وزيرة العمل: تمكين النساء مسؤولية وطنية مشتركة
رام الله-نساء FM- أكدت وزيرة العمل د. إيناس العطاري أن تعزيز مشاركة النساء في سوق العمل الفلسطيني مسؤولية وطنية مشتركة، تتطلب الانتقال من معالجة التحديات التي تواجه المرأة إلى معالجة قدرة سوق العمل على استيعاب كفاءاتها، وضمان حصولها على فرص عمل لائقة وآمنة ومستدامة، بما يعزز صمود الاقتصاد الفلسطيني وقدرته على الاستفادة من كامل طاقاته البشرية.
جاء ذلك خلال رعايتها ومشاركتها في الجلسة الافتتاحية لمؤتمر «النساء في سوق العمل الفلسطيني: التحديات ومتطلبات بناء بيئة عمل داعمة»، الذي نظمته وزارة العمل ومركز إعلام حقوق الإنسان والديمقراطية «شمس»، بتمويل من الاتحاد الأوروبي، تحت عنوان الجلسة الافتتاحية «مشاركة النساء في سوق العمل: الالتزامات الحكومية والقطاعية»، وبحضور وزيرة شؤون المرأة أ. منى الخليلي، ووكيل وزارة الاقتصاد الوطني م. بشار الصيفي، ورئيس قسم الحوكمة في مكتب ممثل الاتحاد الأوروبي السيد سيرج ماريت، ومدير مكتب التعاون الإيطالي الإنمائي الدولي السيد ميركو تريكولي، والمديرة التنفيذية لمركز «شمس» السيدة أمل الفقيه، إلى جانب عدد من ممثلي المؤسسات الرسمية والأهلية والقطاع الخاص والشركاء الدوليين والخبراء.
وخلال مداخلتها التي حملت عنوان «سياسات العمل والحماية وتكافؤ الفرص: دور وزارة العمل في تعزيز مشاركة النساء وبناء بيئة عمل داعمة»، تناولت الوزيرة واقع مشاركة النساء في سوق العمل الفلسطيني، وأبرز الفجوات والتحديات، والسياسات والتدخلات المطلوبة لبناء بيئة عمل داعمة، إلى جانب دور التشغيل والتدريب المهني والريادة والتعاونيات والتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي في فتح مسارات جديدة أمام النساء.
في قراءتها لواقع مشاركة النساء، أوضحت الدكتورة عطاري أن المشهد يعكس مفارقة تتمثل في ارتفاع مستويات التعليم والتأهيل والتخصص لدى النساء، مقابل استمرار انخفاض مشاركتهن الاقتصادية، موضحة أن مشاركة النساء في القوى العاملة في الضفة الغربية بلغت خلال الربع الثاني من عام 2026 نحو 17.9% مقابل 71% بين الذكور، فيما بلغت نسبة البطالة بين الخريجات الحاصلات على مؤهل دبلوم متوسط فأعلى نحو 35.6% مقابل 16.3% بين الخريجين الذكور.
وتكشف هذه المؤشرات، بحسب الوزيرة، عن فجوة بين التعليم وسوق العمل، تستدعي فهم العوامل التي تعيق انتقال النساء من التعليم إلى التشغيل، واستمرارهن في العمل وتقدمهن فيه، سواء ارتبطت هذه العوامل بالبحث عن الوظيفة، أو المسؤوليات الأسرية والرعاية، أو طبيعة بيئة العمل، أو محدودية الفرص في بعض القطاعات والمهن.
في هذا السياق، بيّنت أن التحدي لا يرتبط بتعليم النساء وتأهيلهن فقط، وإنما بقدرة سوق العمل على استيعاب هذه الكفاءات وتحويلها إلى فرص عمل لائقة ومستدامة، مشيرة إلى أن نحو 63% من النساء العاملات يتركزن في مهن الفنيين والمتخصصين والكتبة، مقابل نحو 20% من الرجال العاملين، في حين لا تزال مشاركة النساء في بعض المواقع القيادية والإدارية محدودة.
وعلى مستوى طبيعة العمل، أوضحت الدكتورة عطاري أن نحو 80% من النساء العاملات يعملن كمستخدمات بأجر، مقابل نحو 2% صاحبات عمل و11.4% يعملن لحسابهن الخاص، مؤكدة أن قياس التمكين الاقتصادي للنساء لا ينبغي أن يقتصر على عدد المشاركات في سوق العمل، وإنما يجب أن يشمل نوعية العمل، ومستوى الدخل، والحماية الاجتماعية، والاستقرار، وفرص التطور والترقي. كما لفتت إلى أن 24% من النساء المستخدمات بأجر في القطاع الخاص يتقاضين أجورًا تقل عن الحد الأدنى للأجور، معتبرة أن الإنصاف في الأجر يمثل قضية عدالة اقتصادية واجتماعية إلى جانب كونه استحقاقًا قانونيًا.
وتطرقت الوزيرة إلى أهمية تطوير بيئة العمل، مؤكدة ضرورة مواصلة تطوير التشريعات واللوائح والسياسات الناظمة للعمل بما يعزز المساواة وتكافؤ الفرص في التوظيف والأجور والتدريب والترقية، إلى جانب توفير بيئات عمل آمنة وشاملة تحمي من التمييز والمضايقات والتحرش، وتضمن شروط السلامة والصحة المهنية. كما شددت على أهمية السياسات المتعلقة بالأسرة، بما يشمل رعاية الأطفال وحماية الأمومة وترتيبات العمل المرنة والتوازن بين الحياة المهنية والأسرية، باعتبارها عوامل أساسية في قدرة سوق العمل على الاحتفاظ بالكفاءات النسائية والاستفادة منها.
على صعيد السياسات الوطنية للتشغيل، أوضحت الدكتورة عطاري أن استراتيجية التشغيل الوطنية 2025–2027 تمثل إطارًا أساسيًا لعمل الوزارة، وتقوم على أربعة محاور متكاملة هي: التشغيل، والتدريب المهني، والريادة، والتعاونيات، مشيرة إلى أن الوزارة تعمل من خلالها على ربط التدريب باحتياجات سوق العمل، وفتح مسارات أمام النساء في المهن غير التقليدية.
أما في ملف التحول الرقمي، فأكدت أن الذكاء الاصطناعي أصبح جزءًا من واقع سوق العمل ومستقبله، وأن الوزارة تعمل على توظيفه من خلال منصة التشغيل الوطنية «جوب ماتش» لتحليل احتياجات سوق العمل، والتنبؤ بالمهارات المطلوبة، وتحسين الإرشاد المهني، ومواءمة الباحثات عن عمل مع الفرص، ودعم تطوير السيرة الذاتية والاستعداد للمقابلات، إلى جانب دعم المشاريع الصغيرة وتوسيع فرص العمل عن بُعد.
في هذا الإطار، لفتت إلى ضرورة ضمان أن يكون التحول التكنولوجي فرصة لتوسيع مشاركة النساء وليس عاملًا لإعادة إنتاج الفجوات القائمة، لافتة إلى بيانات منظمة العمل الدولية بشأن تعرض المهن التي تتركز فيها النساء لتأثير الذكاء الاصطناعي بدرجة أكبر، بنسبة 29% مقابل 16% في المهن التي يتركز فيها الرجال.
وانطلاقًا من ذلك، أكدت توجه الوزارة نحو إدماج المهارات الرقمية والذكاء الاصطناعي في منظومة التدريب، وفتح المجال أمام النساء في تخصصات المستقبل، بما يشمل تحليل البيانات والتسويق الرقمي والتصميم والتصنيع الرقمي والأمن السيبراني والطاقة المتجددة والصيانة الذكية والعمل الحر عبر المنصات.
في ختام كلمتها، وضعت الوزيرة تعزيز مشاركة النساء في سوق العمل ضمن مسؤولية وطنية تتجاوز دور وزارة العمل وحدها، موضحة أن تحقيق ذلك يتطلب تكامل أدوار الحكومة وأصحاب العمل والنقابات ومؤسسات التعليم والتدريب والمجتمع المدني والشركاء الدوليين، والعمل بصورة متوازية على تطوير المهارات المتوافقة مع احتياجات السوق، وتوفير فرص تشغيل حقيقية، وبناء بيئة عمل آمنة وعادلة، وتعزيز أنظمة الحماية التي تضمن للمرأة الاستمرار في العمل والتقدم فيه.
من جانبها، أوضحت وزيرة شؤون المرأة أ. منى الخليلي أهمية تعزيز مشاركة النساء في سوق العمل باعتبارها جزءًا من أولويات السياسات الوطنية للمساواة، مشددة على ضرورة تكامل الجهود الحكومية والمؤسسية لمعالجة العوائق التي تحول دون المشاركة الاقتصادية الكاملة للنساء. كما تناولت أهمية تطوير السياسات التي تعزز المساواة وتكافؤ الفرص، وتوفير بيئة عمل داعمة تحمي حقوق النساء وتفتح أمامهن فرصًا أوسع للتشغيل والتمكين الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والتكنولوجي.
من جهته، تناول وكيل وزارة الاقتصاد الوطني م. بشار الصيفي أهمية مواءمة السياسات الاقتصادية مع جهود تعزيز مشاركة النساء، وتوسيع الفرص المتاحة أمامهن في القطاعات الاقتصادية المختلفة، مشددًا على أهمية دعم المشاريع والأنشطة الاقتصادية التي تقودها النساء، وتعزيز وصولهن إلى الأسواق والفرص الاقتصادية، بما يساهم في تحويل قدراتهن ومهاراتهن إلى مساهمة فاعلة في تنمية وتطوير الاقتصاد المحلي.
وفي مداخلته، أشار رئيس قسم الحوكمة في مكتب ممثل الاتحاد الأوروبي السيد سيرج ماريت إلى أهمية الشراكة مع المؤسسات الفلسطينية في تعزيز مشاركة النساء في سوق العمل، مشددًا على أهمية دعم الجهود الرامية إلى تطوير بيئة عمل أكثر شمولًا وعدالة، وتعزيز تكافؤ الفرص والحماية. كما لفت إلى أهمية استمرار التعاون بين الاتحاد الأوروبي والمؤسسات الفلسطينية في دعم السياسات التي تساهم في تعزيز المشاركة الاقتصادية للنساء، لا سيما أن برامج الاتحاد ترى أن المساواة في هذا المجال أولوية.
بدوره، سلّط مدير مكتب التعاون الإيطالي الإنمائي الدولي السيد ميركو تريكولي الضوء على أهمية بناء شراكات متعددة القطاعات لدعم مشاركة النساء في سوق العمل، وتعزيز التكامل بين المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص والمجتمع المدني والشركاء الدوليين، مشددًا على أهمية الاستثمار في البرامج التي تطور مهارات النساء وتدعم وصولهن إلى فرص التشغيل وريادة الأعمال، بما يعزز قدرتهن على المشاركة الاقتصادية.
من ناحيتها، أكدت المديرة التنفيذية لمركز إعلام حقوق الإنسان والديمقراطية «شمس» السيدة أمل الفقيه أن حقوق المرأة الفلسطينية في العمل والمشاركة الاقتصادية وصنع القرار هي حقوق أصيلة، مشددة على أهمية بناء بيئة عمل داعمة تضمن تكافؤ الفرص، والأجر العادل، والحماية من التمييز والعنف والتحرش، وتوفر للنساء فرصًا حقيقية للتطور المهني والوصول إلى مواقع القيادة. كما أوضحت أن التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجهها النساء في فلسطين تتطلب استجابة مؤسسية مشتركة، وربط السياسات العامة بأصوات النساء وتجاربهن، مؤكدة أن الشراكة بين وزارة العمل ومركز «شمس» تشكل فرصة لتحويل الحوار حول تمكين النساء إلى إجراءات عملية وتوصيات قابلة للتنفيذ، بما يعزز حضور النساء في سوق العمل ومشاركتهن الفاعلة في صناعة القرار.
وعقب الجلسة الافتتاحية، انتقل المؤتمر إلى جلسة ثانية بعنوان «التحديات التشريعية والمؤسسية والاجتماعية ومتطلبات بيئة العمل الداعمة»، ناقشت التشريعات والسياسات الناظمة لمشاركة النساء في سوق العمل والفجوات ومتطلبات التطوير وأنظمة الحماية، إلى جانب العدالة الجندرية في عصر الذكاء الاصطناعي وحماية فرص النساء في سوق العمل الفلسطيني، والتدقيق الجندري المؤسسي كأداة لتطوير بيئات عمل دامجة ومستجيبة.
تضمنت الجلسة مداخلات فاعلة ونقاشًا مفتوحًا وأسئلة من المشاركين والمشاركات، قبل أن تُختتم أعمال المؤتمر بطرح التوصيات التي من شأنها تعزيز السياسات الداعمة لمشاركة المرأة الاقتصادية.