تدعو الى وقف حبس النساء.. حملة "مسامحة الدَّين" تتجاوز 13 مليون شيكل في ديون جرى التنازل عنها
رام الله-نساء FM- اية عبد الرحمن-تتواصل حملة "مسامحة الدَّين" في فلسطين، التي أطلقها الصحفي علاء الريماوي لمن ضاقت بهم السبل، في مبادرة إنسانية بدأت بفكرة بسيطة لمساعدة أشخاص أثقلت الديون كاهلهم، قبل أن تتحول إلى حملة مجتمعية واسعة، تجاوزت قيمة الديون التي تمت مسامحتها من خلالها حتى الآن 13 مليون شيكل.
وقال الريماوي في حديثه لنساء إف إم، إن الرقم الكبير الذي وصلت إليه الحملة يستوجب أولاً توجيه التحية للشعب الفلسطيني، للرجال والنساء الذين بادروا وقدموا ما يملكون من أجل جبر خواطر بعضهم البعض، مشيراً إلى أن نساءً سامحن رجالاً وتنازلن عن حقوقهن، كما فعل الرجال الأمر ذاته مع النساء والرجال.
بداية الحملة.. معلمة تواجه أمر حبس بسبب شيك
وأوضح أن فكرة الحملة بدأت بعدما تبين وجود حالات كثيرة لأشخاص، وخاصة النساء، صدرت بحقهم أوامر حبس على خلفية التعثر المالي، مشيراً إلى أن بعض الشركات كانت تقدم أمر اعتقال مقابل مبالغ تصل إلى 40 شيكلاً، وأن هناك عشرات الآلاف من أوامر الاعتقال والحبس المرتبطة بالتعثر المالي، بين الرجال والنساء.
وأضاف أن الشرارة الأولى للحملة كانت معلمة فلسطينية عليها شيك بقيمة ألفي شيكل، تواصلت معه وأبلغته بأن أمر حبس صدر بحقها، وأن هناك شيكاً آخر قادماً، موضحة أنها كتبت الشيكات من أجل تعليم أبنائها. وبعد التواصل مع صاحب الشيك، وافق على التنازل عن حقه، واستغرقت المكالمة نحو 35 دقيقة، ليتم بذلك إطلاق الفكرة.
وأشار الريماوي إلى أن القرار بإطلاق الحملة اتُخذ يوم الجمعة عند الساعة السابعة إلا عشر دقائق، وأن التنفيذ بدأ مباشرة، حيث وصلت قيمة المسامحات خلال أول نصف ساعة إلى نحو نصف مليون شيكل، قبل أن يبدأ تدفق كبير من الشيكات التي جرى شطبها، والدفاتر التي تم تمزيقها، والكمبيالات التي ألغيت، إضافة إلى المسامحات التي تمت عبر مواقع التواصل الاجتماعي ورسائل الواتساب.
قصص إنسانية.. من عشرة شواكل إلى مئات الآلاف
وقال إنه قام شخصياً بإبلاغ عشرات الأشخاص بأنه تمت مسامحة ديونهم، موضحاً أن كل قصة وصلت إلى الحملة تحمل رواية وحكاية ووجعاً وتفاصيل مرتبطة بجبر الخاطر.
وأكد الريماوي أن الحملة كشفت عن حجم كبير من التكافل بين الفلسطينيين، مشيراً إلى أن طفلاً صغيراً سامح أخاه بمبلغ عشرة شواكل، وأن امرأة في قطاع غزة داخل خيمة سامحت جاراتها في الخيام المنكوبة، فيما سامح صاحب بسطة في جنين مبلغاً قدره 36 شيكلاً، كما أشار إلى فلسطينيين من أراضي الـ48 قاموا بمسامحة مبلغ وصل إلى 800 ألف شيكل.
ولفت إلى أن تاجراً من الخليل قام بمسامحة امرأة في رام الله أو جبر خاطرها من خلال سداد شيك عنها، كما تحدث عن رجل سامح حاجة تبلغ من العمر 78 عاماً، مشيراً إلى أن الدعوة التي تلقاها منها بعد المسامحة كانت مليئة بالدفء والحنان.
الريماوي: الحملة ليست إنجازاً لشخص واحد
وشدد الريماوي على أن الحملة ليست إنجازاً لشخص واحد، قائلاً إن صاحب الحملة لا ينبغي أن يُشكر، وإنما الشكر للناس الذين يبذلون ويقدمون ويتنازلون، مؤكداً أن ما يحدث يعكس، بحسب وصفه، عظمة الشعب الفلسطيني في عطائه وتكافله.
وأشار إلى أن إحدى الحملات التي نُفذت في الخليل قدمت على الهواء مباشرة أكثر من مليون شيكل، مؤكداً أن الحملة التي كان من المفترض أن تستمر يومين امتدت بسبب حجم المشاركة والإقبال الكبير، موضحاً أنه كان أمام أكثر من ألفي رسالة غير مقروءة في وقت حديثه، ولا يعرف بعد مضمونها.
آلية للتحقق من المسامحات قبل إعلانها
وحول آلية التحقق من الحالات، أوضح الريماوي أن الحملة لا تعلن أي رقم إلا بعد التحقق منه، ويتم ذلك من خلال اتصال بين الدائن والمدين والتأكد من التنازل، أو من خلال إرسال دفاتر الشيكات بعد شطبها، أو توثيق إلغاء الكمبيالات أمام القائمين على الحملة، سواء عبر فيديو أو تسجيل أو صورة، إلى جانب إجراء اتصالات مباشرة للتأكد من الحالات.
ورفض الريماوي التشكيك في مصداقية الأشخاص الذين يقدمون على المسامحة، مؤكداً أن من يرسل شيكاً مشطوباً أو كمبيالة ملغاة أو يسجل مكالمة تؤكد المسامحة لا يفعل ذلك بهدف التمثيل، معتبراً أن الشعب الفلسطيني أثبت خلال الحملة أنه قادر على تقديم صور كبيرة من العطاء.
مشاركة من مختلف المناطق الفلسطينية
وأكد أن المشاركين في الحملة جاءوا من مختلف المناطق الفلسطينية، من جنين والخليل وغزة والداخل الفلسطيني والشمال والجنوب والوسط، ومن سلفيت وقلقيلية ورفح وغيرها، معتبراً أن هذه المشاركة دليل على استمرار روح التكافل وإسناد الفلسطينيين بعضهم لبعض، رغم الظروف الصعبة.
وأعلن الريماوي أن الجمعة المقبلة ستشهد، بحسب قوله، أكبر محفل لاستمرار حملة المسامحة، مؤكداً العمل على مواصلة المبادرة وتوسيع نطاقها.
رجل يسامح شريكه بدين 30 ألف شيكل
وعن أكثر القصص الإنسانية التي بقيت عالقة في ذاكرته، قال الريماوي إن كل قصة وصلته كانت مؤثرة وتدفع إلى البكاء، لكنه توقف بشكل خاص عند قصة رجل من ذوي الإعاقة، يمشي على عربة، كان قد دخل في شراكة مع أحد الأشخاص ثم انفصلا بكل تراضٍ، وبقي على شريكه السابق دين بقيمة 30 ألف شيكل.
وأوضح أن الرجل قال له إنه بعد اندلاع الحرب وتعثر شريكه، أصبح يفكر في كيفية التعامل مع الدين، خصوصاً أن الشريك كان مديناً لآخرين أيضاً. وعندما شاهد الحملة قرر دون تردد أن يسامحه، فاتصل به الريماوي وأبلغه بالمسامحة، فبكى الرجل وبكى الريماوي، ثم جرى اتصال بين الطرفين.
وأضاف أن صاحب الدين قال إنه سامح شريكه حتى يتمكن من الاستمرار في رؤيته ومحبته، مؤكداً أنه إذا تحسن وضعه في المستقبل فإنه سيعيد له المال. واعتبر الريماوي هذه القصة واحدة من صور العطاء والتكافل الكبيرة التي أظهرتها الحملة.
أرملة تسامح جارتها بدين بعد بيع أسوارة لمساعدتها
كما تحدث عن قصة امرأة أرملة من منطقة أم الشرايط، تحصل على 600 شيكل شهرياً، وقالت إنها كانت قد ساعدت جارتها عندما نجحت ابنتها في الثانوية العامة، فباعت أسوارة كانت تحتفظ بها للزمن وأعطتها المال، قبل أن تقرر، بعد مشاهدة الحملة، مسامحة جارتها بالدين.
وأشار إلى أن الأرملة أرسلت رسالة صوتية إلى جارتها تقول لها إنها سامحتها، لتسألها الجارة: "من جد؟"، معتبراً أن هذه العبارة وحدها تختصر حجم التأثير الإنساني للمسامحة، لأنها تعني تحرير الإنسان من الدين وجبر خاطره وإزالة هم كان يثقل عليه.
دعوة إلى التيسير بدلاً من الحبس بسبب الديون
وأكد الريماوي أن المسامحة ليست الآلية الوحيدة لمساعدة المتعثرين، إذ يمكن للدائن أن ييسر الدفعات أو يؤجلها أو يسهل عملية السداد أو يوقف أمر الحبس لفترة، مشدداً على أن الهدف هو فعل شيء يخفف عن الناس في ظل الظروف الصعبة.
وقال إن المجتمع الفلسطيني يعيش أوضاعاً اقتصادية ونفسية قاسية، مشيراً إلى أنه التقى قبل أيام بأحد معارفه خارج أحد المتاجر في رام الله، فوجده شاردًا وواضعاً يديه على مقود السيارة، وعندما سأله عن حاله أخبره أنه يحمل شيكين بقيمة 500 شيكل لكل منهما، وأنه يفكر في كيفية دفعهما، خاصة مع موسم المدارس وصلة الرحم والالتزامات المتزايدة.
وأضاف أن الرجل والمرأة في الأسرة اليوم يعملان ويتحملان أعباء كبيرة، وأن المرأة أصبحت تحمل جزءاً كبيراً من هموم البيت، مؤكداً أن الناس لم تعد قادرة على تحمل المزيد من الضغوط.
الريماوي يدعو إلى عدم حبس النساء بسبب مبالغ بسيطة
وفي ختام حديثه، وجه الريماوي نداءً خاصاً إلى شركات الاتصالات وغيرها من الجهات الدائنة، مشيراً إلى وجود آلاف أوامر الحبس على مبالغ بسيطة تصل إلى 40 أو 50 أو 100 أو 120 شيكلاً، مطالباً بعدم الوصول إلى حد حبس النساء بسبب هذه المبالغ.
وقال إن المرأة الفلسطينية تربت على العز والكرامة، وإن الرجال في المجتمع الفلسطيني كثيراً ما يمنعون عن أنفسهم من أجل تعليم أخواتهم أو إكرامهن، داعياً إلى عدم إذلال النساء والبنات والأخوات بسبب مبالغ مالية بسيطة، ومؤكداً أن من حق الدائن أن يطالب بحقه، لكن من المهم أن يتم ذلك دون إذلال أو إهانة.
وشدد على أن نساء فلسطين عزيزات، وأن التعامل معهن يجب أن يكون قائماً على الرحمة، لأن المرأة التي تواجه هذه الظروف قد تكون أماً أو أختاً أو ابنة لأي شخص، داعياً إلى التعامل مع الناس برحمة ومراعاة أوضاعهم وعدم الوصول بهم إلى مرحلة الهروب من الناس بسبب التعثر المالي.
وأكد أن الحملة تهدف في جوهرها إلى جبر الخواطر وترميم العلاقات الاجتماعية بالرحمة، سواء من خلال التنازل عن الدين أو تأجيله أو التغاضي عن جزء منه، معتبراً أن هذه المواقف الثلاثة يمكن أن تصنع خيراً كبيراً في المجتمع.
وتواصل حملة "مسامحة الدَّين" استقبال المبادرات والرسائل من الدائنين والمدينين، في محاولة لتحويل قيم التكافل والمسامحة إلى خطوات عملية تخفف عن الأسر الفلسطينية أعباء الديون، وتمنح المتعثرين فرصة جديدة للحياة بعيداً عن الخوف والضغط النفسي والاجتماعي المرتبط بالدين وأوامر الحبس.