وسط 96FM شمال 96.2FM جنوب 92.2FM
استمع الآن راديو نساء
خلف جدران الكفاءة: ما الذي يحجب المرأة الفلسطينية عن الهرم القيادي؟

 

رام الله نساء FM-هبة عساف 

 رغم التفوق الأكاديمي الواضح والخبرات التراكمية التي تمتلكها المرأة الفلسطينية، إلا أن وصولها إلى الهرم القيادي ومراكز صنع القرار العليا لا يزال يصطدم بجدران من التحديات المركبة. بين نظرة مجتمعية موروثة، وظروف سياسية واقتصادية استثنائية، وتحيزات مبطنة في بيئات العمل، تواجه الكفاءات النسائية مساراً مليئاً بالعقبات لإثبات الجدارة.

مفارقة الأرقام

تترجم الإحصائيات الرسمية الصادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني عمق هذه الفجوة؛ ففي حين تشكل الإناث نحو 61% من قطاع التعليم العالي، إلا أن مشاركتهن في سوق العمل لا تتجاوز 19%. وتتضاعف الأزمة صعوداً نحو قمة الهرم الوظيفي، إذ تظهر بيانات وزارة شؤون المرأة أن الإناث يشغلن 14% فقط من مناصب الفئة العليا (مدير عام فأعلى)، بينما تنحدر النسبة إلى 1.5% فقط عندما يتعلق الأمر برئاسة الهيئات والمجالس المحلية، ما يثبت أن الكفاءة الأكاديمية لا تضمن تذكرة عبور عادلة لمراكز القرار.

المعادلة السياسية والمطب المجتمعي

في تشخيصها للواقع الذي يكبّل تقدم المرأة، ترى مديرة الحكم المحلي في مدينة جنين، الأستاذة ميرفت غزال، أن ضعف تمثيل النساء في المواقع القيادية يعود لكونها "مناصب يحكمها القرار السياسي وليس المنافسة العادلة".

وتوضح غزال أن المجتمع ما زال يعاني من نظرة ذكورية تحصر قدرات المرأة وتصنفها "كمواطن درجة ثانية" اجتماعيًا، مرجعةً ذلك لغيابها التاريخي عن مراكز صنع القرار، وهو وعي يحتاج تغييره إلى مدى زمني طويل. ولا تفصل غزال هذا الواقع عن الظرف الفلسطيني العام؛ إذ تشير إلى أن الوضع السياسي الاستثنائي يفرض تحديات صمود تجعل المزاج العام ينظر للرجل باعتباره "الأنسب للقيادة في هذه المرحلة"، فضلاً عن أن الأزمات الاقتصادية المتلاحقة دفعت بالكثير من التجمعات إلى حرمان النساء من التعليم واللجوء للزواج المبكر.

وفي مقارنة ثقافية، تستشهد غزال بالنموذج الفرنسي قائلة: "في فرنسا يُعتبر رمز المرأة تجسيداً للعدالة والحكمة، وهو شعار محكمة العدل العليا ومراسلاتها، ما يعكس وعياً تشكل عبر التاريخ، بينما تفتقد مجتمعاتنا لهذا الاستحقاق المفاهيمي". ورغم هذه السوداوية، تؤكد غزال أن المرأة الفلسطينية خاضت معارك نضالية نجحت خلالها في تحقيق نسب تمثيل أعلى استناداً لمعايير الكفاءة، مستدركةً: "لكن النساء في كافة المؤسسات يطالبن ببذل جهد مضاعف لإثبات جدارتهن مقارنة بالرجل الذي يُعد هو صانع القرار الأساسي".

تحيزات مبطنة في بيئات العمل

هذا الجهد المضاعف تلمسه بدقة أمجاد هب الريح، موظفة الإعلام في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، إذ ترصد واقع التعامل اليومي في بيئات العمل مؤكدة أن "الرجل يُمنح الثقة بشكل أسرع، بينما تُطالب المرأة دائماً بإقناع الآخرين وتبرير جدارتها قبل الحصول على الفرصة".

وتنوه هب الريح إلى معضلة نفسية وظيفية؛ حيث تتردد بعض النساء في التقدم للمواقع القيادية خوفاً من المسؤولية أو الانتقاد، أو لوضعهن معايير مثالية حادة لأنفسهن قبل الإقدام على الخطوة، فضلاً عن أن ندرة النماذج النسائية القيادية الملهمة تزيد من صعوبة الأمر. وتوجه هب الريح رسالة للمرأة قائلة: "لا تتوقفي عند حدود الوظيفة التقليدية؛ فالاستمرار في المنافسة ليس طموحاً شخصياً، بل هو مساهمة في بناء مؤسسات تستفيد من الكفاءات وتعبد الطريق للأجيال القادمة".

من جانبه، يقدم الإعلامي في الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون، علاء عبيد، نظرة واقعية من داخل كواليس المؤسسات، مؤيداً وجود تحيز غير مكتوب لصالح الرجال في المناصب الإدارية والقيادية. ويوضح عبيد: "الكثير من المؤسسات تفضل الرجل عملياً نظراً لقدرته على العمل لساعات أطول متأخرة ليلاً، وسهولة التنقل بين المحافظات، وقلة إجازاته مقارنة بالمرأة التي ترتبط بالتزامات عائلية كإجازات الأمومة".

ومع ذلك، يرى عبيد أن كفة المرأة ترجح بفضل مهارات نوعية؛ أبرزها "الإتقان الكامل، والقدرة على إدارة مهام متعددة في آن واحد، ودرجة الصبر العالية"، داعياً إلى ضرورة سن قوانين واضحة تحدد معايير اختيار الموظف بناءً على هيكليات الكفاءة ودون النظر لجنسه.

"الوردية الثانية" وعقوبة الأمومة

لتفكيك هذه المنظومة بشكل علمي، تصف لبنى الأشقر، الخبيرة في قضايا النوع الاجتماعي، الواقع الفلسطيني بـ"المركب". فبينما تمتلك المرأة مستويات تعليمية متميزة وتاريخاً نضالياً حافلاً، إلا أن تمثيلها في مراكز صنع القرار السياسي العليا (كالمنظمة، الحكومة، ومجالس إدارات الشركات الكبرى) يظل ضعيفاً، بفعل تغييب قضايا العدالة الجندرية لصالح الأولويات الأمنية، ناهيك عن الهيمنة العشائرية محلياً.

وتكشف الأشقر عن "تحيزات غير مرئية" تواجهها المرأة في بيئات العمل الحديثة، تبدأ من أسئلة المقابلات الشخصية التي تركز على خططها الزوجية والإنجابية، مروراً بتقييم الرجل بناءً على "إمكانياته المستقبلية" مقابل تقييم المرأة بدقة على "إنجازاتها السابقة فقط"، وصولاً إلى استبعادها التلقائي من الترقيات بذريعة عدم قدرتها على السفر.

هذا العبء الأسري غير المتكافئ يترجمه الواقع الرقمي الصادر عن الجهاز المركزي للإحصاء وهيئة الأمم المتحدة للمرأة؛ إذ تقضي المرأة الفلسطينية العاملة ما معدله 4.5 ساعة يومياً في الأعمال المنزلية ورعاية الأطفال، مقابل أقل من ساعة واحدة (50 دقيقة) فقط يقضيها الرجل في المهام ذاتها.

ووفق دراسة مسحية مشتركة بين الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني وهيئة الأمم المتحدة للمرأة أظهرت الاستبيانات التتبعية أن 37% من النساء اللواتي تركن سوق العمل خلال السنوات الأخيرة، يعود السبب المباشر وراء ذلك إلى "عدم القدرة على الموازنة بين متطلبات الوظيفة ورعاية الأطفال" نتيجة غياب دور الحواضن المؤسساتية المدعومة.

وتضيف الأشقر أن النساء يواجهن معايير مزدوجة وقاسية؛ فإذا أظهرت القيادية حسمًا نُعِتَت بأنها "عدوانية"، وإذا أبدت تعاطفاً وُصِمت بأنها "ضعيفة". وتُوجز الأشقر العبء الأكبر بما يُعرف بـ"الوردية الثانية"، وهي العمل غير مدفوع الأجر الذي تبدأه المرأة في منزلها بعد الدوام، مما يتسبب في انقطاع مسارها المهني وتراجع فرص نموها الوظيفي بمجرد الإنجاب، فيما يُعرف بـ"عقوبة الأمومة"، مقابل نيل الرجل "مكافأة الأبوة" باعتباره المعيل. وتختتم الأشقر بالقول إن القوانين تظل إطاراً نظرياً عاجزاً ما لم تُفعّل آليات الرقابة والمحاسبة داخل المؤسسات لمواجهة الثقافة المجتمعية التي تلتف على النصوص.

تجمع الشهادات الحية في هذا التقرير على أن كسر هذه الحلقة المفرغة لن يتم إلا بتغيير راديكالي في الوعي المجتمعي، تزامناً مع مأسسة حقيقية لمعايير الكفاءة، وفرض رقابة صارمة على آليات التوظيف والترقيات، لتنتقل التسهيلات الممنوحة للمرأة من خانة "الشعارات النظرية" إلى واقع ملموس يحترم طاقتها الإبداعية والقيادية.