التمثلات النسوية الفلسطينية عبر الفضاء الرقمي
رام الله - نساء fm اية عبد الرحمن في الفضاء الرقمي الفلسطيني، ما عادت قضايا النساء محصورة في المؤسسات أو المنابر التقليدية، بل أصبحت منصات التواصل الاجتماعي مساحة للتعبير والدفاع عن الحقوق وصناعة النقاش العام، وفي الوقت نفسه ساحة تعكس التحديات التي تواجهها النساء الفلسطينيات في الواقع.
وفي هذا السياق، تناولت دراسة أعدتها الباحثة أ. ناهد أبو طعيمة التمثلات النسوية الفلسطينية عبر الفضاء الرقمي، محاولةً رصد الطريقة التي تظهر فيها الحركة النسوية الفلسطينية وسياساتها ومضامينها عبر شبكات التواصل الاجتماعي، واتخذت الدراسة من موقع فيسبوك نموذجاً لدراسة هذه التمثلات.
وأوضحت أبو طعيمة خلال حديثها لنساء اف ام أن الدراسة انطلقت من فكرة أن الشبكات الرقمية أصبحت مفتوحة أمام الأفراد والأحزاب والمجتمعات والمؤسسات المختلفة، وأنها خلقت منصات إعلامية متعددة ومتفاوتة، لذلك حاولت الدراسة التعرف إلى أهم تمثلات الحركة الفلسطينية النسوية وسياساتها على هذه الشبكات، وكيف تستخدم الحركة هذه المساحة في ظل التحديات الداخلية المرتبطة بالحكومة والأحزاب والواقع المجتمعي، والتحديات الخارجية وفي مقدمتها الاحتلال الإسرائيلي.
كما بحثت الدراسة طبيعة المضامين والموضوعات التي تنشرها مؤسسات الحركة النسوية الفلسطينية على فيسبوك، وما إذا كانت هذه المضامين موحدة، إلى جانب رصد تفاعل الجمهور والمتابعين مع هذه الصفحات، وكيف أسهم الحضور الرقمي في تشكيل علاقات من التأييد والمناصرة والتحالف، وكذلك ظهور الخصوم والمعارضين.
وتشير أبو طعيمة إلى أن أهمية الدراسة تكمن أيضاً في تناولها للهويات النسوية في البيئات الافتراضية، ومحاولة فهم ما إذا كانت هذه الهويات مختلفة عن الهويات التي تظهر في الواقع، باعتبار الحركة النسوية الفلسطينية حركة اجتماعية ونضالية في الوقت نفسه.
وبحسب الدراسة، فإن مواقع التواصل الاجتماعي لم تؤد دوراً واحداً في تقديم صورة المرأة الفلسطينية، فهي في بعض الحالات ساهمت في كسر صور نمطية وإبراز أصوات نسوية مختلفة، لكنها في حالات أخرى أعادت إنتاج بعض الصور النمطية بصورة جديدة.
واعتمدت الدراسة على تحليل أربع صفحات على فيسبوك، هي مركز شؤون المرأة في قطاع غزة، ومنتدى مناهضة العنف الذي تنضوي تحته نحو 17 مؤسسة نسوية، وصفحة الحراك الجماهيري لمناهضة سيداو، إضافة إلى صفحة كيان، وهي مؤسسة نسوية في الداخل الفلسطيني في مناطق 48.
وتوضح أبو طعيمة أن مركز شؤون المرأة ومنتدى مناهضة العنف ركزا بصورة أساسية على الوظائف التوعوية والتكميلية وتعديل الوعي لدى النساء بحقوقهن، من خلال طرح القضايا النسوية والتعريف بالحقوق والقضايا التي تهم النساء في فلسطين.
أما صفحة كيان، فتصفها أبو طعيمة بأنها ذات طابع نقدي وتحرري وهوياتي، وتركز بصورة أكبر على تفكيك الخطاب وإبراز الصوت النسوي الفردي وإعادة تأطير دور المرأة، إلى جانب محاولة تدويل القضية النسوية الفلسطينية والخروج من النماذج التقليدية في طرحها.
في المقابل، حملت صفحة الحراك الجماهيري لمناهضة سيداو خطاباً نسوياً تحررياً، وظهرت فيها مقاربات بين النسوية الغربية والنسوية الفلسطينية، مع تركيز مختلف الصفحات على فكرة التمكين المحلي.
وتخلص الدراسة إلى أن التمثلات النسوية في الفضاء الرقمي الفلسطيني ليست موحدة، وإنما تتأثر بالسياق وبالوظيفة التي تؤديها كل مؤسسة، سواء كانت تمكينية أو نقدية أو تحريرية، وهو ما يجعل الفضاء الرقمي ساحة صراع بين خطاب نسوي يسعى إلى البناء والتغيير وخطابات مضادة.
وتقول أبو طعيمة إن الواقع الافتراضي هو انعكاس حقيقي للواقع، وبالتالي فإن ما يظهر على المنصات الرقمية يعكس إلى حد كبير واقع النساء الفلسطينيات، ولذلك لا يمكن الحديث عن صورة واحدة موحدة للمرأة الفلسطينية، بل عن صور ونماذج وأدوار وسلوكيات متعددة ومختلفة.
وترى أبو طعيمة أن انتشار المحتوى الرقمي المرتبط بقضايا النساء يمكن أن يؤثر في الرأي العام وفي النظرة المجتمعية للمرأة، لكنها تشير في الوقت نفسه إلى أن الصورة العامة للنساء الفلسطينيات ما زالت مرتبكة، في ظل الواقع السياسي والأمني والمعيشي، وما يرافقه من ضجيج وتعدد في الأفكار والآراء.
وبحسب نتائج الدراسة، فإن النسوية الفلسطينية الرقمية تتجه نحو ما تصفه أبو طعيمة بالتمثيل الرمزي الفاعل، حيث تتأثر بالمِنصات الرقمية وبالواقع الذي تعيشه النساء في الوقت نفسه، ليصبح الفضاء الرقمي مساحة مزدوجة تجمع بين إمكانيات التمكين والقيود البنيوية.
ومن هنا، تؤكد أبو طعيمة أهمية تطوير استراتيجية رقمية نسوية مؤسساتية تربط بين الفعل الرقمي والممارسة الواقعية، ضمن مشروع تحرري شامل، معتبرة أن المسؤولية لا تقع على المؤسسات النسوية وحدها، بل تشمل مختلف المؤسسات الإعلامية والحقوقية والمجتمعية.
وفيما يتعلق بالتحديات التي تواجه النساء الفلسطينيات في الفضاء الرقمي، من تنمر وعنف رقمي وتحرش وخطاب كراهية، تطرح الدراسة سؤالاً حول وجود سياسات تحريرية نسوية واضحة لدى المؤسسات والمنصات التي تتناول قضايا النساء.
وتشير أبو طعيمة إلى أنه عند متابعة عدد من المنصات، يمكن ملاحظة وجود أسئلة وتفاعلات من الجمهور لا تجد إجابات، إلى جانب التعليقات المسيئة والمواقف المختلفة التي تتطلب أحياناً إدارة وحواراً من المؤسسات نفسها.
وتوضح أن غياب الردود لا يعني بالضرورة عدم وجود سياسة تحريرية، بل إن بعض المؤسسات تتبنى سياسة تقوم على عدم الرد على الجمهور، والاكتفاء بنشر الأخبار والمعلومات والمواد التي تريد المؤسسة الإفصاح عنها والترويج لها.
وترى أبو طعيمة أن المشكلة تكمن في غياب النقاش العميق مع الجمهور، حتى في المنصات التي تقوم بمتابعة التفاعلات وتفكيكها، إذ قد يكون التركيز الأكبر على نشر المادة والحصول على التفاعل، بينما لا يتحول هذا التفاعل بالضرورة إلى نقاش حقيقي مع الجمهور.
وتدعو في هذا السياق المؤسسات النسوية والحقوقية إلى وضع سياسات تحريرية واضحة للتعامل مع المنصات الرقمية، ليس فقط بهدف الوصول إلى الجمهور، وإنما أيضاً لفتح مساحة حوار حقيقية تقوم على النقاش والاحترام وحرية الرأي والتعبير، وتقدم إجابات واضحة حول القضايا والهويات النسوية.
وفي تلخيصها للصورة التي يجب أن تكون عليها المرأة الفلسطينية في الفضاء الرقمي، تؤكد أبو طعيمة أن المطلوب هو عدسة أوسع للنوع الاجتماعي، وعدسة ترى النساء الفلسطينيات كما هن في الواقع، في الأغوار وعلى الحواجز والبوابات، وفي مختلف مواقع العمل والحياة والنضال.
وتشير إلى ضرورة أن تظهر على المنصات النساء المعلمات والممرضات والعاملات والقياديات وكل النساء الفاعلات في المجتمع، إضافة إلى النساء الغزيات وما يعشنه من ظروف ونضال وصمود، بعيداً عن اختزال المرأة الفلسطينية في صور محددة أو نماذج نمطية.
وترى أبو طعيمة أن المطلوب هو تطوير خطاب نسوي تراكمي يجمع بين البعد الوطني والتحليل الجندري، لأن اختزال قضايا النساء في صور محددة على المنصات الرقمية لا يخدم النساء ولا يعكس واقعهن الحقيقي.
وتؤكد أن هناك حاجة إلى تغيير السردية الرقمية المتعلقة بالنساء الفلسطينيات، وإظهار النساء العاديات والمكافحات والفاعلات، النساء اللواتي يشبهن المجتمع الفلسطيني بكل تنوعه، باعتبار النساء نصف السكان ونصف الفعل والعمل والتأثير في المجتمع.
وتختتم أبو طعيمة بالتأكيد على ضرورة منع اختزال قضايا النساء داخل سردية نمطية، والعمل بدلاً من ذلك على تقديمها ضمن سردية وطنية واجتماعية واقتصادية وسياسية أوسع، من دون فصل قضايا النساء عن الواقع الذي يعشنه.
وبينما تتوسع مساحة حضور النساء الفلسطينيات على المنصات الرقمية، تبقى المعركة الأساسية في كيفية تحويل هذا الحضور من مجرد ظهور وتفاعل إلى مساحة أكثر أماناً وعدالة وتأثيراً، تعكس تنوع النساء الفلسطينيات وأدوارهن وصمودهن، وتمنحهن القدرة على التعبير عن أنفسهن وقضاياهن بعيداً عن الصور النمطية والاختزال.