ماري الخازن.. عدسة لبنانية رائدة تعيد رسم صورة المرأة والمجتمع قبل قرن محدث 25 يوليو 2026
بيروت-نساء FM- يستضيف معهد الفن في العالم العربي في الجامعة اللبنانية الأميركية معرضًا للمصورة اللبنانية الرائدة ماري الخازن، بالتعاون مع مؤسسة الصورة العربية والمعهد العربي للمرأة، ويضم أكثر من 60 صورة نادرة يُعرض معظمها للمرة الأولى.
يوثق المعرض تحولات اجتماعية وثقافية في لبنان خلال بدايات القرن العشرين، من خلال صور للحياة اليومية والأسفار والعلاقات الاجتماعية، إلى جانب طرح قضايا الهوية والنوع الاجتماعي، في تجربة تعد من أبرز التجارب النسائية المبكرة في التصوير الفوتوغرافي العربي.
ماري الخازن.. عدسة سبقت زمنها
حولت ماري الخازن عدستها في عشرينيات القرن الماضي إلى وسيلة لتوثيق المجتمع اللبناني، متجاوزة قيود عصرها، حيث قدمت صورًا للنساء في فضاءات مختلفة، وأظهرت جوانب من حياتهن وحضورهن الاجتماعي.
وقالت رئيسة جمعية إنعاش، ناديا عبد النور، إن صور الخازن تكشف أن النساء في لبنان مطلع القرن العشرين كن حاضرات في مجالات متعددة، مثل العزف والصيد والتفاعل الاجتماعي، مشيرة إلى قدرة الصورة على نقل تفاصيل المرحلة التاريخية.
بدورها، أوضحت أستاذة علم الاجتماع، زينة مسك، أن أهمية أعمال الخازن تكمن في كونها وثيقة تاريخية تكشف رؤية امرأة تنتمي إلى عائلة أرستقراطية، ما أتاح لها توثيق المجتمع من منظور مختلف.
وأكدت نجوى الخازن، من أقرباء المصورة، أن ماري الخازن جسدت نموذجًا لامرأة مستقلة استطاعت التعبير عن الحرية والاختيار قبل أكثر من قرن.
ويأتي المعرض ثمرة جهود بحث وأرشفة لإحياء الإرث الفني العربي، مستندًا إلى مجموعات المؤسسة العربية للصورة، وإلى كتاب الباحثة ياسمين نشابة "قراءة صور ماري الخازن: الجندر، الفوتوغرافيا ولبنان الانتداب" عام 2021.
ماري الخازن قدمت صورة مختلفة للمرأة اللبنانية
أكدت الباحثة والأستاذة الجامعية، ياسمين نشابة، أن المصورة اللبنانية ماري الخازن لم تكن مجرد هاوية توثق حياتها الخاصة، بل صاحبة مشروع فوتوغرافي يحمل قيمة فنية وتاريخية، أسهم في تقديم صورة مختلفة عن المرأة والمجتمع اللبناني في بدايات القرن العشرين.
وقالت، خلال استضافتها في برنامج "ضفاف" الذي يبث على تلفزيون "العربي 2"، ، إن ماري الخازن لم تكن مصورة محترفة بالمعنى التجاري، إذ لم تمتلك استوديو ولم تكن تتقاضى أجرًا مقابل صورها، لكنها أنتجت أعمالًا تتمتع بقيمة فنية عالية، بفضل اهتمامها بالتكوين والإضاءة وزوايا التصوير، إضافة إلى حفاظها على أرشيفها الذي أتاح للأجيال الحالية التعرف إلى تجربتها.
صور ماري الخازن.. وثيقة عن المجتمع اللبناني
وأوضحت أن صور الخازن تشكل نافذة على حياة الطبقة الأرستقراطية والإقطاعية في جبل لبنان، لكنها لا تقتصر على ذلك، إذ وثقت أيضًا مشاهد من حياة الفلاحين والمزارعين والزوار والشخصيات الاجتماعية، ما يمنح أرشيفها تنوعًا مهمًا.
وأضافت أن تجربة الخازن يمكن مقارنتها بتجربة المصورة الفلسطينية كريمة عبود، التي كانت تعمل كمصورة محترفة في الفترة نفسها تقريبًا، مشيرة إلى أن صور عبود والخازن قدمت صورة مغايرة عن المجتمعات العربية، بعيدًا عن التصورات الاستشراقية التي اختزلت المنطقة في صور نمطية.
امرأة خلف العدسة تعيد تعريف صورة المرأة
وقالت نشابة إن أحد أبرز جوانب تجربة ماري الخازن هو الطريقة التي قدمت بها المرأة في صورها، إذ ظهرت النساء في أعمالها وهن يمارسن أنشطة مختلفة، مثل السفر وقيادة السيارات وركوب الخيل والصيد والعزف على البيانو، في صورة تعكس حضور المرأة وثقتها بنفسها.
وأشارت إلى أن هذه الصور تختلف عن بعض الصور الشائعة في القرن التاسع عشر، حيث كانت المرأة غالبًا تظهر في الأعمال الفنية بصورة ساكنة وجمالية فقط، بينما قدمت الخازن نموذجًا لامرأة فاعلة وحاضرة في الحياة العامة.
"ذاكرة مدينة من ورق".. تاريخ بيروت بالصور والكاريكاتور
ولفتت إلى أن بعض صور الخازن حملت أساليب تصويرية متقدمة لعصرها، مثل التجريب بالتكوين والتلاعب بالصورة، بما في ذلك استخدام تقنيات التعريض المزدوج، أو حذف عناصر من الصورة بطرق يدوية قبل ظهور برامج التعديل الحديثة.
أرشيف نسائي لمواجهة الروايات النمطية
وأكدت أن أهمية إعادة قراءة أرشيف ماري الخازن اليوم تكمن في إدخال النساء إلى كتابة التاريخ، موضحة أن التاريخ لا يجب أن يُروى من خلال الرجال فقط، بل من خلال تجارب النساء وما قدمنه من رؤى وشهادات بصرية.
وأضافت أن الخازن لم تكن المرأة الوحيدة التي حملت كاميرا في ذلك الزمن، إذ كانت هناك نساء أخريات يوثقن العائلة والمنزل والسفر والنشاطات اليومية، ضمن حركة اجتماعية وثقافية شهدها لبنان في تلك المرحلة، مع ازدياد مشاركة النساء في التعليم والعمل والكتابة.
واعتبرت أن صور ماري الخازن تمثل ذاكرة بصرية نادرة، تكشف تنوع المجتمع اللبناني قبل قرن، وتقدم شهادة على حضور المرأة العربية وقدرتها على صناعة صورتها الخاصة بعيدًا عن الصور التي رسمها الآخرون عنها.