امرأة خلف الكاميرا
القدس-نساء FM- نغم عايش- هناك أشياء لا ينتبه الإنسان إلى أنها جزء منه... إلا عندما يوشك ان يتركها خلفه.
وجه طفل.
رائحة بيت.
وبابٌ اعتاد أن يعبره كل يوم دون أن يتوقف ليتأمله.
لم يكن في ذلك الصباح ما يوحي بأنه سيُقسم حياة هذه العائلة إلى ما قبله وما بعده
داخل المنزل، كان اليوم يمضي بإيقاعه المعتاد. طفلان يملآن المكان بحركة لا تهدأ، وأم تحاول أن توفق كعادتها بين تفاصيل البيت، ودراسة تنتظرها، وعمل لا يعرف مواعيد ثابتة. كانت الحياة تسير كما لو أن هذا الصباح لن يختلف عن غيره.
ثم انتهى كل ما كان عادياً..
في لحظات، انكمش البيت الذي كان يتسع للعائلة الى مساحة ضيقة يتقاسمها الخوف والانتظار. هرب الطفلان إلى غرفة أخرى، بعيداً من المكان الذي امتلأ فجأة بالوجوه الغربة والزي العسكري. لم يكونا يدركان معنى الاعتقال، لكنهما أدركا أن أمهما لم تعد قادرة على الوصول اليهما كما في كل مرة شعرا فيها بالخوف.
في تلك اللحظة، لم تكن المرأة الواقفة بين الجنود تفكر في التحقيق، ولا في التهم التي قد توجه إليها، ولا في المكان الذي ستقتاد إليه. كانت تفكر في شيء واحد فقط.
أن تودع طفليها.
لم تكن تعرف إلى أين ستذهب، ولا كم سيطول غيابها، ولا إن كانت ستعود أصلاً. كان المجهول أكبر من أن تمنحه اسماً. لكن فكرة واحدة كانت واضحة بما يكفي لتطغى على كل ما عداها: طفلان قد يستيقظان في اليوم التالي ولا يجدان أمهما.
حاولت أن تبدو أكثر هدوءاً مما تشعر به. ليس لأن الخوف غاب، بل لأنها كانت تعرف أن أي ارتباك منها سيكبر في عيني طفليها الخائفان، اللذين كانا يراقبانها من شق الباب.
لم تكن تعرف آنذاك أن تلك اللحظة سترافقها طويلاً.
وحين تحدثت عنها، لم تبدأ بالتحقيق، ولا بالزنزانة، ولا بالتهم التي وجهت إليها. عادت إلى اللحظة التي تركت فيها طفليها خلفها، وقالت: "أول إشي خطر ببالي كان أولادي... كنت بدي أودعهم لأنه ما كنت بعرف لوين رايحة، ولا متى رح أرجع، ولا إذا أصلاً رح أرجع".
تلك الكلمات ليست محاولة لاستدرار التعاطف، بل كانت الطريقة التي رات بها لمى غوشة ما حدث في ذلك الصباح. فقبل ان تكون صحفية، كانت أماً لطفلين، كرمل وقيس، يحاولان فهم سبب غياب والدتهم المفاجئ، بينما كانت تحاول ان تتمسك بما تبقى من يقين وسط مستقبل لا تعرف ملامحه.
أغلق باب المنزل خلفها، لتبدأ رحلة لم تكن تعرف أين تنتهي. من القدس إلى مركز التحقيق، ثم إلى زنازين المسكوبية، كانت المسافة تقاس هذه المرة بما يُنتزع منها، لا بعدد الكيلومترات. لم تكن تعرف ما الذي ينتظرها خلف كل باب يُفتح، ولا لماذا بدت كل الأسئلة وكأنها تبحث عن شيء يتجاوز ما كُتب على شاشة هاتف، أو نشر على صفحة فيسبوك. كان المجهول، للمرة الأولى أكبر من قدرتها على تخيله.
في الزنزانة، لم يكن هناك ما يكسر الصمت سوى وقع الأقدام في الممر.
كانت الأيام تُقاس بطريقة مختلفة، لا بالشمس التي لا تراها، ولا بالساعة التي حُرمت منها، بل بعدد المرات التي يُفتح فيها الباب لتبدأ جولة جديدة من الأسئلة.
عشرة أيام في العزل الانفرادي كانت كافية لأن يصبح الصمت جزءاً من التحقيق نفسه.
لم يسألها المحققون عما رأته في الميدان، ولا عن التقارير التي أنجزتها. كانت الطاولة تمتلئ بنسخ مطبوعة من أحد عشر منشوراً على صفحتها في فيسبوك. كلمة بعد أخرى، وصورة بعد أخرى، كانت تتحول إلى مادة للاستجواب، قبل أن تُوجه إليها تهم "التحريض" و"التماهي مع منظمة إرهابية". بالنسبة إلى لمى، لم يكن من الصعب أن ترى الرابط بين تلك الأسئلة وبين عملها الصحفي.
لكن ما بقي عالقاً في ذاكرتها لم يكن ما قيل في غرفة التحقيق، ولا الاتهامات التي وُضعت أمامها.
كان ذلك اليوم الذي وجدت فيه نفسها أمام حاجة إنسانية لا يمكن تأجيلها، داخل مكان لم يعترف أصلًا بحق الإنسان في أبسط احتياجاته، ولا منحها الحد الأدنى من المساحة التي تحتاجها كامرأة.
يوماً اكتشفت فيه أن الاعتقال لا يكتفي بتقييد حرية الإنسان، بل قد يمتد إلى أكثر مساحاته هشاشة؛ إلى جسده، وإلى تفاصيل إنسانية يفترض أن تُصان عن الإذلال والنظر.
لا تعود لمى إلى تلك اللحظة كثيراً. وحين تذكرها، لا تتوقف عند تفاصيلها بقدر ما تتوقف عند الإحساس الذي تركته فيها؛ شعور بأن الإهانة يمكن أن تصل إلى الإنسان في أكثر لحظاته ضعفاً، وأن نظرة واحدة قد تكون جارحة بقدر أي عقوبة.
لم يكن ذلك جزءاً من الحكم.
لكنه كان جزءاً من العقاب.
وهناك للمرة الأولى، بدا واضحًا أن ما تعيشه لم يكن تجربة اعتقال فحسب. كان هناك عبء آخر لا يظهر في أوراق المحكمة، ولا في لوائح الاتهام؛ عبء يلاحق المرأة حتى في أكثر لحظاتها هشاشة.
لم تكن تلك اللحظة اخر ما ستختبره.
كانت البداية فقط.
فالاعتقال، لا ينتهي عندما يُفتح باب الزنزانة، ولا تقاس الحرية دائماُ بعدد الأبواب التي تُغلق أو تُفتح. أحياناً... يعود الإنسان إلى بيته.
ويبقى أسيراً.
حين خرجت من الزنزانة، لم يكن أول ما افتقدته الحرية.
كانت العدسة.
العدسة التي اعتادت أن ترى بها العالم، أصبحت ممنوعة من أن ترى العالم أصلاً.
حين خرجت، كانت تعرف أن جزءاً من حياتها سيبقى معلقاً خلف تلك الأبواب.
وتستعيد تلك المرحلة بقولها:
"طلعنا من السجن، لكن دخلنا سجنًا ثاني. الحبس المنزلي كان صعب جدًا، ومنعوني من استخدام الهاتف الذكي، ومن مواقع التواصل، وحتى من إجراء مقابلات صحفية. بالنسبة إلي، حسّيت كأنهم رجعوني للعصر الحجري."
لم تكن تتحدث عن جهازٍ مُنع عنها، بقدر ما كانت تتحدث عن انقطاعها عن العالم. فالصحفية التي اعتادت أن تلاحق الأخبار، أصبحت تتابعها من خلف باب منزلها، فيما كانت القيود تمتد إلى مهنتها، وإلى حياتها اليومية، وإلى أبسط وسائل تواصلها مع الناس.
وفي بيتٍ ضاقت فيه الحركة، كانت تبحث عن مساحة لا تصلها القيود. لم يكن الصمت وحده حاذراً في المنزل؛ كانت هناك لوحات أيضاً. كلما ضاقت الجدران أكثر، اتسعت المساحة فوق القماش.
تقول لمى إن الحبس المنزلي كان من أقسى التجارب التي مرت بها، وإن من فرضه كان يدرك تماماً أثره النفسي. لكنها كانت تحاول، كل يوم، أن تجد طريقة تقاوم بها ذلك الفراغ القاسي
"كان لازم أقاوم. كنت أشغل حالي بالقراءة والرسم، حتى ما أصير أسيرة لها الحالة."
لم تكن ترسم مناظر طبيعية، ولا وجوهاً عابرة. كانت تعيد، بضربات الفرشاة، رسم مراحل مرت بها؛ لحظات من الاعتقال، وأخرى من العزل، وأحاسيس لم تجد لها مكاناً في محاضر التحقيق ولا في جلسات المحكمة.
"كل لوحة رسمتها إلها موقف معين، أو حالة شعورية مريت فيها، وحاولت أعبّر عنها بالألوان والريشة والأقلام."
لم تكن اللوحات محاولة لنسيان ما حدث، بل كانت طريقة أخرى لتذكره. كانت تنتظر حتى ينام طفلاها، كرمل وقيس، لتجلس أمام اللوحة. أحياناً كانت تمضي ساعتين، وأحياناً تمتد الساعات إلى ست، ترسم بصمت، كأنها تستعيد ما عجزت الكلمات عن قوله.
وبعد انتهاء تلك المرحلة، خرجت هذه التجربة من جدران المنزل إلى الناس، حين جمعت واحدًا وثلاثين عملاً فنياً في معرض حمل عنوان "أم تحت الإقامة الجبرية"؛ معرض لم يكن عن الرسم وحده، بقدر ما كان محاولة لرواية تجربة لم تستطع الكاميرا أن توثقها.
كانت اللوحات تمنحها، لساعات قليلة، مساحة تتنفس فيها. لكن خارج جدران البيت، كانت المحكمة تواصل كتابة نهاية أخرى للقصة.
وحين انتهت الجلسات، اكتشفت لمى أن العقوبة لا تنتهي دائماً عند باب الزنزانة.
أحياناً…
تبدأ بعد الخروج منها.
لم يكن الحكم بالسجن.
ولم يكن إعلاناً بالحرية.
كانت قاعة المحكمة هادئة على نحوٍ يثير القلق. لم يكن أحد يتحدث كثيراً. كانت الوجوه تراقب القاضي، فيما راحت الكلمات العبرية تتساقط من فمه ببرود، تُترجم تباعاً إلى العربية، وكأنها لا تتحدث عن حياة إنسانة، بل عن ملف آخر ينتظر دوره في نهاية رفٍ طويل.
كان الجميع ينتظر جملة واحدة:
هل ستعود إلى السجن؟
لم يحدث ذلك.
لكن ما سمعته لم يكن حرية أيضاً.
توقفت لمى عند العبارة التي أعلن فيها القاضي إلزامها بما سُمّي "خدمة لصالح الجمهور". للوهلة الأولى، بدت الكلمات أخف من السجن، لكن معناها الحقيقي وصل إليها بعد ثوانٍ فقط؛ ستُجبر على قضاء أشهر من العمل داخل مؤسسة إسرائيلية.
في تلك اللحظة، لم تشعر لمى أن المحكمة اكتفت بمعاقبتها. شعرت أن الحكم يحمل شيئاً يتجاوز الساعات المفروضة عليها، ويحاول أن يعيد تشكيل علاقتها بالمكان الذي تنتمي إليه.
أن تقول لها: حتى وقتك... لن يكون لكِ.
وحين تتحدث عن تلك اللحظة، لا تتوقف عند عدد الأشهر، بل عند ما كانت تمثله بالنسبة إليها.
"أنا كنت رافضة الفكرة من أساسها. إذا كان لا بد من تنفيذ الخدمة، كنت بطلب تكون داخل مؤسسة عربية مقدسية، أخدم فيها الناس اللي بنتمي إلهم. أما إنه ينفرض عليّ أشتغل داخل مؤسسة إسرائيلية، فهاي ما شفتها خدمة للمجتمع... شفتها جزءاً من العقوبة نفسها."
لم يكن اعتراضها على العمل.
كانت تعترض على المعنى الذي يحمله.
فالأم التي خرجت لتوّها من أشهر طويلة من الاعتقال والحبس المنزلي، كانت تحاول أن تستعيد ما خسرته مع طفليها، بينما جاء الحكم ليسلبها جزءاً آخر من الوقت الذي كانت تريد أن تعيده إليهما.
ولأنها رفضت تنفيذ الخدمة في المكان الذي حددته سلطات الاحتلال، دخلت معركة قانونية جديدة. وحين طُرح عليها تنفيذها في مدينة رهط، البعيدة عن القدس، بدا الأمر بالنسبة إليها امتداداً للعقوبة لا بديلاً عنها.
وقالت عن ذلك:
"رفضت المكان لأنه بعيد عن بيتي وعن أولادي. كنت بفكر: بعد كل هاد، كيف ممكن أتركهم ساعات طويلة كل يوم؟ كنت بحاول أرجع حياتي شوي شوي، لكن حسّيت إنهم كل مرة بيلاقوا طريقة ياخدوا جزء جديد منها."
خرجت من القاعة يومها وسط عدسات الصحفيين التي اعتادت أن تقف خلفها، لا أمامها.
لم تنتظر طويلًا قبل أن تتحدث. كانت لا تزال تحمل وقع الكلمات التي سمعتها قبل دقائق، لكنها قالت بهدوءٍ يخفي غضباً واضحاً:
"هذا ليس إنهاءً لمعاناتي، بل حكم جائر... الاحتلال يريد أن يجبر كرامتي، وكرامتي كصحفية، على العمل داخل مؤسساته بلا أجر، كأداة للإذلال."
لم يكن ذلك التصريح رداً على حكم قضائي فحسب.
كان إعلاناً بأن المعركة، بالنسبة إليها، لم تكن بين صحفية ومحكمة فقط. كانت معركة امرأة حاول الاحتلال أن يعاقب فيها الجسد، والمهنة، والأمومة... في الوقت نفسه.
لم تكن وحدها..
لم تكن لمى بحاجة إلى الاعتقال لتعرف أن الصحفيات الفلسطينيات يدفعن ثمناً مضاعفاً. بحكم عملها، كانت قد وثّقت قصصاً كثيرة لصحفيات تعرّضن للاعتقال، والمنع، والتهديد، والتشهير. وكانت تعرف أن المرأة التي تحمل الكاميرا في فلسطين لا تواجه الاحتلال وحده، بل تواجه أيضاً أسئلة المجتمع، وقلق العائلة، والعبء الدائم لإثبات أنها تستحق مكانها في الميدان.
لكن ثمة فرقاً بين أن تروي الحكاية...
وأن تصبح أنت الحكاية.
بعد الاعتقال، لم تعد تسمع تلك الشهادات بوصفها صحفية تجمع روايات الآخرين. أصبحت تقرؤها بعين امرأة عاشت التفاصيل نفسها، وشعرت بثقلها على جسدها، وعلى بيتها، وعلى طفليها.
وحين كانت تستعيد ما مرت به، لم تكن ترى نفسها استثناءً، بل واحدة من صحفيات كثيرات حملن الكاميرا، ثم وجدن أنفسهن يحملن، معها، أعباءً أخرى لا علاقة لها بالمهنة وحدها.
ففي فلسطين، لا يُستهدف الصوت الصحفي فقط.
أحياناً، يُستهدف لأنه صوت امرأة.
توقفت لمى عن النظر إلى أخبار اعتقال الصحفيات بالطريقة نفسها.
لم يعد الخبر بالنسبة إليها يبدأ عند عنوانٍ ينتهي باسم صحفية، بل عند ما يختبئ خلف ذلك العنوان؛ بيتٌ استيقظ على طرقاتٍ عنيفة، وأطفالٌ لا يفهمون لماذا غابت أمهم، وعائلةٌ تقضي أيامها بين المحاكم والانتظار، وزميلاتٌ يعرفن أن الدور قد يصل إليهن في أي لحظة.
كانت تعرف هذه التفاصيل قبل اعتقالها لأنها سمعتها من أخريات.
أما بعد الاعتقال...
فقد أصبحت تعرفها لأنها عاشتها.
ولم تكن لمى وحدها التي عرفت هذا الطريق.
خلف كل قصة اعتقال لصحفية فلسطينية، كانت هناك حياة توقفت للحظة؛ كاميرا بقيت صامتة، وعائلة انتظرت خبراً، وامرأة وجدت نفسها مضطرة للدفاع عن وجودها في المكان الذي اختارته لنقل الحقيقة.
فمنذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، لم يعد استهداف الصحفيين الفلسطينيين مجرد حالات متفرقة يمكن تجاوزها. بل تحول الى نمط متكرر وثقته المؤسسات المحلية والدولية. وبينا كانت لمى تخوض معركتها مع الاعتقال والحبس المنزلي، كانت أسماء أخرى تضاف يوماً بعد آخر، الى قوائم الشهداء والمعتقلين والمصابين.
ووفق توثيقات لجنة حماية الصحفيين (CPJ) ونقابة الصحفيين الفلسطينيين، فقد قُتل منذ بداية الحرب حتى منتصف عام 2026 أكثر من 262 صحفياً وعاملاً في قطاع الإعلام الفلسطيني، بينهم 34 صحفية، في واحدة من أكثر الفترات دموية بحق الصحفيين في العالم. كما وثقت النقابة نحو 188 حالة اعتقال لصحفيين فلسطينيين بينهم صحفيات، الى جانب مئات التي شملت المنع من التغطية، والاعتداءات الجسدية، والتهديدات، والتحريض، ومصادرة المعدات.
ولم تتوقف الانتهاكات عند لحظة الاعتقال أو المنع من العمل. فقد وثقت لجنة حماية الصحفيين (CPJ)، ومفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الانسان (OHCHR)، شهادات لصحفيون وصحفيات خرجوا من أماكن الاحتجاز عن ظروف قاسية شملت العزل الانفرادي، والضرب، والحرمان من النوم، والإهمال الطبي، والحرمان من الاحتياجات الأساسية، أما الصحفيات فقد أظهرت الشهادات ان التجربة حملت أعبئاً إضافية ارتبطت بكونهن نساء، من تفتيش مهين، والحرمان من الاحتياجات الصحية، إلى أشكال مختلفة من الاذلال المرتبط بالخصوصية الجسدية. داخل منظومة احتجاز لا تترك لهن مساحة للكرامة الإنسانية.
لكن الأرقام، مهما بدت كبيرة، لا تختصر الحكاية كاملة.
فخلف كل رقم اسم، وخلف كل اسم بيت ينتظر، وعائلة تحاول أن تفهم لماذا غاب أحد أفرادها. وبالنسبة للصحفيات الفلسطينيات، لم يكن الخطر مرتبطاً بما ينقلنه فقط، بل أيضاً بالمساحة التي اخترن الوقوف فيها؛ مساحة تحمل فيها المرأة كاميرا في ميدان اعتاد كثيرون أن يروا فيه الرجال.
لم تكن لمى ترى نفسها استثناءً، بل واحدة من صحفيات كثيرات حملن الكاميرا، ثم وجدن أنفسهن يحملن معها أعباءً أخرى لا علاقة لها بالمهنة وحدها.
ففي كل مرة رفعت فيها صحفية فلسطينية كاميرتها لتوثيق ما يحدث، كانت تدافع عن أكثر من صورة أو خبر؛ كانت تدافع عن حقها في أن تكون هناك، في المكان الذي اختارته، وبالصوت الذي حاول كثيرون إسكاتَه.
هذا التقرير من إنتاج الصحفية نغم عايش ، ضمن مشروع "نساء نحو إعلام ذكي"،الذي تنفذه إذاعة نساء إف إم وحاضنة نساء الاعلامية بالتعاون مع مؤسسة فريدريش ناومان من أجل الحرية