وسط 96FM شمال 96.2FM جنوب 92.2FM
استمع الآن راديو نساء
أزمة الشيكل تكشف هشاشة الاقتصاد الفلسطيني: والخبير دباح لـ "نساء إف إم" يدعو إلى فكّ الارتباط بالاقتصاد الاستهلاكي وبناء اقتصاد منتج

 

رام الله-نساء FM- اية عبد الرحمن-تتزايد الضغوط على الاقتصاد الفلسطيني في ظل أزمة تكدس الشيكل، والتهديدات التي تواجه العلاقات المصرفية مع البنوك الإسرائيلية، وما قد يترتب على ذلك من تداعيات على حركة التجارة وتوفير السلع والخدمات واستقرار القطاع المصرفي، وسط تحذيرات من إمكانية تحول الأزمة إلى أزمة اقتصادية وإنسانية واسعة.

وقال الخبير المالي والمصرفي الدكتور بشارة دباح، في حديث لـ"نساء إف إم"، إن الوضع حتى الآن لا يزال في إطار التحذير والاحتياط، مشيراً إلى أن وزير المالية كان قد حذر من أن قطع العلاقات مع البنوك الإسرائيلية وتوقف استقبال الشيكل قد يؤدي إلى أزمة إنسانية تمس قطاعات أساسية مثل المياه والكهرباء.

وأوضح دباح أن أزمة الشيكل بدأت بالتفاقم منذ عام 2019، وكان من الأفضل إيجاد حلول لها منذ ذلك الوقت، لافتاً إلى أن القضية معقدة ومركبة وتتداخل فيها عدة أطراف. وأضاف أن المشكلة لا تتعلق فقط بموافقة الحكومة الإسرائيلية، إذ قد لا تكون البنوك الإسرائيلية راغبة في استمرار فتح حسابات للبنوك الفلسطينية.

وبيّن أن البنوك الفلسطينية لا تملك في إسرائيل علاقات مراسلة بالمعنى التقليدي، وإنما لديها حسابات لدى البنوك الإسرائيلية، مشيراً إلى أن أي توقف في هذه العلاقة قد يؤثر على قدرة البنوك الفلسطينية على تنفيذ بعض العمليات المالية.

وأكد دباح أن التحول إلى الدفع الإلكتروني يمكن أن يساعد في تخفيف جزء من آثار الأزمة، لكنه لا يشكل حلاً كاملاً، داعياً في الوقت ذاته إلى إيجاد آلية للتعامل مع فائض الشيكل المتراكم في السوق الفلسطينية، خصوصاً أن اتفاقية باريس الاقتصادية تسمح باستخدام الدولار والدينار والشيكل.

وأشار إلى أن المطلوب إيجاد جهة تستقبل الشيكل المتراكم بالقيمة السوقية، مقابل توفير أرصدة أو عملات بديلة للمصارف الفلسطينية، بما يخفف من مشكلة تكدس النقد.

وحذر دباح من أن الأزمة المالية والمصرفية يمكن أن تنعكس على مختلف جوانب الحياة، بما في ذلك الرواتب والسيولة والقروض وقدرة المواطنين على سداد التزاماتهم. وقال إن هناك نحو 3.8 مليار دولار من القروض المقدمة للسلطة الوطنية، إضافة إلى مشكلة حصول المواطنين على كامل رواتبهم أو قدرتهم على تسديد أقساط المنازل والقروض.

وأكد في المقابل أن الأزمة لا تزال تحت السيطرة، وأن البنوك قادرة حتى الآن على الوفاء بالتزاماتها تجاه أصحاب الحسابات، وإن كانت قد لا تتمكن في بعض الحالات من تمكين العملاء من كامل أرصدتهم، داعياً إلى عدم إثارة حالة من الخوف والهلع بين المواطنين.

وأعرب دباح عن أمله في التوصل إلى حل عبر الأردن أو الولايات المتحدة، سواء من خلال توفير آلية للتعامل مع الشيكل أو الانتقال تدريجياً إلى عملة أخرى.

وحول موافقة إسرائيل على ترحيل نحو 4.5 مليار شيكل من فائض النقد لدى المصارف الفلسطينية، قال دباح إن هذه الخطوة لا تعالج الأزمة من جذورها، وإنما قدمت فترة تنفس مؤقتة، موضحاً أن هذه الكمية كان من المفترض أن يتم ترحيلها في شهر تشرين الأول، لكن جرى تقديمها إلى شهر آب.

وأشار إلى أن الاتفاق يسمح للبنوك الإسرائيلية باستقبال نحو 18 مليار شيكل سنوياً من البنوك الفلسطينية، فيما لا يزال هناك فائض كبير من الشيكل بعد ترحيل المبلغ الأخير، مؤكداً أن حجم الأموال المتراكمة يشكل عبئاً كبيراً على الاقتصاد الفلسطيني.

وشدد دباح على أن الحل الحقيقي يتطلب اتفاقاً مستقراً لا يمكن التراجع عنه من جانب البنوك الإسرائيلية، أو إيجاد بديل للشيكل، موضحاً أن معظم الدول تستفيد من احتفاظ الآخرين بعملتها، لأن الأموال المتداولة والإيداعات تمثل عملياً تمويلاً دون فوائد للدولة التي تصدر العملة.

وبيّن أن الفلسطينيين يتداولون سنوياً ما بين 45 و50 مليار شيكل، معتبراً أن هذه الأموال تشكل عملياً قرضاً دون فوائد لإسرائيل، مشيراً إلى أن استبدال هذه الكتلة النقدية بعملة أخرى سيعني توفير بديل مالي ضخم، وهو أمر يحتاج إلى ترتيبات اقتصادية ومصرفية واضحة.

وفي حديثه عن جذور الأزمة، أكد دباح أن التطورات الحالية تكشف هشاشة في هيكل الاقتصاد الفلسطيني والحاجة إلى إعادة التفكير في النموذج الاقتصادي بالكامل، مشيراً إلى أن نحو 70% من التسهيلات المصرفية تذهب إلى أغراض استهلاكية، بينما لا تتجاوز حصة قطاعات الصناعة والزراعة والسياحة والتعليم والمواصلات 10%.

وقال إن بناء اقتصاد فلسطيني قوي لا يمكن أن يقوم على الاستهلاك، داعياً إلى الانتقال نحو التنمية والإنتاج والاستثمار في الإنسان والمعرفة، وإعادة النظر في دور الجامعات والمؤسسات الاقتصادية ومراكز الدراسات.

وأشار إلى أن الجامعات الفلسطينية تواجه صعوبات، رغم وجود عدد كبير منها يقدم تخصصات في الاقتصاد والمالية، داعياً إلى الاستفادة من هذه الطاقات لإعادة صياغة الوضع الاقتصادي الفلسطيني من جديد.

كما دعا إلى تقليل الاعتماد على العمالة الفلسطينية داخل إسرائيل، مشيراً إلى وجود نحو 200 ألف عامل يعملون داخل الخط الأخضر، ومتسائلاً عن سبب عدم توفير فرص إنتاج محلية تمكن هؤلاء العمال من العمل داخل الاقتصاد الفلسطيني.

وأكد أن تطوير الصناعة والتعليم والإنتاج المحلي يحتاج إلى سياسات مصرفية واقتصادية ومالية مختلفة، معتبراً أن تركيبة الاقتصاد والقطاع المصرفي والسياسات المالية الحالية لم تساعد بما يكفي على بناء اقتصاد منتج.

وحول القرار الاقتصادي الأكثر إلحاحاً، دعا دباح إلى التركيز على الاحتياجات الأساسية للمواطن، مستنداً إلى مفهوم هرم ماسلو، والابتعاد عن الإنفاق الذي لا يساهم في بناء الاقتصاد، مثل التوسع في استيراد السيارات أو تمويل بناء العمارات التي لا تضيف قيمة إنتاجية كافية.

وقال إن تمويل المواطنين لشراء المنازل على مدى 25 عاماً وبأقساط قد تصل إلى نصف الراتب يضغط على الأسر ويؤثر في الاقتصاد، داعياً بدلاً من ذلك إلى دعم الصناعات الصغيرة والحرفية والوطنية وتقليل الاعتماد على الاستيراد.

وأكد أن الصناعات الفلسطينية قد لا تكون في بداياتها بمستوى جودة المنتجات الأجنبية، لكن دعمها ومنحها فرصة للنمو سيسهمان في بناء اقتصاد أكثر استقلالاً وقدرة على مواجهة الأزمات.

وختم دباح بالتأكيد على أن البدء بالإصلاح الاقتصادي، حتى لو جاء متأخراً، أفضل من عدم البدء، معرباً عن أمله في أن يتمكن الاقتصاد الفلسطيني من تجاوز الأزمة الحالية والعودة إلى مسار النمو والتنمية.

الاستماع الى اللقاء :