جنسية دون موافقتها، وقال إن الأشخاص غير المعروفين يحتاجون إلى حماية أكبر من هذا النوع من التزييف، ودعا إلى تسهيل الإبلاغ نيابة عن الضحايا.
وفي أيلول/سبتمبر 2026، أمر المجلس بإزالة فيديو مولّد بالذكاء الاصطناعي استهدف شابة مسلمة في أوروبا، وانتقد تعريف Meta الضيق لـ«الصور المتلاعب بها»، لأنه لا يشمل التزييف الذي يجعل شخصًا عاديًا يبدو وكأنه قال أو فعل شيئًا لم يقله أو يفعله. كما رأى أن Meta تعرّف حملات التحرش الجماعي بشكل ضيق أيضًا.
هذه القرارات لا تتعلق بالصحفيات الفلسطينيات تحديدًا، لكنها تكشف مشكلة أوسع: التكنولوجيا تتطور أسرع من قدرة أنظمة الحماية على التعامل مع الأشكال الجديدة من التزييف.
المشكلة لا تنتهي بحذف المنشور
قد يعتقد البعض أن الحل بسيط: احذفوا المنشور. لكن إذا شاهد عشرة آلاف شخص الفيديو المفبرك ثم حُذف بعد ساعات، فهذا لا يعني أن الضرر اختفى. ربما حمّله أحدهم، وأعاد آخر نشره، وأرسله ثالث عبر واتساب، والتقط رابع صورة شاشة له، واستخدمه خامس لإطلاق شائعة جديدة.
وهكذا تصبح المعلومة المضللة مثل بذرة رقمية: حتى إذا أزيل المنشور الأصلي، تستمر النسخ. ولهذا فإن سرعة الاستجابة عنصر أساسي.
لماذا ينجح التضليل الجندري؟
لأن الكذبة لا تبدأ من الصفر، بل تستغل صورًا نمطية موجودة أصلًا في المجتمع، مثل الاعتقاد بأن المرأة التي تعمل كثيرًا في الميدان «تهمل بيتها»، أو أن المرأة التي ترفع صوتها «غير محترمة»، أو أن الصحفية التي تسافر أو تعمل ليلًا «تبحث عن الشهرة»، أو أن المرأة التي تنتقد مسؤولًا «مدفوعة من جهة ما»، أو أن الصحفية التي تظهر في صورة مع رجل تربطها به علاقة شخصية.
هذه ليست معلومات صحفية، بل قوالب اجتماعية يمكن تحويلها إلى أسلحة معلوماتية.
وتشير دراسة لليونسكو وهيئة الأمم المتحدة للمرأة حول الإعلام الفلسطيني إلى وجود فجوات في التغطية الحساسة للنوع الاجتماعي، منها تهميش قضايا النوع الاجتماعي، وتفضيل حضور الرجال في تغطية السياسة والاقتصاد والقانون والحقوق والأعمال والرياضة. وهذا يعني أن مواجهة التضليل الجندري لا تبدأ من التكنولوجيا فقط، بل أيضًا من الصور النمطية التي يجد فيها التضليل بيئة جاهزة.
الضحية الثانية: الجمهور
قد يبدو أن المتضررة الوحيدة هي الصحفية، لكن الأمر أوسع. فعندما تُسكَت صحفية بسبب حملة تضليل، يخسر الجمهور مصدرًا للمعلومات. وعندما تتردد صحفية في نشر قصة خوفًا من التشهير، لا يعرف الجمهور شيئًا عن القصة التي قررت ألا تنشرها.
وهنا يتحول التضليل الجندري من قضية تتعلق بسمعة امرأة إلى قضية تتعلق بحق الجميع في المعرفة. ولهذا تؤكد اليونسكو أن العنف الرقمي ضد الصحفيات لا يهدد سلامتهن فقط، بل يقوّض مشاركتهن في المجال العام أيضًا.
الصمت الرقمي: النتيجة التي لا نراها
لا تحتاج الحملة إلى إسكات الصحفية تمامًا. يكفي أحيانًا أن تجعلها تفكر مرتين قبل أن تنشر أي شيء.
قبل أن تكتب: هل سيهاجمونني؟ قبل أن تنشر صورة: هل سيستخدمونها ضدي؟ قبل أن تظهر في فيديو: هل يمكن تزويره؟ قبل أن تنتقد شخصية عامة: هل ستبدأ حملة تشهير ضدي؟
هذا ما يُسمّى «التأثير الرادع». فالهدف النهائي قد لا يكون إقناع الجمهور بالكذبة، بل جعل الصحفية نفسها تخاف من الكلام.
من المسؤول؟
لا تتيح البيانات المتوفرة نسبة كل هذه الاعتداءات إلى جهة واحدة، ولذلك لا يصح اتهام طرف بعينه دون تحقيق رقمي مستقل. لكن المسؤولية موزعة على عدة مستويات:
• صانع التضليل: من يُنتج المادة أو يفبركها.
• الناشر: من يعرف أن المادة كاذبة، أو يتجاهل ذلك، ويعيد نشرها.
• الحسابات التي تضخّمها، خصوصًا عندما يظهر نمط متكرر أو منسّق.
• المنصات، بقدر ما تسمح أنظمتها ببقاء المحتوى المخالف أو انتشار نسخ منه.
• المؤسسات الإعلامية، إذا لم توفر حماية رقمية وقانونية ونفسية كافية للصحفيات.
• الجمهور، لا بوصفه مسؤولًا عن الجريمة، بل بوصفه جزءًا من سلسلة الانتشار؛ فإعادة النشر دون تحقق تساعد الكذبة على التحول إلى «حقيقة اجتماعية».
ماذا يُفعل في فلسطين لمواجهة المشكلة؟
هناك جهود فعلية للتحقق والتدريب. ففي شباط/فبراير 2026، اختتم المرصد الفلسطيني للتحقق والتربية الإعلامية «كاشف»، بالتعاون مع مركز شاهد وبدعم من مكتب اليونسكو في رام الله، تدريبًا شاركت فيه 32 صحفية فلسطينية حول منهجيات التحقق من المعلومات، والبيانات المفتوحة، واستخدام الذكاء الاصطناعي في التحقق، والتضليل الرقمي.
كما أطلقت إذاعة نساء إف إم، بالتعاون مع اليونسكو، مبادرة «إحنا صحافة» لتمكين صحفيات شابات من الضفة الغربية والقدس الشرقية وغزة من إنتاج محتوى يراعي قضايا النوع الاجتماعي، مع دعم صحتهن النفسية والاجتماعية.
هذه المبادرات مهمة، لكنها تفتح سؤالًا جديدًا: هل تقع مسؤولية حماية الصحفيات من التضليل عليهن وحدهن، أم أن على المؤسسات الإعلامية والمنصات مسؤولية موازية؟
ما الذي لا نعرفه بعد؟
المصادر المتاحة تثبت وجود تضليل قائم على النوع الاجتماعي حول العالم، واستهداف رقمي متزايد للصحفيات، واستخدام الذكاء الاصطناعي في بعض أشكال التزييف، وحالات موثقة لاستهداف صحفيات فلسطينيات، وثغرات في سياسات المنصات. لكنها لا تكفي وحدها لإثبات أن هذه الهجمات تقف وراءها جهة واحدة أو أنها منسّقة مركزيًا. وهذا بالضبط ما يحتاج إلى مزيد من التحقيق: تحقيق يبدأ من سؤال ويختبره بالأدلة، لا من نتيجة جاهزة يريد إثباتها.
الخلاصة
المشكلة ليست أن النساء يتعرضن لـ«تعليقات سيئة» على الإنترنت. المشكلة أعمق من ذلك. فعندما تُستخدم المعلومة الكاذبة لزرع الشك في امرأة لأنها امرأة، يصبح التضليل أداة لنقل السلطة الاجتماعية القائمة خارج الإنترنت إلى داخله.
وحين تكون المستهدفة صحفية، يصبح الضرر مزدوجًا: تُهاجَم المرأة، ويُهاجَم معها حق الجمهور في سماع صوتها.
في عصر الذكاء الاصطناعي، لم تعد الصورة دليلًا تلقائيًا على الحقيقة، ولم يعد الفيديو دليلًا قاطعًا على أن الشخص قال أو فعل ما يظهر فيه. لكن المشكلة الأكبر ليست أن التكنولوجيا تستطيع الكذب، بل أن الكذبة تصل إلى الجمهور أسرع من التحقق منها.
فإسكات الصحفية لا يحتاج دائمًا إلى منعها من العمل. أحيانًا يكفي أن تخاف من أن تعمل. والكذبة لا تحتاج إلى أن يصدّقها الجميع؛ يكفي أن تجعل بعض الناس يشكّون.
تم انتاج هذا التقرير ضمن مشروع محققات الذي تنفذه اذاعة نساء اف ام وحاضنة نساء الاعلامية بدعم وتمويل من CFI تطوير وسائل الاعلام والاتحاد الأوروبي والوكالة الفرنسية للخبرة الفنية الدولية.
إن الآراء الواردة في هذا التقرير هي مسؤولية المنتجة، ولا تعبر عن آراء وموقف CFI تطوير وسائل الاعلام والاتحاد الأوروبي والوكالة الفرنسية للخبرة الفنية الدولية أو نساء إف إم/حاضنة نساء الإعلامية.