من التشهير إلى التهديد... ماذا تكشف تجربة المرشحات المغربيات عن العنف السياسي والرقمي؟
المغرب ـ نساء FM- خلال الأسابيع التي سبقت الانتخابات التشريعية المغربية المقررة في 23 أيلول/سبتمبر الجاري، تحدثت مرشحات وقيادات سياسية عن تعرضهن لحملات تشهير أو تحريض أو إساءة عبر منصات التواصل الافتراضي، فيما اعتبرت منظمات نسائية وحقوقية أن بعض هذه الممارسات تتجاوز حدود النقد السياسي إلى أشكال من العنف السياسي والرقمي ضد النساء.
الاستهداف بدأ قبل الحملة
في حالة نجوى ككوس، المرشحة عن حزب الأصالة والمعاصرة بدائرة أنفا في الدار البيضاء، لم يبدأ الاستهداف الذي تحدثت عنه مع انطلاق الحملة الانتخابية، ففي تدوينة نشرتها على صفحتها في فيسبوك قبل بدء الحملة، قالت إنها تتعرض لـ "حملة شرسة تضرب بالقانون والأخلاق عرض الحائط".
وقالت إن صفحاتها تعرضت، لعشرات الآلاف من التبليغات ومحاولات التضييق، وتحريف أحد تصريحاتها وإطلاق موجة واسعة من التشويه والهجوم.
وربطت نجوى ككوس ما تتعرض له بما اعتبرته تحولاً في طبيعة الصراع السياسي، قائلةً إن الخصومة لم تعد لدى البعض تدور حول الأفكار والمشاريع والإيديولوجيات، وإنما أصبحت كل الوسائل فيها مباحة، بما في ذلك استهداف الأشخاص ومساراتهم وأسرهم وسمعتهم.
واعتبرت أن الأمر يزداد شراسة عندما يتعلق بامرأة شابة، وقالت إن النساء اللواتي يدخلن المجال السياسي قد يجدن أنفسهن في مواجهة إمكانات مالية وإلكترونية لا يملكنها، في إشارة إلى ما وصفته بالحملات الممولة والصفحات التي يتم تجييشها.
كما تحدثت عن تحريف التصريحات واستخدام التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي لصناعة ما وصفته بـ "رأي عام زائف"، معتبرةً أن الأمر لا يتعلق فقط بالمنافسة الانتخابية، وإنما بحق المواطن في تكوين رأيه بناء على الوقائع والحجج.
وتضامنت معها فيدرالية رابطة حقوق النساء، معتبرةً أن الحملة التي استهدفتها وظفت حياتها الشخصية ومظهرها وطريقة تعبيرها وعفويتها للنيل من صورتها ومكانتها ومشروعيتها السياسية لكن هذه الوقائع، كما عرضتها نجوى ككوس والجهات المتضامنة معها، تطرح سؤالاً يتجاوز الحالة نفسها: أين ينتهي النقد السياسي المشروع، وأين يبدأ استهداف المرأة بسبب كونها امرأة؟
نبيلة منيب... الحملة تجاوزت حدود الاختلاف السياسي
في سياق انتخابي مشابه، برز اسم نبيلة منيب، مرشحة تحالف اليسار بدائرة أنفا في الدار البيضاء، وفي 14أيلول/سبتمبر، أعلن تحالف اليسار تضامنه معها على خلفية ما وصفه بـ "حملة تشهير وتحريض ممنهجة" تستهدفها عبر مواقع التواصل الافتراضي.
وأوضح التحالف إن الحملة تجاوزت حدود الاختلاف السياسي، وطالت شخص نبيلة منيب وكرامتها وحياتها الخاصة، معتبراً أن بعض الخطاب المتداول ضدها يحمل بعداً مرتبطاً بالنوع الاجتماعي.
آمنة ماء العينين... اللجوء إلى القضاء
أما آمنة ماء العينين، المرشحة عن حزب العدالة والتنمية بدائرة عين الشق في الدار البيضاء، فأعلنت توجهها إلى القضاء بشأن ما قالت إنها حملات للتشهير والإساءة إليها.
وتحدثت عن مضامين قالت إنها تضمنت السب والقذف والمس بكرامتها، كما أشارت إلى استخدام الذكاء الاصطناعي في بعض النصوص أو الصور المتداولة ضدها.
وقالت، في تدوينة على صفحتها بموقع التواصل الافتراضي فيسبوك، إنها حرصت طوال مسارها السياسي والنضالي على عدم اللجوء إلى القضاء في مواجهة خصومها، رغم مطالبات مقربين ومتعاطفين معها باتخاذ هذه الخطوة ضد عدد من الأسماء والصفحات.
وأعلنت أنها شرعت في توثيق هذه الوقائع تمهيداً لاتخاذ الإجراءات القانونية، ما يجعل المسار القضائي جزءاً من تطورات الحالة، فيما يبقى تحديد المسؤوليات والوقائع التي يمكن إثباتها من اختصاص المؤسسات المختصة.
من حالات فردية إلى رصد أوسع
لا تقتصر المؤشرات على الحالات الثلاث، ففي تموز/يوليو وبداية آب/أغسطس الماضيين، قال المرصد الوطني للحماية من العنف الرقمي إنه رصد تصاعداً في استهداف مرشحات للانتخابات، شمل السب والقذف والتشهير والمس بالحياة الخاصة والكرامة، إضافة إلى نشر ادعاءات ومضامين مسيئة.
وفي السياق نفسه، تحدثت الحركة من أجل ديمقراطية المناصفة عن تنامي ما وصفته بالتشهير والتبخيس والضغط والابتزاز والعنف الرقمي الموجه ضد المرشحات والقيادات السياسية، ودعت إلى حماية النساء من التشهير والتحرش والتهديد والابتزاز والعنف الرقمي.
كما قالت الجمعية الديمقراطية لنساء المغرب، في مواكبتها للسياق الانتخابي، إن المشاركة السياسية للنساء لا تزال تواجه اختلالات مرتبطة بالترشيحات والتمكين السياسي والدعم الحزبي، وأشارت ضمن ملاحظاتها إلى العنف السياسي وضعف حضور النساء على رأس بعض اللوائح المحلية.
العنف لا يبدأ يوم الحملة
بالنسبة لمنى الشماخ، رئيسة جمعية أنوار، فإن العنف الذي تواجهه النساء في المجال السياسي لا يبدأ بالضرورة مع انطلاق الحملة الانتخابية.
وتقول منى الشماخ لوكالتنا إن النساء لا يدخلن دائماً المنافسة الانتخابية في الشروط نفسها التي يدخل بها الرجال، وإن العنف يمكن أن يظهر قبل الحملة من خلال التشهير أو الابتزاز أو التهديد، ثم يتخذ أشكالاً أخرى خلال فترة المنافسة، لكنها تضع حداً بين الاختلاف السياسي المشروع وبين استهداف المرأة في شخصها.
وانتقدت التمييز بين الجنسين حتى في أسلوب النقد "من حقنا أن نختلف مع برنامج المرأة، كما من حقنا أن نختلف مع برنامج الرجل، وأن نناقش الأفكار والمواقف، لكن ليس من حقنا أن نمس بسلامة المرأة الشخصية، أو بشكلها، أو بسمعتها، أو بأسرتها".
وتوضح أن المشكلة تبدأ عندما ينتقل النقاش من البرنامج والمواقف إلى المرأة نفسها، إلى لباسها ومظهرها وشكلها وسمعتها وأسرتها، أو عندما تتضمن الانتقادات إيحاءات جنسية أو إهانات في الفضاء العام والرقمي.
وبحسب ما تؤكد لا يؤدي العنف بالضرورة إلى انسحاب المرأة مباشرة من المنافسة، لكنه يمكن أن يدفعها إلى التفكير في التراجع أو الحد من قدرتها على التعبير بحرية واستقلالية، كما يمكن أن يبعث رسالة إلى نساء أخريات يتابعن التجربة ويفكرن في دخول المجال السياسي.
وترى أن المشكلة لا تتعلق فقط بما يحدث للمرأة التي تتعرض للاستهداف، وإنما أيضاً بما قد ينتج عنه من أثر على النساء اللواتي يفكرن في خوض المجال السياسي مستقبلاً.
وفي حزيران/يونيو الماضي، أطلقت جمعية أنوار، بشراكة مع ائتلاف حقوقي وطني، آلية للرصد والتبليغ عن العنف الذي يستهدف النساء المنخرطات في الحياة العامة، بما في ذلك المنتخبات والمرشحات والصحفيات والمؤثرات والنساء المستهدفات بسبب مشاركتهن في المجال العام أو الرقمي.
وتوضح منى الشماخ أن الآلية تتابع مراحل ما قبل الانتخابات وخلالها وما بعدها، على أن تجمع المعطيات في تقرير لاحق يرصد الأنماط المتكررة ويقدم توصيات.
وتؤكد أن مرور فترة قصيرة على إطلاق الآلية لا يسمح بعد بتقديم نتائج نهائية أو تعميم المعطيات على المغرب بأكمله، خاصةً أن الرصد يعتمد على الحالات التي تمكنت الآلية من الوصول إليها وتوثيقها، وأن المعطيات الأولية أظهرت ممارسات متكررة، من بينها الترهيب والتهديد، لكنها تؤكد أن تحديد حجم الظاهرة وطنياً يحتاج إلى مزيد من الرصد والتوثيق.
هل يصبح الترشح كلفة شخصية؟
تكشف الحالات التي برزت خلال هذه الفترة عن مفارقة تستحق التوقف عندها، ففي الوقت الذي سجلت فيه الانتخابات آلاف الترشيحات النسائية، وتضمنت ترتيبات انتخابية تهدف إلى تعزيز حضور النساء، وجدت بعض المرشحات أنفسهن أمام معركة أخرى تدور في الفضاء الرقمي والعام حول صورتهن وسمعتهن وحياتهن الخاصة.
وهذا يطرح سؤالاً يتجاوز هذه الانتخابات نفسها: هل تكفي إتاحة الترشح أمام النساء لضمان مشاركة سياسية متكافئة، أم أن المساواة تقتضي أيضاً توفير بيئة تستطيع فيها المرأة الدفاع عن برنامجها ومواقفها من دون أن يتحول جنسها أو حياتها الخاصة إلى أدوات للاستهداف؟
ولا تضع الحالات الثلاث السابقة للمترشحات إجابة واحدة على هذا السؤال، كما لا يمكن من خلالها وحدها قياس حجم الظاهرة وطنياً.
لكن كل واحدة تكشف بطريقتها، عن تجربة لنساء دخلن المنافسة الانتخابية ووجدن أنفسهن مضطرات إلى التعامل، إلى جانب التنافس السياسي، مع مضامين وحملات قلن إنها استهدفتهن على المستوى الشخصي.
ويبقى السؤال الذي تطرحه هذه التجارب أكبر من الانتخابات نفسها: كيف يمكن أن تكون المنافسة السياسية مفتوحة أمام النساء، إذا كان الانتقال من نقد أفكارهن ومواقفهن إلى استهداف أشخاصهن وسمعتهن وحياتهن الخاصة لا يزال ممكناً داخل المجال العام والرقمي؟
المصدر : وكالة أنباء المرأة - حنان حارت