وسط 96FM شمال 96.2FM جنوب 92.2FM
استمع الآن راديو نساء
"نساء نحو إعلام ذكي": كيف يغيّر الذكاء الاصطناعي مستقبل التدريب المهني وتمكين النساء؟

 

 

رام الله-نساء FM-اية عبد الرحمن: ضمن مشروع "نساء نحو إعلام ذكي"، الذي تنفذه إذاعة نساء إف إم بالتعاون مع مؤسسة فريدريش ناومان من أجل الحرية، تناولت حلقة خاصة موضوع التدريب المهني والتمكين باستخدام الذكاء الاصطناعي، في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها سوق العمل بفعل التطور التكنولوجي، حيث أصبح الذكاء الاصطناعي واحدًا من أبرز الأدوات التي تعيد تشكيل فرص العمل ومتطلبات المهارات، وتفتح آفاقًا جديدة أمام النساء والشباب للتعلم والتطور والمنافسة في سوق العمل.

وخلال الحلقة، أكدت الأستاذة الأكاديمية والباحثة القانونية أنهار عويسي، في حديثها لنساء إف إم، أن الذكاء الاصطناعي أصبح يمس حياة الجميع، وأن دوره في التدريب المهني وتمكين الشباب والنساء بات موضوعًا أساسيًا في ظل التغيرات السريعة التي يشهدها سوق العمل.

وأوضحت عويسي أن مفهوم التدريب المهني شهد تحولًا كبيرًا خلال السنوات الأخيرة، مشيرة إلى أن التدريب في السابق كان يعتمد بشكل أساسي على القاعات التدريبية، والحضور المباشر، والكتب، والالتزام بساعات محددة، بينما أصبح اليوم أكثر مرونة بفضل أدوات الذكاء الاصطناعي، إذ أصبح بإمكان أي شخص التعلم في أي وقت ومن أي مكان، سواء من المنزل أو مكان العمل، الأمر الذي يوفر الوقت والجهد، ويساعد الأشخاص الذين كانت تواجههم صعوبات في الوصول إلى مراكز التدريب أو الالتزام بأوقات ثابتة.

وأضافت أن الذكاء الاصطناعي جعل التدريب أكثر ذكاءً، لأنه يستطيع تحديد مستوى المتدرب واحتياجاته، ومعرفة ما إذا كان مبتدئًا أو يمتلك خبرة سابقة، وبالتالي تقديم المحتوى المناسب لكل مستوى، ما يجعل عملية التعلم أكثر سرعة وفعالية، ويمنح كل شخص تجربة تدريبية تتناسب مع قدراته واحتياجاته.

وبيّنت أن من أهم التحولات التي أحدثها الذكاء الاصطناعي في مجال التدريب أنه جعل العملية التعليمية أكثر تفاعلية، إذ لم يعد المتدرب مضطرًا للانتظار حتى يحصل على تقييم أو تصحيح من المدرب، بل يمكنه الحصول على ملاحظات فورية تساعده في معرفة نقاط الضعف وتحسين أدائه وتطوير مهاراته بشكل أسرع.

كما أشارت إلى أن الذكاء الاصطناعي أصبح يستخدم في التدريب العملي من خلال تقنيات المحاكاة، التي تتيح للمتدربين تجربة مواقف قريبة من الواقع، مثل تدريب العاملين في خدمة العملاء على كيفية التعامل مع الزبائن أو مواجهة مواقف عملية مختلفة، دون التعرض لمخاطر حقيقية.

وأكدت عويسي أن الذكاء الاصطناعي لا يلغي دور المدرب ولا يشكل بديلًا عنه، بل هو أداة مساندة تساعده على تقديم تدريب أكثر جودة، موضحة أن المدرب يبقى صاحب الخبرة والقادر على توجيه المتدربين وتصحيح المفاهيم ونقل الخبرات العملية، وأن العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي يجب أن تقوم على التكامل وليس الاستبدال.

وأضافت أن الذكاء الاصطناعي لا يغير فقط طريقة التدريب، بل يغير فلسفة التعلم نفسها، حيث أصبح التعلم أسرع وأكثر تخصيصًا وأكثر ارتباطًا باحتياجات سوق العمل، مؤكدة أن الإنسان هو من يقود التكنولوجيا وليس العكس، وأن التحدي الحقيقي يكمن في تدريب الأفراد على استخدام هذه التقنيات بالشكل الصحيح.

وحول المهارات التي أصبح يحتاجها الشباب والنساء لمواكبة التحولات في سوق العمل، قالت عويسي إن سوق العمل اليوم لم يعد يبحث فقط عن الشخص الذي يحمل شهادة جامعية، بل عن الشخص الذي يمتلك المهارة والقدرة على التطور والتعلم المستمر.

وأوضحت أن الشهادة الجامعية أصبحت خطوة أولى فقط، بينما أصبحت المهارات العملية والخبرة والقدرة على التكيف مع التغيرات عوامل أساسية للحصول على فرص العمل، مشيرة إلى أن من أهم المهارات المطلوبة حاليًا المهارات الرقمية، مثل استخدام الحاسوب، التعامل مع المنصات الإلكترونية، والاستفادة من أدوات الذكاء الاصطناعي في التعلم وإنجاز المهام.

وأكدت أن امتلاك المهارات الرقمية لا يعني أن يصبح الجميع مبرمجين، وإنما امتلاك الحد الأدنى من المعرفة التي تساعدهم على مواكبة التطور التكنولوجي، إلى جانب مهارات أخرى لا تقل أهمية، مثل التعلم المستمر، والتفكير النقدي، وحل المشكلات، واتخاذ القرارات، والقدرة على التواصل والعمل ضمن فريق.

وأضافت أن هذه المهارات تكتسب أهمية أكبر في الواقع الفلسطيني، في ظل المنافسة الكبيرة على فرص العمل، مشيرة إلى أن كلما طور الشاب أو الشابة مهاراته زادت فرصته في الحصول على وظيفة أو حتى إنشاء مشروع خاص والعمل مع جهات خارج فلسطين.

وفيما يتعلق بدور الذكاء الاصطناعي في تمكين النساء اقتصاديًا، أوضحت عويسي أن المرأة الفلسطينية تمتلك الكفاءة والطموح، لكنها تواجه تحديات مرتبطة بالمسؤوليات الأسرية وصعوبة التنقل والظروف السياسية والاقتصادية، وهنا يمكن أن يكون الذكاء الاصطناعي جزءًا من الحل من خلال توفير فرص تعلم وتطوير دون ارتباط بمكان أو وقت محدد.

وقالت إن المرأة اليوم تستطيع استخدام الإنترنت وأدوات الذكاء الاصطناعي لتعلم مهارات جديدة، والمساعدة في البحث وتنظيم العمل وتطوير المشاريع، مشيرة إلى أن هذه الأدوات فتحت مجالات جديدة للنساء مثل كتابة المحتوى، والترجمة، والتصميم، والتسويق الإلكتروني، وإدارة صفحات التواصل الاجتماعي، وخدمة العملاء.

وأضافت أن صاحبات المشاريع الصغيرة، سواء في الصناعات المنزلية أو المنتجات الغذائية أو الحرف، يمكنهن الاستفادة من الذكاء الاصطناعي في كتابة الإعلانات، وتصميم المنشورات، ومعرفة تفضيلات الزبائن، وتنظيم العمل والوصول إلى عدد أكبر من العملاء.

لكنها شددت في الوقت ذاته على أن الذكاء الاصطناعي وحده لا يكفي، إذ يجب توفير فرص تدريب ودعم للمشاريع الصغيرة حتى تتمكن النساء من الاستفادة منه بشكل أكبر، مؤكدة أهمية التعاون بين الجامعات ومراكز التدريب والمؤسسات الحكومية ومؤسسات المجتمع المدني لضمان وصول هذه المهارات إلى النساء في المدن والقرى والمخيمات.

وحول إمكانية أن يساعد الذكاء الاصطناعي في تقليل الفجوة بين الباحثين عن العمل واحتياجات السوق، قالت عويسي إن ذلك ممكن إذا تم استخدامه بالشكل الصحيح، موضحة أن المشكلة ليست في عدم رغبة الشباب بالعمل، وإنما في وجود فجوة بين المهارات التي يمتلكونها والمهارات التي يحتاجها سوق العمل.

وأشارت إلى أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد الباحثين عن العمل في معرفة المهارات المطلوبة، واقتراح دورات تدريبية مناسبة، وتطوير السير الذاتية، والاستعداد لمقابلات العمل، كما يمكن أن يساعد المؤسسات في تحديث المهارات المطلوبة والوصول إلى الأشخاص الذين تتناسب قدراتهم مع طبيعة الوظائف.

ولفتت إلى أن التحدي الفلسطيني يتمثل بوجود أعداد كبيرة من الخريجين مقابل محدودية فرص العمل، ما يجعل امتلاك المهارات الحديثة عنصرًا مهمًا في زيادة فرص المنافسة، داعية الشباب والشابات إلى عدم الاكتفاء بالشهادة الجامعية، بل متابعة تطورات سوق العمل والعمل على تطوير أنفسهم باستمرار.

 

وفي الجانب القانوني والأخلاقي، تحدثت عويسي عن أبرز التحديات المرتبطة باستخدام الذكاء الاصطناعي في التدريب والتوظيف، وفي مقدمتها حماية البيانات الشخصية والخصوصية، موضحة أن المتدربين أو الباحثين عن العمل يقدمون بيانات شخصية وسيرًا ذاتية وشهادات، ويجب أن يتم التعامل معها بشكل آمن وعدم استخدامها أو مشاركتها دون موافقة أصحابها.

كما أشارت إلى أهمية العدالة والمساواة، موضحة أن أنظمة الذكاء الاصطناعي تعتمد على البيانات، وإذا كانت هذه البيانات غير دقيقة فقد تؤثر على نتائج التدريب أو التوظيف بطريقة غير عادلة، لذلك لا بد من وجود رقابة بشرية وعدم ترك القرارات المهمة بالكامل للأنظمة الذكية.

وأكدت أن الشفافية تعد عنصرًا أساسيًا، فمن حق أي شخص معرفة كيفية تقييمه ولماذا تم رفضه في وظيفة أو برنامج تدريبي إذا كان القرار يعتمد على نظام ذكي، مشددة على ضرورة وجود رقابة بشرية من الجانب الأخلاقي والقانوني.

وحول دور المؤسسات التعليمية ومراكز التدريب في دمج الذكاء الاصطناعي، قالت عويسي إن المطلوب ليس استبدال المعلم أو المدرب، وإنما استخدام التكنولوجيا كأداة تساعد على تقديم تدريب أفضل، مشيرة إلى ضرورة تحديث البرامج التعليمية والتدريبية لتشمل المهارات الرقمية واستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي والتفكير النقدي وحل المشكلات.

وأضافت أن تأهيل المدربين أنفسهم يمثل خطوة أساسية، فلا يمكن مطالبة الطلبة والمتدربين باستخدام أدوات حديثة دون أن يكون المدربون قادرين على استخدامها بشكل صحيح، داعية إلى الاستثمار في تطوير الكوادر التعليمية.

وأكدت أهمية تعليم الطلبة كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي بطريقة آمنة ومسؤولة، بحيث يستفيدون منه في البحث وتلخيص المعلومات والتعلم، مع التأكد من صحة المعلومات وعدم الاعتماد عليه بشكل كامل، والحفاظ على دور التفكير البشري والمراجعة.

وفيما يتعلق بالمخاوف من أن يحل الذكاء الاصطناعي مكان الإنسان في بعض المهن، أوضحت عويسي أن التكنولوجيا ستغير طبيعة بعض الوظائف لكنها في الوقت ذاته ستخلق وظائف جديدة، مشيرة إلى أن الأعمال الروتينية والمتكررة مثل بعض المهام الإدارية أو إدخال البيانات قد تتأثر بشكل أكبر، بينما ستبقى الأعمال التي تعتمد على الإبداع والتواصل واتخاذ القرار بحاجة إلى الإنسان.

وضربت مثالًا بالمحاسب، موضحة أن الذكاء الاصطناعي قد يساعد في إدخال الفواتير وتنظيم البيانات، لكنه لا يستطيع أن يحل محل المحاسب في المراجعة واتخاذ القرارات المالية المهمة، لأن هذه المهام تحتاج إلى خبرة وحكم بشري.

وأكدت أن نجاح الذكاء الاصطناعي لا يعتمد فقط على تطور التكنولوجيا، بل على ضمان وصولها إلى الجميع، محذرة من أن عدم توفير فرص متساوية للتعلم والتدريب قد يؤدي إلى توسيع الفجوة بين من يمتلكون المهارات الرقمية ومن لا يمتلكونها.

وشددت على أهمية توفير برامج تدريبية مجانية أو منخفضة التكلفة، وتعزيز البنية التحتية الرقمية من خلال تحسين خدمات الإنترنت وتوفير الأجهزة اللازمة، حتى يتمكن الشباب والنساء في مختلف المناطق من الاستفادة من هذه التقنيات.

كما أكدت أهمية الشراكة بين الحكومة والجامعات ومراكز التدريب والقطاع الخاص لربط التدريب باحتياجات سوق العمل، وتوفير مهارات تساعد الشباب والنساء على الحصول على فرص عمل أو إنشاء مشاريعهم الخاصة.

وفي ختام حديثها، وجهت عويسي نصائح للشباب والنساء الراغبين بتطوير مهاراتهم، داعية إلى عدم التعامل مع الذكاء الاصطناعي كمصطلح معقد، بل كأداة يمكن تعلم استخدامها والاستفادة منها، مؤكدة أهمية جعل التعلم المستمر عادة، لأن التكنولوجيا تتغير بسرعة، ومن يحرص على تطوير نفسه ومواكبة التطورات ستكون لديه فرص أكبر في المستقبل.