الخبير الاقتصادي الدكتور هيثم دراغمة: أزمة تكدس الشيكل تتجاوز البنوك وتهدد السيولة وترفع مخاطر الشيكات المرتجعة
رام الله-نساء FM-اية عبد الرحمن- عادت أزمة تكدس الشيكل في البنوك الفلسطينية إلى الواجهة مجددًا، وسط تحذيرات من تداعياتها المتصاعدة على السيولة النقدية وحركة الأسواق والقطاعات الاقتصادية المختلفة، في ظل استمرار صعوبة إيداع كميات كبيرة من العملة الإسرائيلية داخل البنوك وعدم قدرة المصارف على إعادة تدويرها أو تحويل فائضها، الأمر الذي ينعكس على قدرة المواطنين والتجار على إجراء معاملاتهم المالية، ويزيد المخاوف من ارتفاع أعداد الشيكات المرتجعة خلال الفترة المقبلة.
وقال الخبير الاقتصادي الدكتور هيثم دراغمة، في حديثه لـ نساء إف إم، إن المواطن الفلسطيني بات يعيش وسط أزمات اقتصادية متلاحقة، في حين يفترض أن تكون مثل هذه الأزمات استثنائية وليست واقعًا دائمًا، مشيرًا إلى أن أزمة تكدس الشيكل ليست جديدة، لكنها تعود في كل مرة لتفرض ضغوطًا إضافية على الاقتصاد الفلسطيني وتعمّق حالة عدم الاستقرار المالي.
وأوضح دراغمة أن جوهر الأزمة يتمثل في تراكم كميات كبيرة من العملة الإسرائيلية داخل البنوك الفلسطينية، نتيجة عدم قدرة المصارف على تحويل فائض الشيكل أو التخلص منه بالآليات المعتادة، وهو ما يؤدي إلى امتلاء خزائن البنوك بكميات كبيرة من النقد، ويفرض عليها أعباء مالية وتشغيلية تتعلق بالتخزين والحماية والإدارة، إلى جانب الحد من قدرتها على القيام بدورها الطبيعي في توفير السيولة وتمويل الأنشطة الاقتصادية.
وأضاف أن أزمة نقص السيولة لم تعد قضية مصرفية بحتة، بل تحولت إلى أزمة تمس مختلف مكونات الاقتصاد الفلسطيني، موضحًا أن نقص السيولة ينعكس بصورة مباشرة على حركة الأسواق، ويؤثر في قدرة التجار على إدارة أعمالهم، كما يحد من قدرة المواطنين على تنفيذ معاملاتهم المالية اليومية، الأمر الذي يبطئ الدورة الاقتصادية ويؤثر في النشاط التجاري والإنتاجي.
وأشار إلى أن القطاعات التجارية والصناعية والزراعية تُعد من أكثر القطاعات تأثرًا بالأزمة، لأن استمرار نقص السيولة يعيق عمليات البيع والشراء، ويحد من قدرة الشركات وأصحاب الأعمال على الوفاء بالتزاماتهم المالية، في وقت يعاني فيه الاقتصاد أصلًا من تراجع النشاط التجاري وضعف القوة الشرائية.
وبيّن دراغمة أن استمرار الأزمة قد يدفع المواطنين والتجار إلى التوسع في استخدام البيع والدفع الآجل بدلًا من التعاملات النقدية، وهو ما يزيد من الاعتماد على الشيكات كوسيلة للدفع، الأمر الذي يرفع احتمالية زيادة أعداد الشيكات المرتجعة إذا لم يتمكن أصحابها من تغطية قيمتها في مواعيد الاستحقاق.
وأوضح أن المشكلة لا تكمن دائمًا في عدم توفر الأموال لدى الأشخاص أو الشركات، بل قد تتمثل في عدم قدرتهم على إيداع الأموال الموجودة بحوزتهم داخل النظام المصرفي نتيجة أزمة تكدس الشيكل، وهو ما قد يؤدي إلى إعادة شيكات دون رصيد فعلي متاح للاستخدام، رغم امتلاك أصحابها للأموال نقدًا، الأمر الذي يخلق أزمات مالية وقانونية واجتماعية في آن واحد.
وأضاف أن ارتفاع أعداد الشيكات المرتجعة ستكون له انعكاسات تتجاوز الجانب الاقتصادي، إذ قد يواجه بعض المواطنين والتجار إجراءات قانونية نتيجة عدم تمكنهم من الوفاء بالتزاماتهم، رغم أن السبب يعود إلى الظروف الاستثنائية التي يمر بها القطاع المصرفي والاقتصاد الفلسطيني، ما يستدعي مراعاة هذه الظروف عند التعامل مع مثل هذه الحالات.
وأكد دراغمة أن تراجع السيولة ينعكس بشكل مباشر على القدرة الشرائية للمواطنين، حيث أصبحت الأسواق الفلسطينية تشهد تباطؤًا واضحًا في الحركة التجارية خلال السنوات الأخيرة، في ظل انخفاض مستويات الإنفاق وتراجع المبيعات، وهو ما يزيد من الضغوط على أصحاب المشاريع والشركات الصغيرة والمتوسطة.
وأشار إلى أن البنوك الفلسطينية تواجه بدورها تحديات كبيرة نتيجة اضطرارها للاحتفاظ بكميات ضخمة من الشيكل، وهو ما يفرض عليها تكاليف إضافية تتعلق بالتخزين والتأمين والإدارة، فضلًا عن تقليص قدرتها على توفير التمويلات والقروض الجديدة، الأمر الذي ينعكس سلبًا على الشركات والمشاريع الاستثمارية والأفراد الباحثين عن التمويل.
ولفت إلى أن أزمة تكدس الشيكل تتزامن مع أزمة مالية تواجهها الحكومة الفلسطينية نتيجة نقص الإيرادات وعدم انتظام وصول الأموال، مؤكدًا أن هذه التحديات مترابطة، وأن معالجة جانب واحد منها لن يكون كافيًا ما لم تتم معالجة المنظومة الاقتصادية والمالية بصورة شاملة.
وحول احتمالية ارتفاع أعداد الشيكات المرتجعة خلال الفترة المقبلة، توقع دراغمة أن تستمر هذه الظاهرة في التصاعد إذا بقيت البنوك غير قادرة على استيعاب المزيد من إيداعات الشيكل أو إعادة تدوير فائض العملة، خاصة في ظل اعتماد شريحة واسعة من التجار والشركات على البيع الآجل كوسيلة للحفاظ على نشاطها التجاري.
وفي ختام حديثه، شدد دراغمة على أن أزمة تكدس الشيكل لم تعد مجرد مشكلة مصرفية، بل أصبحت أزمة اقتصادية شاملة تؤثر على مختلف حلقات النشاط الاقتصادي، بدءًا من البنوك ووصولًا إلى المواطنين والتجار والقطاع الخاص، مؤكدًا أن المرحلة الحالية تتطلب حلولًا عملية تضمن تدفق السيولة إلى الأسواق، وتحمي الاقتصاد الفلسطيني من مزيد من التعثر، وتحد من تفاقم الآثار الاقتصادية والاجتماعية للأزمة.