الرئيسية » تقارير نسوية » الرسالة الاخبارية »  

خبير الذكاء الاصطناعي عبد الرحمن الخطيب لـ"نساء FM": العالم بحاجة إلى إطار تنظيمي لضبط استخدام الذكاء الاصطناعي
12 آذار 2026
 
 

رام الله-نساء FM- اية عبد الرحمن- في ظل التسارع الكبير الذي يشهده العالم في تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي، تتزايد الدعوات الدولية لوضع أطر تنظيمية وتشريعية واضحة تضبط استخدام هذه التكنولوجيا قبل أن تتجاوز قدرتها حدود السيطرة الحكومية أو المؤسسية.

فالتطور المتلاحق في قدرات أنظمة الذكاء الاصطناعي وانتشارها في قطاعات حساسة مثل الأمن والدفاع والاقتصاد والاتصالات جعل مسألة تنظيمها أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، خاصة مع تزايد المخاوف من إساءة استخدامها أو توظيفها في مجالات قد تؤثر على الأمن القومي أو الخصوصية أو الاستقرار الاجتماعي.

وفي هذا السياق بدأت العديد من الدول والمؤسسات البحثية والخبراء بالمطالبة بوضع ما يشبه “خارطة طريق عالمية” لتنظيم الذكاء الاصطناعي، تحدد حدود استخدامه وآليات الرقابة عليه، وتحقق التوازن بين الابتكار التكنولوجي وتقليل المخاطر المحتملة.

العديد من التقارير الدولية تشير إلى أن غياب التشريعات الواضحة قد يدفع بعض الحكومات والشركات إلى اتخاذ قرارات منفردة بشأن استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، من خلال اتفاقات ثنائية أو سياسات مؤسسية خاصة، بدلاً من أن تكون هذه القرارات جزءاً من سياسات عامة شفافة تخضع للمساءلة.

ويخشى خبراء التكنولوجيا من أن يؤدي هذا الفراغ التنظيمي إلى تضارب في المصالح بين الحكومات وشركات التكنولوجيا الكبرى، خصوصاً في ظل النفوذ الكبير الذي باتت تمتلكه هذه الشركات في تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي وتطبيقاتها.

وفي هذا الإطار أكد خبير الذكاء الاصطناعي عبد الرحمن الخطيب خلال حديثه لإذاعة نساء إف إم أن الحاجة إلى تنظيم الذكاء الاصطناعي أصبحت أكثر إلحاحاً في المرحلة الحالية بسبب التغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي يشهدها العالم، إضافة إلى دخول هذه التكنولوجيا بشكل متزايد في مجالات الأمن والصراعات العسكرية.

وأوضح أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة تقنية تستخدم في التطبيقات المدنية أو الاقتصادية، بل أصبح حاضراً أيضاً في سياقات أمنية وعسكرية، وهو ما يرفع مستوى المطالبات الدولية بضرورة وجود إطار تنظيمي شامل يحدد كيفية استخدامه ويضع ضوابط واضحة لتطبيقاته.

وأشار الخطيب إلى أن الذكاء الاصطناعي في حد ذاته ليس المشكلة، بل إن التحدي الحقيقي يكمن في طريقة استخدامه من قبل الأفراد أو المؤسسات، موضحاً أن هذه التكنولوجيا هي في الأساس أداة يمكن أن توظف لخدمة الإنسان وتطوير المجتمعات، لكنها قد تُستخدم أيضاً في أنشطة ضارة مثل الاحتيال أو سرقة البيانات أو حتى في مجالات أكثر خطورة.

لذلك فإن تنظيم استخدام هذه التقنيات لا يهدف إلى الحد من الابتكار، بل إلى ضمان استخدامها بشكل مسؤول يخدم الأهداف الإنسانية والتنموية.

وتقوم فكرة “خارطة الطريق” لتنظيم الذكاء الاصطناعي على مجموعة من المحاور الأساسية التي تهدف إلى بناء منظومة متكاملة تضبط استخدام هذه التكنولوجياويشير الخطيب إلى أن هذه الخارطة يمكن أن تتضمن عدة عناصر رئيسية، من أبرزها وضع تشريعات وقوانين تنظيمية واضحة تحدد طبيعة استخدام الذكاء الاصطناعي في مختلف القطاعات، إضافة إلى وضع معايير أخلاقية تضمن عدم التحيز في الخوارزميات والأنظمة الذكية، وهو أحد أبرز التحديات التي تواجه تطوير هذه التقنيات.

كما تشمل هذه الخارطة سياسات واضحة لحماية البيانات والخصوصية، إذ إن أنظمة الذكاء الاصطناعي تعتمد بشكل أساسي على تحليل كميات هائلة من البيانات، ما يثير تساؤلات كبيرة حول كيفية جمع هذه البيانات واستخدامها ومن يملك الحق في الوصول إليهالذلك فإن تحديد ضوابط استخدام البيانات يعد جزءاً أساسياً من أي إطار تنظيمي لتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، سواء تعلق الأمر ببيانات الأفراد أو المؤسسات أو حتى البيانات السيادية.

ومن العناصر المهمة أيضاً في خارطة الطريق إنشاء هيئات أو جهات رقابية مختصة تشرف على تطبيق أنظمة الذكاء الاصطناعي وتراقب التزام الشركات والمؤسسات بالقوانين والضوابط المحددةفوجود رقابة فعالة يساعد في الحد من المخاطر المرتبطة باستخدام هذه التكنولوجيا ويعزز الثقة العامة بها، خاصة في القطاعات التي تمس حياة المواطنين بشكل مباشر مثل الصحة والتعليم والخدمات الحكومية.

ورغم أهمية هذه الخطوات، يواجه تنظيم الذكاء الاصطناعي العديد من التحديات، أبرزها السرعة الهائلة في تطور هذه التكنولوجيا مقارنة ببطء عملية سن القوانين والتشريعاتفالتقنيات الجديدة تظهر بشكل متواصل وعلى نطاق عالمي، ما يجعل من الصعب على الحكومات مواكبة هذا التطور بالسرعة الكافيةكما أن الذكاء الاصطناعي بطبيعته تكنولوجيا عابرة للحدود، ما يعني أن تنظيمه يتطلب تنسيقاً دولياً واسعاً وليس مجرد قوانين محلية داخل كل دولة.

ويضيف الخطيب أن تضارب المصالح بين الدول والشركات والمؤسسات المختلفة يمثل تحدياً آخر أمام وضع إطار عالمي موحد لتنظيم الذكاء الاصطناعيفبعض الجهات قد تسعى إلى تسريع استخدام هذه التقنيات لتحقيق مكاسب اقتصادية أو استراتيجية، بينما قد تدعو جهات أخرى إلى فرض قيود أكثر صرامة للحد من المخاطر المحتملة، وهو ما يخلق نوعاً من التباين في الرؤى والسياسات المتعلقة بإدارة هذه التكنولوجيا.

وفيما يتعلق بالدول النامية أو دول المنطقة، يؤكد الخطيب أن الاستعداد لعصر الذكاء الاصطناعي لا يبدأ فقط بوضع القوانين، بل بالاستثمار في الإنسان أولاًفبناء الكوادر البشرية المؤهلة والقادرة على فهم هذه التكنولوجيا والتعامل معها يعد الخطوة الأساسية في أي استراتيجية وطنية للذكاء الاصطناعيكما يشدد على ضرورة الاستثمار في البنية التحتية الرقمية التي تمكن المؤسسات والأفراد من استخدام هذه التقنيات بشكل فعال، بما يشمل تطوير شبكات الاتصالات ومراكز البيانات والبيئات التقنية الداعمة للابتكار.

ويرى خبراء أن المستقبل القريب سيشهد تزايداً في النقاشات الدولية حول تنظيم الذكاء الاصطناعي، خاصة مع توسع استخداماته في مختلف المجالات الاقتصادية والخدميةفبينما توفر هذه التكنولوجيا فرصاً كبيرة لتعزيز الإنتاجية وتحسين الخدمات وتطوير الاقتصاد الرقمي، فإنها في الوقت نفسه تطرح تحديات أخلاقية وقانونية معقدة تتطلب استجابة جماعية من الحكومات والشركات والخبراء.

وفي ظل هذا الواقع، لم يعد السؤال المطروح اليوم يتعلق فقط بمدى قدرة الذكاء الاصطناعي على تغيير حياتنا، بل أصبح يدور حول كيفية إدارة هذه التكنولوجيا وتنظيمها بشكل مسؤول يضمن الاستفادة من إمكاناتها الهائلة دون أن تتحول إلى مصدر مخاطر أو فوضى تكنولوجيةومن هنا تبدو الحاجة ملحة لوضع إطار عالمي متوازن يجمع بين دعم الابتكار التكنولوجي وحماية المجتمعات، ويعزز التعاون بين الحكومات وشركات التكنولوجيا والمؤسسات البحثية لرسم ملامح مستقبل أكثر أماناً واستدامة في عصر الذكاء الاصطناعي

الاستماع الى اللقاء