
غزة-نساء FM- (خاص) مع اشتداد موجات البرد والأمطار في قطاع غزة، تواجه آلاف الأسر، وخصوصًا النساء، واقعًا إنسانيًا مأساويًا يفاقم المعاناة التي يعشنها منذ سنوات من النزاع والتهجير. في ظل المنازل المدمّرة والخيام المتواضعة التي لا توفر حماية كافية من الطقس القارس، تتحمل النساء أعباءً مضاعفة في تأمين المأوى والرعاية للأطفال وكبار السن، بينما تتواصل الاحتياجات الأساسية دون استجابة كافية.
ووفق تقديرات أممية، يعيش أكثر من 1.7 مليون نازح في القطاع داخل خيام أو مساكن مؤقتة غير مهيّأة لفصل الشتاء، وتشكل النساء والأطفال النسبة الأكبر منهم. ومع تسرب مياه الأمطار، وانعدام وسائل التدفئة، تجد آلاف النساء أنفسهن في مواجهة مباشرة مع البرد، وهنّ مسؤولات في الوقت ذاته عن حماية أطفالهن، وتأمين الغذاء، ومواجهة المرض داخل ظروف قاسية.
نساء بلا حماية
تقول مؤسسات إغاثية عاملة في غزة إن آلاف الخيام المصنوعة من النايلون والقماش الخفيف لا توفر الحد الأدنى من الحماية من الرياح والأمطار، ما يضطر النساء إلى قضاء ليالٍ طويلة في محاولة إبقاء الأطفال دافئين بوسائل بدائية، في ظل شحّ الأغطية والملابس الشتوية. وتشير تقارير إنسانية إلى أن أكثر من 60% من الأسر النازحة ترأسها نساء بعد فقدان المعيل أو إصابته، ما يجعل المرأة في خط المواجهة الأول مع تبعات الشتاء.
وتشير بيانات صندوق الأمم المتحدة للسكان (UNFPA) إلى أن أكثر من 57,000 أسرة في غزة تُدار بواسطة نساء تواجه “صعوبات قصوى”، مع آمال متواضعة في وجود مصدر للدخل أو الدعم الكافي في ظل تراجع الخدمات الأساسية والظروف المناخية الصعبة.
وسلط ممثل UNFPA في فلسطين، نيستور أوموهانجي، الضوء على تأثير الشتاء في زيادة معاناة النساء اللواتي يعشن في أماكن نزوح مزدحمة بلا تدفئة كافية، قائلاً إن “الطقس البارد والأمطار تزيد من هشاشة النساء وأسرهن وتفاقم الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية التي يعانين منها يوميًا”.
انعكاسات صحية خطيرة
القطاع الصحي المنهك أصلاً، يشهد ارتفاعًا ملحوظًا في حالات الإصابة بالأمراض التنفسية بين النساء والأطفال. وتؤكد مصادر طبية أن النساء الحوامل يواجهن مخاطر إضافية، في ظل البرد وسوء التغذية ونقص المتابعة الطبية، حيث تعاني آلاف الحوامل من فقر الدم وسوء التغذية، ما يهدد صحتهن وصحة الأجنّة.
كما تحذر منظمات صحية من أن انخفاض درجات الحرارة، مقترنًا بالاكتظاظ داخل مراكز الإيواء، يسرّع من انتشار الأمراض، في وقت تفتقر فيه النساء إلى الخصوصية والرعاية الصحية الأساسية، بما في ذلك مستلزمات النظافة الشخصية والرعاية الإنجابية.
اليونيسف وثّقت حالات التغذية الحادة بين الأطفال، وأشارت إلى أن نقص الغذاء والسكن الملائم يزيد من مخاطر الأمراض الشتوية التي تدفع العائلات، وبخاصة النساء الحوامل والأمهات، إلى مواجهة تحديات صحية غير مسبوقة.
إلى ذلك، أظهرت تقارير أممية أن العواصف والفيضانات أدت إلى نزوح أو تضرر ما يقرب من 65,000 أسرة في مواقع النزوح، مما زاد الضغوط على النساء في تأمين أماكن أكثر أمانًا لأسرهن.
المساعدات الشتوية… جهود مستمرة وسط قيود متزايدة
بحسب الأمم المتحدة، تستمر عمليات الإغاثة رغم الظروف الصعبة، حيث تم توزيع آلاف الخيام والأغطية ومستلزمات الشتاء الأساسية، وتقديم مساعدات غذائية ونظافة ومواد للتدفئة، إلى جانب توفير المياه والخدمات الصحية في بعض المناطق.
لكن المسؤولين الأممين يحذرون من أن هذه الجهود ليست كافية وأن القيود على دخول المساعدات تُعرّض حياة المدنيين للخطر مع تفاقم الشتاء. قال المتحدث باسم الأمم المتحدة ستيفان دوجاريك إن هناك “احتياجات ضخمة في غزة، والطقس البارد يفاقم المعاناة وسط نقص الخدمات الأساسية”، مؤكّدًا استمرار الدعم بالرغم من الصعوبات.
وحذّر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش من أن القيود الأخيرة المفروضة على عمل المنظمات غير الحكومية الدولية في غزة “تعرّض الخطة الإنسانية للمخاطر”، داعيًا إلى رفع هذه القيود والسماح بوصول المساعدات دون عوائق لمواجهة الظروف القاسية التي يفرضها الشتاء على المدنيين.
كما أكدت وكالة الأونروا أن دخول مواد الإيواء والأدوات الشتوية ضروري لمساعدة العائلات على مواجهة الأمطار والبرد، مشيرة إلى أن “الشتاء يجعل الظروف أكثر يأسًا للمشردين الذين يقيمون في خيام بدائية”.
نساء غزة… في مقدم خط الدفاع عن الأسرة
في غزة، أصبحت النساء في قلب الأزمة الإنسانية. ففي الوقت الذي يحاولن حماية أسرهن من برد الشتاء، يواجهن أيضًا مخاطر صحية واقتصادية واجتماعية متعددة. معايير العيش الأساسية، مثل التدفئة، والغذاء، والرعاية الصحية، أصبحت تحديًا يوميًا في ظل انعدام الأمن الغذائي وتفكك البنية التحتية.
ورغم بعض الجهود الدولية، تبقى الاحتياجات تتجاوز ما يتم توفيره، مما يستدعي استجابة أكبر وأكثر تنسيقًا على المستويات الدولية لحماية النساء والأطفال والفئات الضعيفة في ظل هذه الظروف المناخية القاسية.
