وسط 96FM شمال 96.2FM جنوب 92.2FM
استمع الآن راديو نساء
من التفاعل إلى التأثير.. كيف تنجح حملات المقاطعة الرقمية الفلسطينية؟

 

رام الله-نساء FM- اية عبد الرحمن- تحولت منصات التواصل الاجتماعي خلال السنوات الأخيرة إلى مساحة واسعة للتضامن مع القضايا السياسية والإنسانية، كما تحولت حملات المقاطعة الرقمية إلى وسيلة للضغط على الشركات والعلامات التجارية والمؤسسات والجهات المختلفة، وسط تساؤلات حول قدرة هذه الحملات على الانتقال من مجرد التفاعل والمشاركة إلى تحقيق تأثير حقيقي وملموس.

وفي حديثها لنساء إف إم، أوضحت الباحثة في الإعلام الرقمي والسوشيال ميديا مريم شومان أن المقاطعة الرقمية تعني استخدام مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة بهدف التأثير في سلوك الشركات والعلامات التجارية والمؤسسات والجهات المختلفة، بما فيها المؤسسات الأكاديمية أو الرياضية التي يُنظر إليها على أنها مؤيدة أو داعمة للاحتلال.

المقاطعة الرقمية أسرع انتشاراً من الحملات التقليدية

وأشارت شومان إلى أن المقاطعة التقليدية كانت تحتاج إلى وقت طويل وجهد وتنظيم ميداني، وكانت تعتمد على المنشورات والبروشورات والاجتماعات والحملات الشعبية أو الوجاهية، بينما أتاحت المقاطعة الرقمية عبر منصات التواصل الاجتماعي سرعة فائقة في الانتشار والوصول إلى أعداد كبيرة من الأشخاص خلال وقت قصير جداً، موضحة أن إطلاق هاشتاغ أو نشر مقطع فيديو يمكن أن يتيح الوصول إلى مليون شخص خلال ساعات قليلة.

لكن سرعة الانتشار، بحسب شومان، لا تعني بالضرورة أن الحملة حققت هدفها أو أحدثت تغييراً حقيقياً وملموساً في سلوك المستهلك أو في أهداف وسياسات الشركة المستهدفة، موضحة أن الحصول على ملايين المشاهدات أو التفاعلات لا يشكل مؤشراً كافياً على نجاح المقاطعة.

الخوارزميات تدفع نحو المحتوى الأكثر إثارة

وبيّنت أن الخوارزميات تلعب دوراً أساسياً في تنظيم ووصول الحملات الرقمية، إذ تعمل بوصفها البوابة الأولى التي تحدد إلى حد كبير المحتوى الذي يصل إلى المستخدمين، مشيرة إلى أن هذه الخوارزميات تفضل المحتوى القادر على إثارة الجدل والعاطفة والغضب أو المفاجأة، لأنه يحقق مستويات أعلى من التفاعل والانتشار.

وأكدت شومان أن الخوارزميات لا تتعامل مع المحتوى وفق معيار أخلاقي أو بناءً على عدالة القضية وأهميتها، ولا يعني انتشار محتوى معين أن المنصة تتبنى القضية التي يتناولها، وإنما يكون التركيز الأساسي على حجم التفاعل الذي يستطيع المحتوى تحقيقه.

الحراك الفلسطيني يمتلك قدرة كبيرة على الحشد الرقمي

وفيما يتعلق بالحملات الرقمية الفلسطينية، أكدت شومان أن الحراك الفلسطيني يمتلك قدرة كبيرة وأدوات واسعة على الحشد الرقمي والتضامن الشعبي، مشيرة إلى أن السنوات الثلاث الأخيرة أثبتت ذلك من خلال عدد من الحملات والمواقف الرقمية، ومن بينها حملات مقاطعة منتجات الشركات العالمية، إضافة إلى مقاطعة المشاهير الذين يُنظر إليهم على أنهم داعمون للاحتلال.

وأوضحت أن القدرة على الحشد الرقمي والتضامن الشعبي تمثل نقطة قوة، لكن التحدي الأساسي يتمثل في كيفية تحويل هذه القدرة الكبيرة إلى تأثير مستدام ومنظم، بدل أن تبقى الحملات في إطار التفاعل المؤقت الذي يرتفع بسرعة ثم يتراجع مع ظهور قضية جديدة على منصات التواصل الاجتماعي.

من التفاعل المؤقت إلى التأثير المستدام

وأشارت شومان إلى أن بعض الحملات الرقمية تبدأ بزخم كبير نتيجة حالة عاطفية أو حدث معين، وتحظى بمشاركة واسعة خلال فترة قصيرة، لكنها تخفت تدريجياً بمجرد انتقال اهتمام الجمهور إلى قضية أخرى، ولذلك فإن المطلوب هو العمل على تحويل هذا التضامن المؤقت إلى جهد مستمر ومنظم قادر على تحقيق نتائج ملموسة.

وأكدت أن المقاطعة الرقمية لا ينبغي أن تتوقف عند الضغط الإلكتروني أو مشاركة المنشورات واستخدام الهاشتاغات، وإنما يجب أن يكون هناك تفكير في كيفية تحويل هذا الحشد إلى سلوك فعلي لدى المستهلكين، وإلى ضغط حقيقي على الشركات والعلامات التجارية والمؤسسات المستهدفة.

البدائل المحلية والعربية عنصر أساسي في نجاح المقاطعة

وشددت شومان على أهمية توفير البدائل المحلية والعربية للمنتجات التي تستهدفها حملات المقاطعة، لأن دعوة المستهلك إلى مقاطعة منتج دون توفير بديل مناسب قد تحد من قدرة الحملة على تحقيق نتائج عملية، بينما وجود منتجات محلية أو عربية بديلة يسهل على المستهلك اتخاذ قرار المقاطعة والاستمرار فيه.

تعدد اللغات للوصول إلى الجمهور العالمي

كما لفتت إلى أهمية تعدد اللغات في الخطاب الرقمي، خاصة عندما تكون الحملة موجهة إلى جمهور عالمي، موضحة أن الخطاب المخصص للجمهور الفلسطيني أو العربي لا يمكن أن يكون بالضرورة هو الخطاب ذاته الموجه إلى الجمهور الدولي، وأن الوصول إلى شرائح أوسع يتطلب تقديم المحتوى بلغات متعددة وبأساليب تتناسب مع طبيعة كل جمهور.

شومان: التحدي في الحفاظ على الوصول وتحويله إلى تأثير

وأكدت شومان أن قوة الحملات الرقمية الفلسطينية ظهرت بشكل واضح خلال السنوات الأخيرة، سواء من خلال التضامن الشعبي أو حملات المقاطعة، إلا أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى الاستفادة من هذه القدرة وتنظيمها بصورة أكثر استدامة، بحيث لا تقتصر المشاركة على موجة مؤقتة من التفاعل.

وأوضحت أن التحدي لا يتعلق بقدرة الفلسطينيين على الوصول إلى الناس، وإنما في كيفية الحفاظ على هذا الوصول وتحويله إلى تأثير فعلي، من خلال الاستمرارية والتنظيم والتخطيط وتوفير البدائل المحلية والعربية، إلى جانب تطوير الخطاب الرقمي وتقديمه بلغات متعددة للوصول إلى الجمهور العالمي.

التأثير الحقيقي يبدأ عندما يتحول التفاعل إلى سلوك

وتشير هذه الرؤية إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت أداة مؤثرة في الحملات السياسية والإنسانية وحملات المقاطعة، لكنها في الوقت ذاته لا تضمن وحدها تحقيق النتائج، إذ إن ملايين المشاهدات والإعجابات والمشاركات قد تبقى ضمن نطاق التفاعل الرقمي ما لم تتحول إلى قرارات وسلوكيات فعلية على أرض الواقع.

وبحسب شومان، فإن الانتقال من الحشد الرقمي إلى التأثير الحقيقي يتطلب التعامل مع الحملات باعتبارها جهوداً طويلة الأمد، وليس مجرد رد فعل مؤقت على حدث أو قضية، إلى جانب فهم طبيعة الخوارزميات وآليات انتشار المحتوى، والعمل على بناء خطاب قادر على الوصول إلى الجمهور المحلي والعربي والدولي، وتوفير خيارات عملية للمستهلكين تمكنهم من تحويل التضامن الرقمي إلى ممارسة فعلية.

وتبقى المقاطعة الرقمية، وفق هذا الطرح، واحدة من الأدوات الحديثة التي تمنح الأفراد والمجتمعات قدرة أكبر على التعبير والضغط والوصول السريع إلى الشركات والمؤسسات، فيما تتمثل الفاعلية الحقيقية لهذه الحملات في قدرتها على تجاوز حدود التفاعل الافتراضي والوصول إلى تغيير مستدام في سلوك المستهلك وسياسات الجهات المستهدفة.