أطفال جوعى... ونساء يتقاسمن اللقمة في غزة!
صورة ارشيفية
غزة-نساء FM- (خاص) في قطاع غزة، لم تعد لقمة الخبز حقًا بسيطًا أو يوميًا، بل أصبحت معركة حياة تسعى إليها الأمهات بكل ما تبقّى لهن من عزيمة. نقص الطحين الذي يعصف بالقطاع حوّل الخبز إلى طوق نجاة، وأدخل آلاف الأسر في دوامة من الانتظار، الترقّب، والجوع الذي لا يرحم.
في مخيم إيواء بخانيونس، تجلس أم حسن على الأرض داخل خيمتها المتهالكة، تعجن بيديها كيلو واحدًا من الطحين وصل إليها بعد أسابيع من الطوابير الطويلة والنداء المستمر. سبعة أطفال يحيطون بها بعيون تنتظر، وجوع لا يُقال بل يُشاهد في وجوههم. تقول أم حسن: "أقسم رغيف الخبز إلى ثمانية أجزاء... لكل طفل قطعة، ولي قطعة، وأترك البقية للغد، إن كان هناك غدٌ أفضل." ثم تُكمل بصوت متكسر: "لم أعد أفكر في الطعم... فقط أتمنى ألا يناموا جوعى."
مع استمرار الحصار، بات دخول الطحين إلى غزة شبه محدود، إذ تصل كميات لا تكاد تسد حاجات سكان المناطق المنكوبة والملاجئ. هذا النقص خلق أزمة صحية واضحة، خاصة بين الأطفال الذين باتت أجسادهم الهشة عرضة لسوء التغذية. في نقطة طبية جنوب القطاع، تقول الممرضة بسمة إن أعراضًا مقلقة تظهر على الأطفال دون سن الثانية: شحوب، خمول، وفقدان للشهية، وجميعها مؤشرات على غياب مصادر نشوية كافية.
تتحدث أم محمد، وهي أم لخمسة أطفال، بصوت يحمل ما بين الانكسار والتمرد: "أشعر كل يوم أنني أقل من أم... كيف أشرح لطفلي أن نصف رغيف يكفيه؟ كيف أقنعه أنني لا أملك سوى وجبة واحدة؟"
وفي ظل غياب الأب، المعتقل أو الشهيد، تحمّلت النساء في غزة أعباء مضاعفة، فكنّ عاطفة البيت، وعموده الاقتصادي، ومدبرات تفاصيل الحياة في زمن لم يعد فيه شيء يسير على نحو طبيعي. في تلك الخيام، وداخل المنازل المتهالكة، ولدت بطولات يومية لأمهات يصنعن من لا شيء حياةً تستحق أن تُروى.
مبادرات نسائية لتقاسم الخبز
عدد من النساء شكلّن مبادرات محلية لتقاسم الطحين بين الأسر، وابتكرن وصفات بديلة تعتمد على مكونات محدودة، في ظل غياب كامل للمساعدات الغذائية الكافية. هذه الحركات النسائية تبرز قدرة المرأة الغزية على تحويل الأزمة إلى فعل تضامن إنساني عميق، ورفض للانكسار أمام الجوع والخذلان.
اليوم، لا يُقاس الطحين بعدد الأكياس التي دخلت القطاع، بل بالأثر النفسي والوجداني الذي تركه نقصه في قلوب النساء اللواتي يتحملن مسؤولية الطعام والأمان. أطفال ينامون على أمل رغيف، وأمهات يخجلن من النظر في عيون أطفالهن، وعائلات تُعيد ترتيب أولوياتها بناءً على من يحتاج الطعام أكثر.