"نساء نحو إعلام ذكي".. دعوة لإعلام رقمي ينصف النساء ويكسر الصور النمطية
رام الله-نساء FM- اية عبد الرحمن: مع التحول المتسارع نحو الإعلام الرقمي، أصبحت المنصات الإلكترونية من أبرز الأدوات المؤثرة في تشكيل الوعي المجتمعي وصناعة الرأي العام، ولم يعد المحتوى الرقمي مجرد وسيلة لنقل المعلومات، بل أصبح مساحة لصناعة الصور الذهنية عن الأفراد والقضايا المختلفة. وفي هذا السياق تبرز أهمية التمثيل العادل للنوع الاجتماعي باعتباره عنصرًا أساسيًا في إنتاج إعلام مهني يعكس الواقع بعيدًا عن التحيز وتكريس الأدوار النمطية.
وخلال حديثها لـ نساء إف إم، أكدت ناهد أبو طعيمة، منسقة وحدة الجندر في مركز تطوير الإعلام، أن التمثيل العادل للنوع الاجتماعي في الإعلام لا يعني فقط زيادة عدد النساء في التغطيات، بل يتعلق بطريقة حضورهن داخل القصة الصحفية، وموقعهن فيها، وطبيعة الأدوار التي يتم تقديمهن من خلالها.
وقالت أبو طعيمة إن المرأة الفلسطينية، خاصة في ظل الظروف الاستثنائية التي يعيشها المجتمع، ليست مجرد متلقية للأحداث، بل هي شريكة وفاعلة في مختلف المجالات الاجتماعية والاقتصادية والوطنية، إلا أن بعض التغطيات الإعلامية الرقمية لا تزال لا تعكس حجم هذا الدور، حيث يتم التركيز أحيانًا على جوانب محددة من حياتها، خصوصًا باعتبارها متأثرة أو ضحية، بينما تغيب صورتها كخبيرة وصاحبة قرار ومساهمة في مختلف المجالات.
وأوضحت أن التمثيل العادل لا يرتبط فقط بعدد النساء والرجال المشاركين في المادة الصحفية، مشيرة إلى أن وجود عدد متساوٍ من المصادر لا يعني بالضرورة تحقيق العدالة، إذا كانت أصوات النساء لا تحمل وزنًا حقيقيًا داخل القصة أو يتم تقديمهن كشاهدات فقط. وشددت على أهمية ظهور النساء كخبيرات وفاعلات في السياسة والاقتصاد والرياضة والثقافة، وليس حصر حضورهن في القضايا المرتبطة بالمرأة فقط.
وأكدت أبو طعيمة أهمية وجود مراجعة تحريرية قبل نشر أي مادة صحفية، تبدأ من فحص المصادر، والسؤال حول من يروي القصة ومن يظهر فيها كفاعل وصاحب قرار، ومن يتم تقديمه فقط كشخص متأثر بالحدث. كما شددت على ضرورة مراجعة اللغة المستخدمة في التغطيات، موضحة أن استخدام المسميات المهنية للنساء بدل اختزالهن بعلاقاتهن الاجتماعية يعد جزءًا من التغطية المهنية العادلة.
وأضافت أن الصور المستخدمة في الإعلام تلعب دورًا مهمًا أيضًا، إذ يجب النظر إلى الطريقة التي تظهر بها المرأة: هل تظهر كشخص قادر وفاعل، أم فقط في سياقات الحزن والمعاناة والانتظار؟ مؤكدة أن الصورة الإعلامية تساهم في تشكيل نظرة المجتمع تجاه أدوار النساء.
وفيما يتعلق بالتغطية الإعلامية في ظل الحرب والظروف الصعبة، قالت أبو طعيمة إن النساء يواجهن "حجبًا مضاعفًا" للوصول والظهور، فإلى جانب الحواجز المرتبطة بالحرب والنزوح وانقطاع الاتصال، توجد عوائق اجتماعية تحدد أحيانًا من يستطيع الحديث ومن يمتلك فرصة الظهور في الإعلام.
وأشارت إلى أن هذا الواقع أدى إلى تكرار حضور النساء في الإعلام باعتبارهن شاهدات على الألم أو ضحايا للفقد، مقابل غياب مساحات كافية لإظهار أدوارهن في الصمود والعمل واتخاذ القرارات، داعية الصحفيين إلى طرح أسئلة أعمق عند إعداد القصص الصحفية حول من يظهر في القصة ومن يغيب عنها.
وشددت أبو طعيمة على أهمية "كرامة التغطية"، موضحة أن الصحفيين مطالبون بالحصول على موافقة واعية من الأشخاص الذين تتم مقابلتهم، خصوصًا في حالات الصدمات والعنف، وعدم البحث عن تفاصيل مؤلمة فقط بهدف التأثير الدرامي، لأن ذلك قد يتحول إلى انتهاك لخصوصية الأشخاص وكرامتهم.
كما أكدت ضرورة ربط قضايا النساء بسياقها الأوسع، وعدم تقديم المعاناة بصورة منفصلة عن الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية المحيطة بها، مشيرة إلى أن التغطية العميقة هي التي تبحث في أسباب الظواهر وتطرح الأسئلة حول السياق الذي أنتجها.
وحول دور وسائل التواصل الاجتماعي، أوضحت أبو طعيمة أنها ساهمت في تعزيز حضور النساء ومنحتهن مساحة للتعبير عن قضاياهن وتجاربهن، كما ساعدت في إبراز قصص نساء من مناطق مختلفة، لكنها في الوقت ذاته خلقت تحديات جديدة مرتبطة بطريقة تناول القضايا وترتيب الأولويات وانتشار بعض الخطابات غير المنصفة.
ولفتت إلى أن من أبرز الأخطاء التي يقع فيها الصحفيون وصناع المحتوى عند تناول قضايا النوع الاجتماعي عدم تنويع المصادر، وإهمال السياق، واستخدام لغة غير حساسة، إضافة إلى الاكتفاء بتغطية الحدث دون متابعة ما بعده، مثل مسار القضايا أو تأثيرها على المجتمع.
وأكدت أن التغطية من منظور النوع الاجتماعي لا تعني الحديث عن النساء فقط، بل تعني النظر إلى جميع القضايا من زاوية أوسع تشمل السياسة والاقتصاد والثقافة والحرب والنزاعات، لأن النساء موجودات في كل هذه المجالات ويجب أن يظهرن ضمنها.
وقالت إن الإعلام الفلسطيني نجح في توثيق الكثير من الأحداث والانتهاكات، لكنه ما زال بحاجة إلى مزيد من التعمق في إبراز الأدوار المختلفة للنساء، وعدم اختزالهن في صور مرتبطة بالفقد والمعاناة فقط، خاصة في ظل الظروف الراهنة.
وأضافت أن الإعلام الرقمي لا ينفصل عن الإعلام التقليدي، لأن المحتوى غالبًا ما ينتجه الصحفيون أنفسهم وينتقل بين المنصات المختلفة، وبالتالي فإن تطوير التغطية يحتاج إلى تغيير في طريقة التفكير الصحفي والسياسات التحريرية داخل المؤسسات الإعلامية.
وأكدت أبو طعيمة أهمية إدماج مفاهيم النوع الاجتماعي في مناهج كليات الإعلام وبرامج تدريب الصحفيين، بهدف بناء إعلام أكثر مهنية وعدالة، يعكس المجتمع بكل فئاته ويقدم النساء والرجال وفق أدوارهم الحقيقية.
ويأتي هذا اللقاء ضمن مشروع "نساء نحو إعلام ذكي" الذي تنفذه إذاعة نساء إف إم بالتعاون مع مؤسسة فريدريش ناومان من أجل الحرية.