قتل النساء في فلسطين.. حين تبدأ الأسئلة بعد الجريمة
رام الله – نساءFM- اية عبد الرحمن- لا تنتهي جريمة قتل امرأة عند إعلان وفاتها، فخلف كل جريمة أسئلة تتعلق بمؤشرات العنف التي سبقتها، ومدى توفر الحماية، وقدرة المؤسسات على التدخل قبل فوات الأوان، والأهم، ما إذا كان القانون يضمن محاسبة الجناة ومنع تكرار الجريمة.
ومع تكرار جرائم قتل النساء في المجتمع الفلسطيني، تتزايد التساؤلات حول الثغرات التي تسمح باستمرارها، وفعالية منظومة الحماية، ودور الأسرة والمجتمع والمؤسسات الرسمية في التعامل مع النساء المعرضات للخطر قبل أن يتحول العنف إلى جريمة قتل.
العنف لا يبدأ بالقتل
وقالت الناشطة النسوية والإعلامية ميسون القواسمي، في حديثها ل"نساء إف إم"|، إن قصة قتل المرأة لا تبدأ عند العثور على جثمانها، بل إن كثيرًا من الجرائم تسبقها مؤشرات ودلائل على وجود خطر كان يمكن رصده والتعامل معه.
وأوضحت أن قتل النساء لا يأتي بالضرورة نتيجة لحظة غضب عابرة أو حادثة مفاجئة، مشيرة إلى أن من أبرز المؤشرات التي قد تسبق الجريمة، العنف الجسدي المتكرر، ومحاولات التحكم المفرط بالمرأة وعزلها عن محيطها الاجتماعي، والعنف النفسي والاقتصادي، إضافة إلى التهديد المستمر بالقتل، سواء للمرأة أو لأبنائها، واستخدام الأطفال أداة للضغط عليها.
وبحسب القواسمي، فإن تجاهل هذه المؤشرات أو التعامل معها باعتبارها مشكلات أسرية عابرة قد يحرم المرأة من فرصة الحصول على الحماية في الوقت المناسب.
"ما في عنا بنات بتطلقوا"
وترى القواسمي أن بعض النساء قد يجدن أنفسهن أمام ضغوط اجتماعية تدفعهن إلى الاستمرار في علاقات زوجية غير آمنة، بسبب أفكار ومقولات اجتماعية من قبيل "ما في عنا بنات بتطلقوا" أو "عيب علينا شو بيحكوا الناس".
وقالت إن هذه الضغوط قد تدفع المرأة إلى البقاء في بيئة تشكل خطرًا حقيقيًا على حياتها، بدل مساعدتها على الخروج منها والوصول إلى مكان آمن.
ولا تقتصر المشكلة، وفق القواسمي، على وجود العنف، وإنما تمتد إلى ضعف قدرة بعض النساء، أو فقدانهن الثقة بإمكانية الوصول إلى أماكن آمنة قادرة على حمايتهن، إلى جانب تأثير العادات والتقاليد والتدخلات العائلية والعشائرية.
الخلاف العائلي لا يجب أن يحجب خطر العنف
وحذرت القواسمي من التعامل مع قضايا العنف ضد النساء باعتبارها مجرد خلافات عائلية يمكن حلها بجلسة صلح أو "فنجان قهوة"، مشيرة إلى أن بعض هذه التدخلات قد تنتهي بإعادة المرأة إلى البيئة ذاتها التي كانت تشكل خطرًا عليها.
وأكدت أن الأولوية في مثل هذه الحالات يجب أن تكون حماية المرأة وضمان سلامتها، وليس فقط إنهاء الخلاف بين أفراد الأسرة.
ودعت النساء والأهالي إلى اللجوء إلى جهات الاختصاص، وفي مقدمتها الشرطة والقضاء، عند وجود خطر أو تهديد، بدل الاكتفاء بحلول اجتماعية قد لا توفر الحماية المطلوبة أو تضمن الحقوق.
47 امرأة وفتاة حتى عام 2025
وحول أعداد النساء اللواتي فقدن حياتهن، وصفت القواسمي الأرقام بأنها "مرعبة ومفجعة"، مشيرة إلى أن عدد النساء والفتيات اللواتي قتلن، وفق ما وثقته الجهات التي تستند إليها، بلغ حتى عام 2025 ما لا يقل عن 47 امرأة وفتاة.
وأكدت أن هذه الأرقام يجب أن تشكل ناقوس خطر، وتدفع إلى مراجعة منظومة الحماية وآليات التدخل المبكر، وطرح أسئلة جدية حول مدى قدرة المؤسسات والمجتمع على اكتشاف مؤشرات الخطر قبل وقوع الجريمة.
وأشارت إلى أن ما بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 شهد زيادة في الضغوط الاقتصادية والنفسية ومستويات التوتر، معتبرة أن ذلك يستدعي وقفة جادة ومسؤولة لفهم ما الذي يمكن فعله لمنع تكرار جرائم قتل النساء.
تعديل القانون لا يكفي وحده
وفي الجانب القانوني، أشارت القواسمي إلى أنه جرى في وقت سابق تعديل قانون العقوبات وإلغاء الأعذار المخففة في قضايا ما يسمى "شرف العائلة"، لتعامل الجريمة باعتبارها جريمة قتل، مع إمكانية مواجهة الجاني أحكامًا تصل إلى 25 عامًا أو المؤبد، بحسب الحالة والأحكام القانونية المطبقة.
لكنها شددت على أن تعديل القانون وحده لم يكن كافيًا لوقف جرائم قتل النساء، مؤكدة أن فعالية القانون ترتبط أيضًا بسرعة التدخل، وتوفر الحماية، وجمع البيانات، ومتابعة الحالات التي تظهر فيها مؤشرات الخطر.
نظام موحد لرصد العنف
ودعت القواسمي إلى تفعيل "نظام الشكاوى الموحد"، بما يسمح برصد حالات العنف ضد النساء ومتابعتها بصورة أكثر دقة، قبل وصول بعضها إلى مرحلة الجريمة.
وأكدت ضرورة بناء شراكة مؤسسية تضم النيابة العامة والقضاء ووزارة الصحة والشرطة ووزارة شؤون المرأة ووزارة التنمية الاجتماعية، إلى جانب المؤسسات الحقوقية والنسوية، بهدف توفير بيانات دقيقة وشاملة يمكن الاستناد إليها في فهم الظاهرة ووضع سياسات للوقاية منها.
وشددت على أهمية دراسة كل حالة بشكل معمق، ليس بهدف تبرير الجريمة، وإنما لفهم مسبباتها والعوامل والمؤشرات التي سبقتها، بما يساعد على تطوير آليات التدخل والحماية ومنع تكرارها.
لا مبرر لقتل المرأة
وأكدت القواسمي أنه "ممنوع نهائيًا إيجاد أي مبرر لجرائم القتل"، سواء من خلال تحميل الظروف الاقتصادية المسؤولية، أو إلقاء اللوم على الضحية بالقول إنها "تمادت" أو "تجاوزت حدودها".
وشددت على أن الظروف الاقتصادية والسياسية والاجتماعية الصعبة قد تزيد مستويات الضغط والتوتر، لكنها لا تبرر قتل المرأة، ولا يمكن استخدامها لتبرير الجريمة أو الإفلات من العقاب.
كما رفضت تحميل المرأة مسؤولية العنف الذي تتعرض له، مؤكدة أنه لا يوجد مبرر ديني أو أخلاقي يشرعن قتلها.
الرجل شريك في الوقاية
وترى القواسمي أن مواجهة العنف لا يمكن أن تكون مسؤولية النساء وحدهن، داعية إلى أن يكون الرجل شريكًا أساسيًا في التوعية والتثقيف داخل الأسرة والمجتمع، وتعزيز احترام حقوق المرأة ورفض العنف ضدها.
وشددت على أهمية التوعية المجتمعية التي تساعد على تغيير الأفكار التي تتسامح مع العنف أو تعتبره شأنًا خاصًا داخل الأسرة، وعلى كسر حاجز الخوف لدى النساء والأهالي، وتشجيعهم على طلب المساعدة والحماية عند ظهور مؤشرات الخطر.
وتؤكد أن الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها المجتمع الفلسطيني قد تفسر جزءًا من الضغوط والتوترات، لكنها لا تبرر بأي حال من الأحوال قتل امرأة أو الاعتداء عليها.