المرأة الفلاحة في تونس ورهانات التمكين الاقتصادي
تونس ـ نساء FM- مع إطلالة شمس كل يوم تخرج العاملات الفلاحات في تونس إلى عمق الأرياف والسهول ليغرسن الأمل مع كل حبة قمح ومع كل نبتة تزرع في تلك الحقول الهادئة. هؤلاء النسوة هن لسن مجرد عاملات فلاحيات، بل هن «حارسات الأرض» والعمود الفقري للأمن الغذائي في تونس. لكن اليوم، لم تعد معركتهن مع الأرض وحدها، بل مع عدو «مناخي» متطرف يغير قواعد اللعبة، ومع واقع اقتصادي وتشريعي يضع هؤلاء النسوة في مواجهة مباشرة مع التهميش. ويجمع الخبراء اليوم على أن قضية تمكين المرأة الفلاحة اقتصاديا هي ضرورة وجودية لاستمرار الحياة في الريف التونسي.
وتشهد تونس كجزء من حوض المتوسط تسارعا مخيفا في وتيرة التغيرات المناخية. فرغم تسجيل معدلات جيدة من الأمطار هذا العام، إلا أن الجفاف الذي شهدته البلاد خلال السنوات الأخيرة وارتفاع درجات الحرارة، كلها عوامل تهدد الإنتاج الفلاحي. وهنا تبدو المرأة الفلاحة هي الضحية الأولى لهذا الاضطراب والتغيرات المناخية.
فبسبب استنزاف الموارد تضطر النساء لقطع مسافات أطول لتوفير المياه للري والمنزل، ما يزيد ما يسمى «فقر الوقت»، حيث يقضين ساعات طوال في أعمال شاقة ومجانية بدلا من استثمار ذلك الوقت في مشاريع منتجة.
تعتمد أغلب النساء الريفيات على «الفلاحة المعيشية» أو تربية الماشية الصغرى، وهي قطاعات تتأثر فورا بنقص الأعلاف والمياه، ما يجعلهن أول من يفقد مصدر رزقهن عند كل موجة جفاف.
ومع تدهور الأراضي، تضطر العائلات للهجرة نحو المدن، حيث تجد المرأة نفسها في أحزمة الفقر الحضرية، فاقدة لمهاراتها الفلاحية ولقدرتها على الإنتاج.
فجوة الموارد
تكشف التقارير الإحصائية الحديثة عن مفارقة صارخة في الريف التونسي، حيث تمثل النساء القوة العاملة الحقيقية بنسبة مساهمة تتجاوز 70 في المئة في مجمل العمل الفلاحي. وتصل هذه النسبة في بعض المناطق الكبرى لإنتاج الحبوب والزيتون في الشمال والوسط إلى قرابة 90 في المئة. ورغم هذا الحضور الطاغي، تشير دراسة محلية حول «تمكين النساء في الوسط الريفي» إلى أن أقل من 7 في المئة من الفلاحات يمتلكن الأراضي التي يعملن بها، وهو ما يعيق وصولهن إلى القروض البنكية الرسمية التي تشترط «سند ملكية». وتؤكد الأرقام أن نسبة النفاذ إلى التمويل البنكي المنظم لا تتعدى 3 في المئة بين الريفيات، ما يدفعهن نحو الاقتراض الصغير أو العمل في ظروف هشة تفتقر لأدنى معايير الحماية الاجتماعية.
على صعيد التعليم والأمية، لا تزال الفجوة قائمة، حيث تسجل المناطق الريفية نسب أمية بين النساء تتراوح بين 25 في المئة و35 في المئة، وهي نسبة تضاعف المعدل الوطني العام. هذا التحدي التعليمي ينعكس مباشرة على قدرة المرأة على استيعاب «الفلاحة الذكية» وتقنيات التكيف مع التغير المناخي. وفيما يخص الحماية الاجتماعية، تظهر الدراسات أن قرابة 80 في المئة من النساء في الوسط الريفي لا يتمتعن بتغطية اجتماعية أو صحية قارة، رغم إطلاق مبادرات مثل منظومة «احميني» التي سعت لدمجهن في نظام الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، إلا أن العوائق البيروقراطية وضعف الدخل لا يزالان يحدان من فاعلية هذه البرامج.
وفي سياق التغير المناخي، تشير دراسة أجراها المرصد الوطني للفلاحة بالتعاون مع منظمات دولية إلى أن «فقر الوقت» لدى الريفية زاد بنسبة 15في المئة خلال السنوات الثلاث الأخيرة بسبب الجفاف، حيث تضطر النساء لقطع مسافات تتراوح بين 2 إلى 5 كيلومترات يوميا لجلب المياه في المناطق التي تعاني من شح مائي حاد. اقتصاديا، تساهم الريفيات في إنتاج ما يقارب 35 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي الفلاحي عبر الصناعات التحويلية الصغرى (كالتقطير، وتثمين البذور، وصناعة الأجبان). ومع ذلك، فإن 45 في المئة من هؤلاء النساء يصنفن ضمن فئة «العاملات العرضيات» بأجور يومية تقل بنسبة 20 إلى 30 في المئة عن أجور الرجال لنفس ساعات العمل. هذه الأرقام تضع تونس أمام رهان حقيقي لترجمة التشريعات، مثل القانون الأساسي عدد 58 المتعلق بالقضاء على العنف ضد المرأة الذي يشمل العنف الاقتصادي، إلى آليات تنفيذية تضمن التوزيع العادل للثروة والموارد في الأرياف.
المقاربة التشاركية كطريق للنجاة
وفي ظل هذا الواقع الصعب، برزت أصوات علمية وميدانية تنادي بتغيير جذري في طريقة التعامل مع المرأة في الوسط الريفي. وتعتبر الدكتورة نجوى بوراوي رئيسة جمعية حماية البيئة والتنمية المستدامة ببنزرت، من أبرز المدافعات عن منهجية «التمكين الاقتصادي القائم على العلم والواقع».
وتؤكد بوراوي لـ«القدس العربي» أن أي مشروع لا ينطلق من «التشخيص التشاركي» محكوم عليه بالفشل. فالسكان المحليون، وخاصة النساء، هم الأقدر على تحديد المشاكل واقتراح الحلول التي تتوافق مع بيئتهم. الهدف هو أن يحدد الأهالي مشاكلهم بأنفسهم ويعطوا الحلول، ثم يأتي دور الخبراء لتأطير هذه الحلول.
تعتمد هذه الرؤية على شراكة وثيقة مع معاهد بحثية كبرى مثل المعهد الوطني للبحوث الفلاحية «INRAT» والمعهد الوطني للعلوم الفلاحية «INAT». هذه الشراكة تضمن أن تكون الحلول المقترحة ناجحة علميا وقابلة للتطبيق المستدام.
المناصرة وتغيير القوانين
وتعتبر محدثتنا بأن التحدي الأكبر يكمن في «المناصرة». إذ ترى بوراوي أن هناك ثغرات في القوانين والتشريعات تمنع وصول المرأة للموارد. لذا، يجب الضغط على صناع القرار والحكومة لخلق تشريعات مرنة تفك التعقيدات أمام المرأة الريفية.
ان التمكين الاقتصادي يعني تحويل المرأة من «عاملة غير مرئية» إلى «صاحبة مشروع» تمتلك قرارها المالي. وهذا الرهان يمر عبر مسارات واضحة من خلال كسر قيود التبعية المالية، فغالبا ما تعمل الفلاحة في أرض العائلة بدون أجر مباشر، حيث يؤول العائد المالي للرجال. التمكين يهدف لجعلها تشعر بقيمتها واستقلالها المادي، ما يمنحها القدرة على مواجهة الأزمات.
كما أن تثمين المنتجات المجالية والابتكار هو مفتاح الصمود. وهنا تعكس تجربة ولاية باجة نموذجا ملهما. ففي مجمع «النحل» بجبة بإشراف عفاف مدوري يتم استغلال المناخ الفريد لمنطقة جبة المعروفة لإنتاج عسل بيولوجي فائق الجودة. والابتكار هنا يتمثل في تطبيق منهجية «صفر نفايات»، حيث يتم تدوير بقايا شمع النحل لصناعة مستحضرات تجميل طبيعية، ما يخلق قيمة مضافة من فضلات الإنتاج.
وفي مجمع «تيسير الفلاحة» برئاسة سوار الكوكي في سيدي إسماعيل، تعمل النساء على تثمين المنتجات التقليدية مثل القمح والملوخية والشوربة. هذا التحويل يحمي المنتجات من التلف ويسمح ببيعها بأسعار عادلة طوال السنة.
من جهته توضح ليلى بركاتي، المكلفة بتسيير دائرة الإحاطة بالمرأة في الوسط الريفي بالمندوبية الجهوية للتنمية الفلاحية بباجة، لـ«القدس العربي» توضح الدور المؤسساتي في دعم هذه المبادرات. وقالت إن الدائرة تعمل على تأطير الهياكل المهنية النسوية في كامل ولاية باجة وتسهيل ولوج منتجاتهن إلى الأسواق.
وقالت إنه يتم تنظيم «خيم» خاصة لعرض منتجات المجامع التنموية النسائية طيلة شهر لتمكينهن من ترويج منتجاتهن الطبيعية والناجحة مباشرة للجمهور.
وتعكس هذه المبادرات حراكا تنمويا في ولاية باجة يهدف إلى تحويل العمل التقليدي للمرأة الريفية إلى مشاريع اقتصادية مهيكلة تعتمد على الجودة، والتكوين المستمر، والدعم اللوجستي لتسويق المنتجات المجالية رغم كل التحديات.
فتح قنوات التسويق المباشر
تظل مشكلة التسويق هي العائق الأكبر، وتبرز هنا المبادرات المؤسساتية عبر تنظيم فضاءات عرض مباشرة لتمكين النساء من بيع منتجاتهن من دون وسطاء، ما يضمن وصول الربح كاملا لمنتجته الأصلية.
رغم كل هذه الجهود، لا تزال هناك عقبات هيكلية تتطلب تدخلا عاجلا مثل ملكية الأرض، إذ لا تزال نسبة تملك النساء للأراضي الفلاحية في تونس ضئيلة جدا، ما يحرمهن من الحصول على القروض البنكية التي تشترط ضمانات عقارية. وتظل القروض الفلاحية معقدة وشروطها قاسية على صغار الفلاحات، ما يدفعهن نحو القروض الصغرى ذات الفوائد المرتفعة. وعلى صعيد متصل، تعاني أغلب الفلاحات من غياب التغطية الاجتماعية والصحية، ما يجعلهن عرضة للفقر المدقع في حالات المرض أو الشيخوخة أو الكوارث المناخية.
آفاق المستقبل
ويبدو أن مستقبل الفلاحة التونسية في ظل التغير المناخي يعتمد بشكل مباشر على مدى النجاح في تمكين المرأة الريفية. ويتطلب ذلك بحسب الخبراء والمختصين توفير الرقمنة. ويتم ذلك عبر إدماج التكنولوجيا في عمل المجامع التنموية النسائية لتسهيل التسويق الإلكتروني والتواصل مع الخبراء، والتكيف الذكي وذلك من خلال تدريب النساء على تقنيات الري الموفرة، وزراعة أصناف محلية مقاومة للجفاف، وتحويل الحقول الفلاحية إلى نماذج للفلاحة البيولوجية. وكذلك عبر هيكلة القطاع أي تشجيع النساء على الانخراط في الشركات التعاونية والمجاميع المهنية، لأن العمل الجماعي هو الدرع الوحيد ضد تقلبات السوق والمناخ.
ديناميكيات حديثة
وبالتزامن مع الجهود المبذولة لتمكين الريفية تأتي التوصيات التي تم وضعها مؤخرا تحت مشروع «Savoir Eco» في المعهد الوطني للعلوم الفلاحية، حيث سلط هذا المشروع الضوء على تحول تاريخي في المشهد الفلاحي، وانتقلت تونس من مجمع نسائي واحد في عام 2011 إلى 252 مجمع تنمية فلاحية وصيد بحري «GDAP» نسائي بالكامل في عام 2026، يضم أكثر من 7600 منخرطة. وتعززت هذه الديناميكية ببروز 33 شركة تعاونية للخدمات الفلاحية «SMSA» نسائية. ومع ذلك، فإن هذا النمو الكمي الملحوظ لا يزال يواجه تحديات هيكلية كبرى وثقها مشروع «سافوار ايكو» بدقة. وطالب الخبراء في هذا المشروع برفع الحواجز عن الاستقلالية الاقتصادية وكذلك سرعة النفاذ إلى القروض البنكية. وكذلك دعا المشاركون في المشروع إلى إرساء نظام قانوني مرن يعترف بالخصوصية الاقتصادية للمجاميع النسائية الريفية. إضافة إلى تشجيع المسالك القصيرة عبر السماح للمجاميع بتزويد المطاعم المدرسية المحلية بمنتجاتها.
إن المرأة الفلاحة هي التي تحمي الأمن الغذائي في تونس. لذلك فإن تهميشها هو تهميش لمستقبل البلاد الغذائي، وتمكينها هو تمكين لتونس بأكملها. فالهدف هو أن تحس المرأة بقيمتها وبأن لها دورا فعالا واستقلالا ماديا. فالعدالة المناخية تبدأ من إنصاف تلك اليد التي تغرس الأمل في تراب تونس، رغم العطش ورغم قسوة الظروف والتحديات والراهن الصعب.
المصدر : القدس العربي