غزة... أمهات يروين لـ"نساء إف إم" طفولة أبنائهن التي أحرقتها الحرب
غزة-نساء FM- أزهار الكحلوت- تنمو في غزة أجيالٌ تعرف من الطفولة اسمها فقط. فبينما خُلقت الطفولة للّعب والبراءة، يعيش أطفال قطاع غزة صراعًا يوميًا من أجل البقاء. ورغم أن أصوات القصف خمدت، إلا أن آثار الحرب ما زالت تسكن نفوسهم الصغيرة.
في خيمة متهالكة أمام مستشفى شهداء الأقصى بدير البلح وسط قطاع غزة، حيث تقيم عائلة الطفل عمر الجندي (11عاماً)، تجلس أمه ياسمين المكلومة وتقول "لنساء إف إم ": فقد عمر والده شريف في 21 يونيو/حزيران 2024م، أثناء عمله في غزة ، لتفقد الأسرة جميعها معه الأمان والدفء والضحكة التي كانت تملأ بيته .
وتضيف والدته، عندما ودع عمر والده أخذ من دم والده ودهن على وجهه وقال " بدي ريحته تظل فيّي، عشان ما أنساه."
لم يكن ذلك الفقد الوحيد في حياة عمر، فالقصف ذاته خطف منه جده وجدته وعمه وصديقه المقرّب. ومع توالي الصدمات، وجد الطفل نفسه يعتاد طرق ابواب ثلاجات الشهداء .
وتكمل والدته الحديث بحزنٍ على واقعه وتقول: حمل عمر أعباء ومسؤوليات تفوق عمره، فهو من يتولى تعبئة المياه يوميًا من نقاط بعيدة، ويقف في طوابير طويلة للحصول على وجبات من تكايا الطعام ، ليعود بها إلى خيمتهم الصغيرة.
ورغم انقطاع التعليم النظامي بغزة بسبب الحرب، لم يتخلَّ عمر عن التعلم، فواصل دراسته في المساحات التعليمية البديلة التي يديرها متطوعون في المخيم .
فبعد أن كان متفوقًا في دراسته ويحلم أن يصبح طبيبًا، بات حلمه اليوم أن يجد خيمة تأويه مع والدته وإخوته، بعد أن سرقت الحرب منه البيت والحلم.

جسدٌ بلا روح
طفل آخر في عمر الزهور، يونس جمعة، البالغ من العمر 10 أعوام، فقد قدرته على الحركة بعد إصابته بشظية في رأسه خلال استهداف مدرسة تؤوي نازحين في منطقة الصفطاوي شمال غزة، وتقول والدته: "كان يونس يحب الدراسة، لكن الآن توقفت حياته وأصبح لا يدرك ما يدور حوله .
وتسرد والدته بضعفٍ وحزن وتكمل، تعرض يونس لسوء التغذية المستمر، وما زال يحتاج للذهاب إلى المستشفيات بشكل متكرر، ورغم معاناتها من مرض القلب والضغط والسرطان، تبقى والدته بجانبه تهتم به بكل ما أوتيت من قوة.
تحلم والدته أن يحصل على كرسي متحرك يمكنه من الحركة والخروج، لتخفيف معاناته قليلاً وليرى العالم من حوله. اليوم، يونس لا يشعر إلا بوجود والدته، ويحزن إذا لم يسمع صوتها، وفقا لوالدته، محاصرًا داخل جسد لا يتحرك، وطفولة لم يكتمل بها شيء.
قصة يونس ليست مأساة فردية، بل انعكاسًا لجريمة جماعية يدفع ثمنها الأطفال أولاً، إذ يعيش اليوم طريح الفراش بلا أمل قريب في استعادة حياته الطبيعية، وفق ما أفاد الأطباء. تبرز مأساته كصورة موجعة لما وصل إليه حال آلاف الأطفال في غزة، بين من فقدوا أطرافهم، ومن فقدوا أحلامهم، ومن فقدوا القدرة على الحياة.

إحصاءات كارثية
في تقرير صدر خلال شهر أيلول / سبتمبر الماضي أفادت لجنة تابعة للأمم المتحدة ، أن ما لا يقل عن 21 ألف طفل في غزة أصيبوا بإعاقات منذ اندلاع الحرب بغزة في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، نتيجة لما خلّفته العمليات العسكرية من دمار وإصابات واسعة بين المدنيين.
ووفقًا لبيانات المكتب الإعلامي الحكومي في قطاع غزة، بلغ عدد الأطفال الشهداء نحو 20 ألفًا، من بينهم 19 ألفًا و424 وصلوا إلى المستشفيات. كما استُشهد 1009 أطفال لم يتجاوزوا عامهم الأول، و450 رضيعًا وُلدوا خلال الحرب ولم يُكتب لهم النجاة، إضافةً إلى 134 طفلًا فقدوا حياتهم جوعًا أو نتيجة سوء التغذية.
إن طفولة غزة لا تشبه أي طفولة في العالم ، بينما ينشأ اقرانهم في أماكن أخرى على قصص الرسوم المتحركة والألعاب والألوان ، ينشأ أطفال غزة على صور جثث أحبابهم وعلى أنقاض منازلهم المدمرة ، والبحث عن التكيات أو المياه الصالحة للشرب .