وسط 96FM شمال 96.2FM جنوب 92.2FM
استمع الآن راديو نساء
"أيام العنب".. موسمٌ يواجه الإغلاق ويبحث عن سوق

 

رام الله – نساء FM- اية عبد الرحمن- في موسم العنب، لا تبدأ حكاية العناقيد عند لحظة قطافها، ولا تنتهي بوصولها إلى الأسواق؛ خلف كل كيلوغرام عنب أسرة زراعية تكافح للوصول إلى أرضها، ورعاية أشجارها، وحماية محصولها من التلف، ثم البحث عن طريق لتسويقه في ظل قيود الوصول إلى الأراضي وتراجع الأسواق والقدرة الشرائية.

في بلدة الخضر جنوب بيت لحم، جاءت فعالية "أيام العنب" للعام الثامن على التوالي، بمشاركة الإغاثة الزراعية ووزارة الزراعة والغرفة التجارية وبلدية الخضر، وبتمويل من برنامج الأغذية العالمي، بهدف دعم المزارعين وفتح مساحة مباشرة للتسويق بين المنتج والمستهلك.

45 طنًا من العنب في أيام

وقال مدير الإغاثة الزراعية في بيت لحم، زياد صلاح، لإذاعة نساء، إن الفعالية تهدف إلى مساعدة المزارعين وتسليط الضوء على معاناتهم، مشيرًا إلى أن التجربة أسهمت في تعزيز التسويق المباشر بين المزارع والمستهلك بعيدًا عن الوسيط.

وأوضح أن المواطنين تمكنوا من شراء العنب مباشرة من المزارعين، فيما شارك بعضهم في تجربة "أقطف من المزرعة مباشرة"، ما أتاح لهم التعرف عن قرب على طبيعة العمل الزراعي والجهد الذي تبذله الأسر الفلسطينية لإنتاج المحصول، بدءًا من الرش والحراثة والتسميد والتقليم، وصولًا إلى القطاف.

وأشار صلاح إلى أنه جرى خلال أيام الفعالية تسويق نحو 45 طنًا من العنب، بقيمة قاربت 350 ألف شيكل وربما تجاوزتها، معتبرًا أن هذا المبلغ شكل مصدر دخل مهمًا للأسر الزراعية في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة.

السياحة الداخلية تحرك السوق

وبيّن صلاح أن بيت لحم تواجه ظروفًا استثنائية، في ظل إغلاق المناطق وتراجع السياحة وغياب سوق العمل داخل الخط الأخضر، مشيرًا إلى أن الفعالية لم تقتصر على تسويق العنب، وإنما أسهمت أيضًا في تنشيط السياحة الداخلية والحركة التجارية في المنطقة.

وقال إن زوارًا قدموا من نابلس وقلقيلية ومن فلسطينيي الداخل ومناطق مختلفة، ما أدى إلى تنشيط المطاعم والمحلات التجارية، مؤكدًا أن الحراك الذي أحدثته الفعالية انعكس على قطاعات أخرى، ولم يقتصر على بيع العنب.

لكن عملية تسويق المحصول لم تكن سهلة، إذ واجه المزارعون، وفق صلاح، صعوبات كبيرة في نقل العنب من الأراضي المغلقة، بسبب سوء حالة الطرق الزراعية وعدم قدرة المركبات على الوصول إلى كثير من الأراضي.

المحصول يصل إلى السوق بعد رحلة شاقة

وأوضح أن المزارعين يضطرون في بعض المناطق إلى نقل المحصول باستخدام الحيوانات، ثم نقله إلى الطرق المعبدة بعد تجاوز مناطق الإغلاق، قبل تحميله في السيارات، مشيرًا إلى أن هذه العملية تؤثر في جودة العنب وتزيد الجهد والتكلفة على المزارع.

وأضاف أن الوضع الاقتصادي الصعب داخل المنطقة انعكس أيضًا على قدرة المواطنين على شراء العنب، لافتًا إلى أن قدوم المواطنين من خارج البلدة أسهم بشكل كبير في إنجاح عملية التسويق.

وحول مساحة الأراضي الزراعية المغلقة، أوضح صلاح أن نحو 50% من الأراضي الزراعية في بعض مناطق بيت لحم تواجه الإغلاق.

وأشار إلى أن بلدة الخضر تضم نحو 8500 دونم من الأراضي، فيما تصل المساحات المزروعة بالعنب إلى نحو 14,800 دونم، إلا أن المزارعين لا يستطيعون الوصول إلا إلى ما يقارب 5 آلاف أو 6 آلاف دونم، أي ما نسبته نحو 35 إلى 40% فقط، بينما تبقى المساحات الأخرى شبه مغلقة.

أراضٍ مغلقة ومحاصيل مهددة

ولفت صلاح إلى أن منطقة وادي الأبيض، التي تضم كميات كبيرة من محصول العنب، مغلقة أمام المزارعين، فيما يحاول البعض الوصول إليها بشكل متقطع وتحت ظروف صعبة، ما يؤدي إلى بقاء جزء كبير من المحصول على الأشجار دون قطاف.

وأشار كذلك إلى وجود أراضٍ مغلقة في المناطق الواقعة بين الخضر ونحالين، وبين الخضر وبيت سكاريا، إضافة إلى صعوبة وصول المزارعين إلى أراضي بيت سكاريا، مؤكدًا أن ذلك ينعكس مباشرة على الإنتاج ودخل الأسر الزراعية.

وحذر من أن آثار إغلاق الأراضي لا تقتصر على الموسم الحالي، موضحًا أن أشجار العنب التي تتضرر أو تهمل لفترات طويلة تحتاج إلى إعادة تأهيل وزراعة من جديد، ما يعني أن خسائر الإنتاج قد تمتد لسنوات.

وتوقع صلاح انخفاض الإنتاج في مناطق جنوب وغرب بيت لحم بأكثر من النصف، في ظل استمرار صعوبة الوصول إلى الأراضي الزراعية.

خسائر لا تنتهي بانتهاء الموسم

وفي ظل استمرار مصادرة الأراضي وهجمات المستعمرين، حذر صلاح من خسارة المزيد من الأراضي الزراعية، مشيرًا إلى وجود أراضٍ فقدها أصحابها بشكل كامل بسبب عدم قدرتهم على الوصول إليها.

وأوضح أن بعض المزارعين قاموا باستصلاح أراضٍ جديدة وانتظروا نحو أربع سنوات حتى بدأت بالإنتاج، قبل أن يتم إغلاقها، متسائلًا عن الجهة التي ستعوض المزارع عن هذه الخسائر والجهد والاستثمار الذي بذله.

وأكد أن الخسارة هنا لا تتعلق بمحصول موسم واحد فقط، وإنما باستثمار زراعي يحتاج إلى سنوات قبل أن يبدأ بإدرار الدخل.

التسويق وحده لا يكفي

وحول دور الأسواق والفعاليات الموسمية في معالجة أزمة التسويق، أكد صلاح أن هذه المبادرات تمثل جزءًا من الحل، لكنها لا تكفي وحدها، مشددًا على ضرورة حماية السوق الفلسطيني من المنتجات التي تدخل إليه وتنافس المنتج المحلي.

وأشار إلى أن سوق القدس كان سابقًا من الأسواق المهمة للمنتج الزراعي في المنطقة، لكن المزارعين لم يعودوا قادرين على الوصول إليه، ما دفعهم إلى البحث عن بدائل محلية للتسويق، ومن بينها "أيام العنب".

وأكد أن الفعاليات الموسمية لا توفر فقط فرصة للبيع، وإنما تمنح المزارع مساحة للتعبير عن معاناته، وتتيح للمستهلك أن يرى بنفسه حجم الجهد المبذول في إنتاج المحصول.

المرأة حاضرة في الإنتاج والتصنيع

وفي جانب آخر من الفعالية، أكد صلاح أهمية دور المرأة الريفية في إنتاج وتسويق المنتجات الزراعية، مشيرًا إلى أن جمعيات نسوية شاركت في الفعالية وسوقت منتجات بقيمة تقارب 55 ألف شيكل.

وقال إن المؤسسات الداعمة تعمل على مساعدة النساء من خلال توفير العبوات والملصقات والتدريب على أساليب التصنيع السليم، إضافة إلى مساعدتهن في تسويق منتجاتهن وإشهارها.

وأوضح أن منتجات مثل الملبن والدبس تحظى بطلب جيد، وأن النساء يشكلن جزءًا أساسيًا من العمل داخل الأسرة الزراعية، خاصة عندما يتعذر تسويق العنب طازجًا.

وفي هذه الحالات، يتم تحويل العنب إلى عصير ودبس وملبن وخل وزبيب، بما يسمح بالحفاظ على قيمة المحصول وتحويله إلى مصدر دخل إضافي.

وأشار إلى أن العنب الطازج يبقى الأكثر سهولة في التسويق، لكنه شدد على أهمية التصنيع الغذائي في استثمار المحاصيل التي يصعب نقلها أو التي قد تتعرض للتلف بسبب تأخر الوصول إلى الأسواق.

"المزارع الفلسطيني يتحدى كل الموجود"

وأكد صلاح أن الإغاثة الزراعية والمؤسسات الشريكة ستواصل الوقوف إلى جانب المزارعين، قائلًا إن المزارع الفلسطيني "يتحدى كل الموجود" وسيواصل البقاء في أرضه رغم الظروف الصعبة.

ودعا إلى دعم المزارع الفلسطيني، معتبرًا أن تسويق 45 طنًا من العنب خلال الفعالية يشكل نسبة مهمة ومصدر دخل حقيقيًا للأسر، ويمكن من خلال هذه المبادرات مساعدة المزارعين رغم الحصار والقيود المفروضة على الحركة والوصول إلى الأسواق.

"لا تنظروا إلى سعر العنب بمعزل عن كلفة إنتاجه"

وفي رسالة مباشرة إلى المستهلك الفلسطيني، دعا صلاح إلى عدم النظر إلى سعر العنب باعتباره مرتفعًا، موضحًا أن الكيلوغرام الذي يباع حاليًا بنحو 8 أو 10 شواكل، كان يباع قبل شهر أو شهر ونصف بنحو 25 شيكلًا، رغم أن المنتج في ذلك الوقت لم يكن فلسطينيًا.

وقال إن سعر العنب الفلسطيني اليوم، في رأيه، ليس مرتفعًا بل منخفض، لأن وراء كل قطف عنب أسرة فلسطينية كاملة شاركت في زراعته ورعايته وقطافه.

وختم صلاح رسالته بالتأكيد على أن العنب الفلسطيني "بلدي" وينتج بعرق وجهد الفلاحين الفلسطينيين، داعيًا المستهلك إلى دعم المنتج المحلي والنظر إلى شراء المنتجات الزراعية الفلسطينية باعتباره دعمًا مباشرًا للمزارع ولصموده في أرضه.

وتكشف "أيام العنب"، رغم نجاحها في تحريك السوق المحلي وتسويق كميات من المحصول، عن أزمة أوسع تواجه الزراعة في بيت لحم، تبدأ من صعوبة الوصول إلى الأرض ولا تنتهي عند بوابة السوق، مرورًا بارتفاع كلفة الإنتاج والنقل، وتراجع القدرة الشرائية، وفقدان أسواق كانت تشكل منفذًا مهمًا للمنتج الزراعي.

وبينما توفر الفعاليات الموسمية متنفسًا للمزارعين، يبقى استمرار الزراعة مرتبطًا بقدرة أصحاب الأراضي على الوصول إليها، وفتح الأسواق أمام منتجاتهم، وتطوير التصنيع الزراعي، وتوسيع قنوات التسويق المباشر، بما يحافظ على المحصول ويمنح الأسر الزراعية فرصة للاستمرار في العمل بأرضها.