تصاعد جرائم قتل النساء في فلسطين.. لماذا لا تنجح منظومة الحماية في التدخل قبل فوات الأوان؟
رام الله-نساء FM- اية عبد الرحمن: في ظل تكرار جرائم قتل النساء في فلسطين، يتجدد السؤال حول منظومة الحماية: أين تقف قبل وقوع الجريمة؟ وهل تمتلك المؤسسات الرسمية والمجتمعية القدرة على رصد حالات العنف والتدخل المبكر، أم أن الاستجابة لا تزال تبدأ بعد وقوع الجريمة؟
وقالت الناشطة النسوية رتيبة النتشة، في حديث مع "نساء إف إم" إن استمرار سماع أخبار قتل النساء أمر مؤلم، مشيرة إلى أن قضايا العنف ضد النساء والحماية ومنظومة الحماية غالباً ما تحضر بقوة فقط عند وقوع القتل أو محاولة القتل، بينما يتم تجاهل منظومة العنف والقهر التي قد تتعرض لها النساء لفترات طويلة وتؤدي في النهاية إلى فقدان حياتهن.
وأضافت أن غياب المعالجات القانونية والاجتماعية والحماية الفعلية للنساء قبل وقوع الجريمة يمثل جزءاً من المشكلة، موضحة أنه بعد الجريمة يبدأ البحث في الحالة النفسية للجاني وظروف حياة الضحية، وكأن ظروف حياة المرأة تصبح مهمة فقط بعد وفاتها، بينما لا يتم البحث في تفاصيل معاناتها وهي على قيد الحياة، ولا تتوفر دائماً أماكن تستطيع اللجوء إليها للحماية من العنف المتكرر.
وأكدت أن العنف لا يقتصر على العنف الجسدي، بل يشمل العنف الاقتصادي والاجتماعي والنفسي، وصولاً إلى العنف الجنسي والابتزاز، وقد تتحول هذه الأنماط من العنف إلى نتائج أكثر خطورة، في مقدمتها القتل.
وحول آليات رصد حالات العنف والتدخل المبكر، قالت النتشة إنه رغم التدريبات التي خضعت لها الشرطة وشرطة الأسرة في مجال الاستجابة لحالات العنف وتقييم مستوى الخطورة، لا تزال هناك مشكلة كبيرة لدى المتلقي الأول للبلاغات المتعلقة بالعنف، تتمثل في ضعف تقدير حجم الخطر، نتيجة تأثير الثقافة المجتمعية.
وأوضحت أن بعض متلقي الشكاوى قد ينظرون إلى الحالة باعتبارها مشكلة بسيطة يمكن حلها داخل الأسرة، فتُقدم للمرأة نصائح من قبيل العودة إلى أهلها أو ترك الأسرة لحل المشكلة، بدلاً من اتخاذ الإجراءات الاجتماعية والقانونية اللازمة لمنع تطور العنف. وأكدت أن هذا النوع من الاستجابة قد يسمح بتفاقم العنف بدلاً من وقفه.
وأشارت النتشة إلى مشكلة أخرى تتعلق بعدم كفاية مراكز الحماية، موضحة أنه حتى إذا تقدمت المرأة بشكوى وشعرت بأن هناك خطراً يهدد حياتها، فإن منظومة الحماية لا تزال بحاجة إلى موارد اقتصادية واجتماعية ومراكز أكثر قدرة على توفير حياة كريمة وحاضنة آمنة للمرأة، خاصة عندما تكون أماً ولديها عدد من الأطفال.
ولفتت إلى أن ضعف الموارد لا يجب أن يعني غياب البدائل، مقترحة تعزيز اللجان المجتمعية للحماية، بحيث لا تقتصر على الرجال، بل تضم نساء قادرات على فهم خصوصية قضايا النساء والتعامل معها. وقالت إن هذه اللجان يمكن أن تبحث في قضايا العنف والأسرة بطريقة أقرب للمجتمع وأقل تعقيداً من المنظومة المؤسساتية الرسمية.
وبحسب النتشة، فإن منظومة حماية النساء والأسرة تعاني من عدة نقاط ضعف، تشمل ضعف القانون، وضعف الاستجابة عند تلقي البلاغات، ونقص مراكز الحماية، إضافة إلى ضعف البنى المجتمعية واللجان المحلية التي يمكن أن تسهم في سد فجوة الموارد. وأكدت أن النظرة التقليدية والثقافة المجتمعية لا تزالان في أحيان كثيرة تطغيان على المعايير المهنية والقانونية في التعامل مع حالات العنف.
وحول ما يجب تغييره لمنع تكرار جرائم قتل النساء، أشارت النتشة إلى أن الحديث عن عشر جرائم قتل للنساء والفتيات منذ بداية العام لا يعني بالضرورة أن هذا هو الحجم الكامل للمشكلة، قائلة إن هناك نساء ربما فقدن حياتهن بصمت، ونساء أخريات يتعرضن للعنف بشكل متكرر ويصلن إلى حافة الموت ثم يعدن إلى حياتهن اليومية.
وأضافت أن هناك أشكالاً من العنف لا تترك بالضرورة آثاراً جسدية مباشرة، لكنها تقتل المرأة نفسياً وقد تنعكس لاحقاً على حياتها وصحتها، ومن بينها العنف الاقتصادي والابتزاز الاجتماعي والجنسي. وأكدت أن الأرقام المعلنة تمثل الحالات التي عُرفت ووصلت إلى المجتمع، بينما توجد عشرات الحالات الصامتة التي تحتاج إلى منظومة استجابة قادرة على سماع أصوات النساء والوصول إليهن.
وشددت على ضرورة أن تكون آليات الحماية سهلة وسلسة وآمنة، وأن تتوفر ثقافة مجتمعية حاضنة تشجع النساء على التوجه إلى جهات الحماية، إلى جانب تفعيل وتطوير نظم الحماية القائمة، سواء على المستوى القانوني أو المؤسساتي.
وحول مدى وصول النساء الفلسطينيات إلى خدمات الحماية، قالت النتشة إن هناك مؤسسات وخدمات موجودة بالفعل، لكنها ليست كافية، مشيرة إلى وجود خطوط ساخنة يمكن للنساء الوصول إليها، وأن معظم الخدمات مجانية، كما يمكن للنساء المعرضات للعنف الحصول على خدمات وفحوصات طبية مجاناً أو برسوم مخفضة في كثير من الحالات.
لكنها أكدت أن المشكلة تكمن في نقص الثقافة المجتمعية الداعمة، والحاجة إلى توزيع جغرافي أوسع لمراكز الحماية، إضافة إلى ضرورة زيادة تدريب طواقم الاستجابة الأولى في الشرطة على قضايا العنف الأسري، حتى تشعر المرأة بالأمان عند اللجوء إلى منظومة الحماية.
وأوضحت أن ضعف توجه النساء إلى مؤسسات الحماية يرتبط أيضاً بضعف الثقة بقدرة المنظومة القضائية والقانونية والمؤسساتية على استقبال الشكاوى بالشكل المطلوب وتوفير الحماية الفعلية، خاصة عندما تشعر المرأة بأن شكواها قد لا تُعامل كحالة خطرة، أو أن تقييم خطورتها سيخضع لتقدير المتلقي الأول للشكوى.
وأضافت أن بعض الحالات التي تبدو بسيطة في بدايتها قد تكون وراءها قصص أكبر بكثير، وقد تكون الشكوى التي تقدمها المرأة نتيجة تراكم طويل من العنف والخوف والتهديد.
كما طرحت النتشة دور المؤسسات التعليمية في الوقاية من العنف، موضحة أن المدرسة والمرشد الاجتماعي يستطيعان ملاحظة بعض السلوكيات التي قد تشير إلى وجود عنف داخل الأسرة، حتى إذا لم يكن الطفل نفسه ضحية مباشرة للعنف.
وأكدت أهمية مسؤولية الطواقم الإرشادية في المدارس في التعامل مع هذه المؤشرات، وتفعيل آليات التعاون بين المدارس والطواقم الشرطية والقانونية والاجتماعية، معتبرة أن وجود مثل هذه الآليات يمكن أن يساعد في اكتشاف العنف في مراحله المبكرة، وربما يمنع وصول بعض الحالات إلى مرحلة القتل أو استمرار العنف ضد النساء داخل الأسرة.
وتشير هذه المعطيات إلى أن الوقاية من قتل النساء لا تبدأ بعد وقوع الجريمة، بل قبلها بكثير؛ من لحظة تلقي أول شكوى أو ظهور أول مؤشر على العنف، مروراً بتقييم مستوى الخطورة، وتوفير مكان آمن للمرأة وأطفالها، وضمان الاستجابة القانونية والاجتماعية، وصولاً إلى بناء بيئة مجتمعية قادرة على حماية النساء.
وبذلك، فإن السؤال لا يتعلق فقط بعدد الجرائم التي وقعت، بل بقدرة منظومة الحماية على التقاط إشارات الخطر قبل أن تتحول إلى جريمة، وعلى منح المرأة التي تطلب المساعدة حماية حقيقية، لا أن تجد نفسها أمام منظومة تزيد من تعرضها للخطر.