وسط 96FM شمال 96.2FM جنوب 92.2FM
استمع الآن راديو نساء
سيناريوهات في العقل لا تحدث في الواقع.. مختص يوضح كيف نواجه التفكير الزائد

 

رام الله-نساء FM-اية عبد الرحمن: كثيرًا ما يستنزف الإنسان طاقته في التفكير بأحداث قد لا تقع أصلًا، فيبني سيناريوهات مليئة بالقلق والتوقعات السلبية: ماذا لو فشلت؟ ماذا لو خسرت؟ ماذا لو حدث الأسوأ؟ أسئلة تتكرر يوميًا في أذهان كثيرين، حتى تتحول الاحتمالات إلى ما يشبه الحقائق، رغم أن معظمها لا يتحقق.

يشير مختصون في علم النفس إلى أن الإنسان يميل بطبيعته إلى تضخيم المخاطر، وهي آلية قديمة تطورت بهدف الحماية من الأخطار، لكنها في الحياة الحديثة أصبحت مصدرًا مستمرًا للقلق والتوتر. ورغم أن مقولة إن 90% من المخاوف لا تحدث ليست قاعدة علمية ثابتة تنطبق على الجميع، إلا أنها تعكس حقيقة تؤكدها الدراسات، وهي أن الإنسان غالبًا يبالغ في تقدير احتمالات وقوع الأحداث السلبية وتأثيرها عليه.

ويفسر المختصون ذلك بما يعرف بـ"الانحياز السلبي"، حيث يميل الدماغ إلى إعطاء المواقف والأخبار المقلقة اهتمامًا أكبر من التجارب الإيجابية، كما أن الغموض يدفع العقل إلى ملء الفراغات بأسوأ السيناريوهات الممكنة. ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت المخاوف أكثر تضخمًا، بسبب التعرض المستمر للقصص السلبية، ما يجعل الأحداث النادرة تبدو وكأنها متكررة وقريبة الحدوث.

حول هذا الموضوع، قال الأخصائي النفسي ظافر حسني حسون في حديث لنساء إف إم، إن طبيعة تركيبة دماغ الإنسان تجعله يميل إلى تعظيم الأمور التي تسبب له الخوف والقلق، مشددًا على أهمية التمييز بين الخوف والقلق.

وأوضح حسون أن الخوف غالبًا يكون مرتبطًا بأمور واضحة ومعروفة الأسباب، بينما القلق يأتي بعد الخوف، وقد يكون سببه أكبر أو غير واضح، ما يجعل الإنسان يعيش حالة مستمرة من التوتر والتفكير الزائد.

وأضاف أن الإنسان بطبيعته يحاول التفكير بكل الاحتمالات الممكنة، سواء كانت بسيطة أو معقدة، لكنه في النهاية يركز بشكل أكبر على الاحتمالات السلبية، رغم أن معظمها لا يتحقق، موضحًا أن نسبة كبيرة من المخاوف التي يعيشها الإنسان لا تصبح واقعًا، لكنها تأخذ مساحة كبيرة من تفكيره وتؤثر على قراراته وحياته اليومية.

وأكد حسون أن المشكلة لا تكمن في التفكير بالمخاطر أو الاستعداد لها، بل في تضخيمها وإعطائها حجمًا أكبر من حقيقتها، مشيرًا إلى ضرورة أن يتذكر الإنسان دائمًا أن كثيرًا مما يخشاه اليوم قد لا يحدث، وألا يسمح لهذه الاحتمالات بسرقة راحته وحاضره.

وأشار إلى أن الخوف والقلق يعدان من أبرز الأسباب التي تؤثر على الصحة النفسية، وقد تنعكس آثارهما على الصحة الجسدية أيضًا، خاصة عندما يتحول التفكير المستمر إلى حالة تعيق الإنسان عن ممارسة حياته الطبيعية.

وتحدث حسون عن خصوصية الواقع الفلسطيني، موضحًا أن الظروف التي يعيشها الفلسطينيون تجعل مساحة المخاوف أكبر، سواء القلق على المستقبل، أو الأبناء، أو البيت، أو العمل، أو الأوضاع العامة، مبينًا أن تراكم هذه المخاوف قد يؤدي إلى اضطرابات تؤثر بشكل مباشر على الصحة النفسية.

وأكد أن المطلوب هو تحقيق التوازن بين الاستعداد للممكن وعدم المبالغة في توقع الأسوأ، موضحًا أن الإنسان عليه أن يأخذ بالأسباب ويقوم بما يستطيع فعله، لكن دون أن يسمح للسيناريوهات السلبية بأن تعيق حياته اليومية.

وأضاف أن الإيمان بالقضاء والقدر يساعد الإنسان على تخفيف الأعباء النفسية، لكنه لا يتعارض مع الأخذ بالأسباب، موضحًا أن هناك أمورًا يستطيع الإنسان التحكم بها وأخرى لا يستطيع تغييرها، وهنا تأتي أهمية تعلم التعايش مع الأحداث والتعامل معها بطريقة أكثر هدوءًا وتوازنًا.

وبيّن حسون أن الانتقال من التفكير السلبي إلى التفكير الإيجابي يحتاج إلى ممارسات عملية، مشيرًا إلى أن الرياضة تعد من أهم الوسائل التي تساعد على تحسين الحالة النفسية والعقلية، ولا يشترط أن تكون داخل نادٍ رياضي، بل يمكن ممارستها في المنزل أو من خلال المشي أو أي نشاط يحبه الإنسان.

وأوضح أن ممارسة الرياضة حتى لفترات قصيرة تساعد على تغيير المزاج وتحسين طريقة التفكير، إلى جانب أهمية التغذية الجيدة، والخروج إلى الأماكن المفتوحة، وقضاء الوقت في الطبيعة، والتواصل مع الآخرين، باعتبارها عوامل تساعد على تخفيف الضغط النفسي واستعادة التوازن.

وختم حسون بالتأكيد على أن الإنسان لا يستطيع التحكم بكل ما يحدث حوله، لكنه يستطيع التحكم بطريقة تعامله مع الأحداث، وأن إعطاء كل احتمال حجمه الحقيقي يساعده على تجاوز القلق والعيش بشكل أكثر راحة ووعيًا، بدلًا من استنزاف طاقته في مخاوف قد لا تتحقق.