الذكاء الاصطناعي والإنسان.. منافسة على الوظائف أم شراكة لصناعة المستقبل؟
رام الله-نساء FM-منذ الانتشار الواسع أدوات الذكاء الاصطناعي، سارعت شركات عالمية إلى إعادة هيكلة أعمالها وتقليص أعداد الموظفين، انطلاقًا من قناعة بأن هذه التقنيات ستكون قادرة على تنفيذ كثير من المهام البشرية بكفاءة أعلى وتكلفة أقل.
لكن مع مرور الوقت، بدأت بعض الشركات تعيد النظر في هذا التوجه، بعدما كشفت التجربة أن الذكاء الاصطناعي، رغم قدراته الكبيرة، لا يزال بحاجة إلى العنصر البشري لإدارة عمله والإشراف على مخرجاته.
ويرى محاضر التكنولوجيا والإعلام رأفت الحج علي، في حديثه لنساء إف إم، أن إصدار أحكام مبكرة حول قدرة الذكاء الاصطناعي على استبدال الإنسان كان سابقًا لأوانه، موضحًا أن السنوات الأولى لأي تقنية جديدة لا تكفي للحكم على مستقبلها أو دورها الحقيقي في سوق العمل.
وأشار إلى أن الشركات المطورة للتقنيات تطلق أدواتها إلى الأسواق، لكنها لا تستطيع التحكم بالطريقة التي يستخدمها بها الجمهور، في المستهلكون هم من يحددون في النهاية مدى نجاح التكنولوجيا أو فشلها.
واستشهد بتجربة "المايكروسوفت التي لم تحقق النتائج التي كانت تتوقعها الشركات، رغم الاستثمارات الضخمة التي وُجهت إليها، بسبب محدودية الإقبال عليها وعدم تحولها إلى جزء من الحياة اليومية للمستخدمين.
وأوضح أن تجربة الذكاء الاصطناعي تختلف من حيث حجم الإقبال، إذ شهدت أدواته انتشارًا واسعًا منذ إطلاقها، إلا أن المستخدمين لجؤوا إلى استخدامها بطرق لم تكن الشركات تتوقعها، ما دفع المطورين إلى وضع سياسات وضوابط جديدة لتنظيم الاستخدام، بل وإيقاف بعض الأدوات أو تعديلها في بعض الحالات.
وأضاف أن الذكاء الاصطناعي أثّر بالفعل في عدد من الوظائف، وأصبح قادرًا على تنفيذ جزء من المهام التي كانت تُنجز سابقًا بواسطة الإنسان، لكنه لم يصل بعد إلى مرحلة يمكنه فيها أن يحل محل الموظف بشكل كامل، خاصة في الأعمال التي تتطلب التفكير النقدي والإبداع واتخاذ القرار.
وأكد الحج علي أن الخطأ لم يكن في تطوير الذكاء الاصطناعي، بل في الاعتقاد بأنه سيصبح بديلًا كاملًا للإنسان، موضحًا أن هذه التقنيات صُممت أساسًا لتكون أدوات مساعدة ترفع الإنتاجية وتوفر الوقت والجهد، بينما يبقى الإنسان المسؤول عن التفكير والإدارة والإبداع.
ولفت إلى أن الموظف الذي يرفض تعلم التقنيات الجديدة أو تطوير مهاراته قد يجد نفسه خارج سوق العمل، ليس لأن الذكاء الاصطناعي استبدله، بل لأن غيره أصبح أكثر قدرة على توظيف هذه الأدوات في إنجاز عمله بكفاءة أعلى.
وبيّن أن حالة الانبهار التي صاحبت إطلاق تطبيقات الذكاء الاصطناعي ساهمت في رفع سقف التوقعات لدى الشركات والمراقبين، الأمر الذي دفع بعض المؤسسات إلى تقليص الوظائف البشرية بسرعة، قبل أن تكتشف لاحقًا أن الإنتاجية والجودة لا تزالان بحاجة إلى الخبرة البشرية، وهو ما دفع بعضها إلى إعادة الاستعانة بالموظفين بعد ظهور تحديات عملية في الأداء.
وأشار إلى أن المرحلة المقبلة لن تكون مرحلة استبدال الإنسان، بل مرحلة شراكة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، بحيث تعمل هذه الأدوات كمساعد شخصي ينجز المهام الروتينية ويقدم الدعم في تحليل البيانات وتنظيم الأعمال، بينما يبقى القرار النهائي والإبداع والتخطيط من اختصاص الإنسان.
ويرى مختصون أن مستقبل العمل يتجه نحو التكامل بين الإنسان والآلة، وليس المنافسة بينهما، وأن الاستثمار الحقيقي خلال السنوات المقبلة سيكون في تطوير مهارات الموظفين وتمكينهم من استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، بما يعزز الإنتاجية ويحافظ في الوقت نفسه على الدور المحوري للعقل البشري في مختلف القطاعات.