مستشارة العلاقات الأسرية ميسون ماضي لـ"نساء إف إم": تأجيل الزواج لا يرتبط بـ"هوس الوظيفة" بل بعوامل اقتصادية واجتماعية ونفسية أعمق
رام الله-نساء FM- اية عبد الرحمن: لم يعد تأجيل الزواج لدى الفتيات في المجتمع الفلسطيني مرتبطًا بعامل واحد أو سبب محدد، بل أصبح ظاهرة تتداخل فيها عوامل اقتصادية واجتماعية ونفسية متعددة، خاصة في ظل الظروف الصعبة التي يعيشها المجتمع الفلسطيني خلال السنوات الأخيرة.
هذا ما أكدته الأخصائية الاجتماعية ومستشارة العلاقات الأسرية ميسون ماضي خلال حديثها لـ"نساء إف إم"، حيث أوضحت أن تأجيل الزواج لا يمكن اعتباره دائمًا مشكلة أو مؤشرًا سلبيًا، بل قد يكون في بعض الأحيان قرارًا ناضجًا يهدف إلى تحسين الاختيار والاستعداد لحياة زوجية مستقرة وناجحة.
وقالت ماضي إن الزواج بحد ذاته ليس هدفًا نهائيًا، وإنما وسيلة لبناء حياة أسرية مستقرة، ولذلك فإن حسن الاختيار أهم من سرعة اتخاذ القرار.
وأشارت إلى أن بعض الفتيات يؤجلن الزواج بسبب مخاوف حقيقية مرتبطة بما يشاهدنه من تجارب غير ناجحة في محيطهن الأسري أو الاجتماعي، موضحة أن هذه المخاوف لا تكون دائمًا ناتجة عن تجربة شخصية مباشرة، وإنما قد تتشكل نتيجة قصص وتجارب عايشنها أو سمعن عنها من الأقارب والأصدقاء.
ورفضت ماضي ربط الظاهرة بما يُوصف أحيانًا بـ"الهوس بالوظيفة"، مؤكدة أن القضية أعمق من ذلك بكثير، وترتبط بعوامل نفسية واجتماعية واقتصادية متشابكة.
وأوضحت أن الفتيات والشباب على حد سواء يبحثون اليوم عن الاستقرار المادي والأمان الشخصي قبل الإقدام على الزواج، خاصة في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة وارتفاع معدلات البطالة وتراجع فرص العمل.
وقالت إن التحولات التعليمية والاجتماعية ساهمت أيضًا في تغيير معايير الاختيار لدى الكثير من الفتيات، حيث أصبحت نسبة كبيرة منهن تستكملن تعليمهن الجامعي والدراسات العليا، بينما يضطر عدد من الشباب إلى دخول سوق العمل مبكرًا لتأمين متطلبات الحياة وبناء مستقبلهم، ما أدى إلى وجود فجوة بين الطرفين فيما يتعلق بالمؤهلات التعليمية والتوقعات المستقبلية.
وأشارت إلى أن هذا الواقع خلق تحديًا جديدًا أمام الشباب والفتيات، يتمثل في كيفية إيجاد مساحة مشتركة للتفاهم بعيدًا عن التركيز المفرط على الشهادات الأكاديمية أو الوضع الاقتصادي فقط، مؤكدة أن المجتمع بحاجة إلى إعادة النظر في بعض المعايير التي باتت تعيق فرص الزواج والاستقرار الأسري.
وحول تأثير التجارب السابقة والخوف من الفشل، أوضحت ماضي أن ارتفاع نسب الطلاق والمشكلات الأسرية التي يشهدها المجتمع جعل العديد من الشباب والفتيات أكثر حذرًا في اتخاذ قرار الزواج. وأضافت أن التأجيل إذا كان مرتبطًا باستكمال التعليم أو الاستعداد النفسي وتحقيق الجاهزية المطلوبة، فإنه قد يكون قرارًا مسؤولًا، إلا أن التأجيل المفرط قد يخلق صعوبات إضافية مع التقدم في العمر.
وأكدت أن الأشخاص الذين يتأخرون في الزواج لا يصبحون أقل رغبة في الارتباط، بل غالبًا ما يصبحون أكثر وعيًا ونضجًا في اختيار شريك الحياة، ويرفضون الدخول في علاقات غير مناسبة فقط بسبب ضغوط المجتمع أو الخوف من التأخر في الزواج.
وتطرقت ماضي إلى دور الأسرة في هذا الملف، مشيرة إلى أن الأسرة قد تكون عامل دعم إيجابي في بعض الأحيان، لكنها قد تتحول إلى مصدر ضغط عندما تفرض شروطًا مرتفعة أو تمارس ضغوطًا تدفع نحو قرارات زواج غير مدروسة. كما لفتت إلى أن النظرة المجتمعية للشباب والفتيات غير المتزوجين ما زالت تشكل عبئًا نفسيًا على الكثيرين.
وأكدت أن الظروف الاقتصادية الحالية تعد من أصعب المراحل التي يمر بها المجتمع الفلسطيني، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على قرارات الزواج لدى الشباب والفتيات. وقالت إن ارتفاع تكاليف الحياة وتراجع الاستقرار المالي دفع الكثيرين إلى تأجيل الارتباط، كما ساهم في ارتفاع معدلات العزوف عن الزواج لدى الجنسين.
وشددت ماضي على أن الزواج ليس سباقًا مع الزمن، لكنه أيضًا ليس مشروعًا مؤجلًا إلى أجل غير معلوم، بل قرار يحتاج إلى النضج والوعي والشجاعة. ودعت الشباب والفتيات إلى عدم الاستسلام للخوف أو المقارنات الاجتماعية، وعدم بناء قراراتهم على تجارب الآخرين فقط، مؤكدة أن لكل شخص ظروفه الخاصة وتجربته المختلفة.
وقالت ماضي إن المطلوب اليوم هو تحقيق التوازن بين الطموح الشخصي والاستقرار الأسري، وأن اختيار الشريك المناسب القائم على الاحترام والتفاهم وتحمل المسؤولية يجب أن يكون الأساس في أي قرار زواج، بعيدًا عن الضغوط الاجتماعية أو الحسابات المادية البحتة، مشددة على أن الحياة الزوجية الناجحة تقوم على الشراكة الحقيقية والتعاون، وأن بناء أسرة مستقرة يبقى مسؤولية مشتركة تتطلب الوعي والاستعداد من الطرفين.