الرئيسية » تقارير نسوية » الرسالة الاخبارية »  

نساء غزة: حارسات البقاء في مواجهة "المستحيل"
19 كانون الثاني 2026

 

 

غزة-نساء FM- (خاص) في مشهد يتجاوز حدود المأساة التقليدية، تقف المرأة الفلسطينية في قطاع غزة اليوم في قلب العاصفة، لا بوصفها ضحية للحرب فحسب، بل كحارسة للحياة في وجه الانهيار الشامل. وسط الركام والنزوح والجوع، تحولت النساء إلى العمود الفقري لمجتمع يحاول البقاء على قيد الأمل، بعد أكثر من عامين من التصعيد العنيف الذي أعاد تشكيل كل تفاصيل الحياة اليومية.

لغة الأرقام… حين تصبح المعاناة مؤنثة

تشير تقارير صادرة عن هيئة الأمم المتحدة للمرأة (UN Women) ومكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) في مطلع عامي 2025 و2026، إلى أن النساء والفتيات في غزة يتحملن العبء الأكبر من تداعيات الحرب المستمرة.

  • الضحايا: تشكّل النساء والأطفال نحو 60% من إجمالي الضحايا والمصابين.

  • فقدان المعيل: آلاف النساء أصبحن معيلات وحيدات لأسرهن بعد فقدان الأزواج، في ظل انعدام شبه كامل لفرص العمل.

  • الأزمة الصحية: تعاني أكثر من 150 ألف امرأة حامل ومرضع من سوء تغذية حاد وفقر دم، نتيجة انهيار المنظومة الصحية وخروج معظم المستشفيات عن الخدمة.

وفي هذا السياق، تقول سيما بحوث، المديرة التنفيذية لهيئة الأمم المتحدة للمرأة: "النساء في غزة لا يواجهن الحرب فقط، بل يواجهن انهياراً شاملاً في كل مقومات الحياة، ومع ذلك يواصلن حماية أسرهن ومجتمعاتهن بشجاعة استثنائية."

الحمل والولادة… إنجاب الحياة تحت القصف

لم تعد تجربة الحمل والولادة في غزة مساراً طبيعياً، بل تحولت إلى معركة يومية من أجل البقاء. فمع تدمير معظم أقسام الولادة، تضطر آلاف النساء للولادة في الخيام، أو مراكز النزوح، أو داخل منازل مدمرة تفتقر لأبسط شروط السلامة والرعاية الصحية.

وتشير تقديرات صندوق الأمم المتحدة للسكان (UNFPA) إلى أن نحو 50 ألف امرأة حامل يحتجن بشكل عاجل إلى خدمات رعاية صحية متخصصة، في وقت تُسجّل فيه يومياً عشرات حالات الولادة دون إشراف طبي كافٍ. كما ارتفعت مخاطر النزيف، والولادة المبكرة، ومضاعفات ما بعد الولادة، نتيجة سوء التغذية ونقص الأدوية والمستلزمات الطبية.

وتؤكد ناتاليا كانم، المديرة التنفيذية لصندوق الأمم المتحدة للسكان، أن:"النساء في غزة يلدن في ظروف لا إنسانية، أحياناً من دون تخدير أو مياه نظيفة أو معدات طبية أساسية، وهذا يشكل انتهاكاً صارخاً لحقهن في الصحة والحياة."

بدورها، تحذر منظمة الصحة العالمية من أن استمرار انهيار خدمات الصحة الإنجابية يهدد حياة الأمهات وحديثي الولادة، وينذر بعواقب طويلة الأمد على جيل كامل.

"حرب الخصوصية"… المعاناة الصامتة

بعيداً عن مشاهد القصف، تخوض النساء حرباً أخرى داخل مراكز النزوح المكتظة. تشير تقديرات أممية إلى أن أكثر من 700 ألف امرأة وفتاة يفتقرن إلى مستلزمات النظافة الشخصية الأساسية، في ظل شح المياه وانعدام البنية التحتية الصحية.

إحدى النازحات في دير البلح تصف الواقع قائلة: "الخيمة أصبحت هي البيت والمطبخ والحمام. نفقد أبسط حقوقنا الإنسانية في الخصوصية، لكننا مجبرات على الاستمرار من أجل أطفالنا."

وتحذر منظمات دولية من أن هذا الواقع يفاقم مخاطر الأمراض، والعنف القائم على النوع الاجتماعي، والانتهاكات الصحية والنفسية بحق النساء.

الصمود والابتكار… حين تتحول المرأة إلى مؤسسة

رغم النزوح القسري الذي طال أكثر من 900 ألف امرأة، لم تستسلم نساء غزة. فمن قلب المعاناة، برزت مبادرات نسوية أعادت تعريف الصمود:

  • التعليم الشعبي: تحويل الخيام ومراكز الإيواء إلى مساحات تعليمية بديلة للأطفال.

  • التكافل الاجتماعي: مبادرات "التكية" النسوية لطهي وتوزيع الطعام على الأسر الأشد فقراً.

  • العمل التطوعي: استمرار النساء في العمل داخل النقاط الطبية الميدانية ومراكز الدعم النفسي، حتى بعد الإصابة أو الفقدان.

ويقول فيليب لازاريني، المفوض العام لوكالة الأونروا:"نساء غزة يشكلن خط الدفاع الأخير عن النسيج الاجتماعي، ومن دون جهودهن اليومية كان الانهيار الكامل أمراً محتماً."

ما بين الصمود والخذلان الدولي

رغم هذا الدور المحوري، تؤكد منظمات حقوقية وإنسانية أن الاستجابة الدولية لا تزال دون مستوى الكارثة، خاصة في ما يتعلق بالاحتياجات الخاصة بالنساء والفتيات. وتشدد منظمة العفو الدولية على أن حماية النساء في غزة لم تعد شأناً إنسانياً فقط، بل مسؤولية قانونية وأخلاقية عاجلة.