
رام الله-نساء FM- جاء قرار إلغاء كافة فعاليات الانطلاقة لهذا العام كموقف سياسي ووطني وأخلاقي واضح، يعكس حجم القلق والمسؤولية تجاه واحدة من أكثر القضايا حساسية ومركزية في الوجدان الفلسطيني، وهي قضية رواتب الأسرى والشهداء والجرحى. هذا القرار لم يكن إجراءً شكلياً أو عابراً، بل رسالة احتجاج واعية أرادت حركة فتح من خلالها أن تقول إن الانطلاقة، بما تمثله من رمز للثورة الفلسطينية والهوية الوطنية ومسار النضال الطويل، لا يمكن أن تُحتفل بها بينما تُمس كرامة من صنعوا هذه الانطلاقة بدمائهم وتضحياتهم وآلامهم. فالانطلاقة ليست طقساً احتفالياً فقط، بل هي تجديد عهد مع الشهداء والأسرى والجرحى، وأي احتفال يفقد معناه إذا غابت العدالة الاجتماعية والالتزام الوطني تجاه هذه الفئات المناضلة.
وفي هذا السياق، أوضحت كفاح حرب عضو المجلس الثوري لحركة فتح، خلال لقائها مع إذاعة نساء إف إم، أن الرسالة السياسية الأساسية من إلغاء الفعاليات هي رسالة موجهة أولاً إلى الشعب الفلسطيني بكل مكوناته، وثانياً إلى العالم أجمع، مفادها أن قضية الأسرى والشهداء والجرحى ليست ملفاً مالياً أو إدارياً قابلاً للمساومة أو التأجيل، بل هي جوهر المشروع الوطني الفلسطيني وأحد أعمدته الأخلاقية والسياسية. وأكد أن هذه الفئات لم تكن يوماً عبئاً على الشعب الفلسطيني، بل كانت وما زالت رأس مال القضية الوطنية، وأن المساس بحقوقها هو مساس مباشر بالهوية الوطنية وبأسس النضال الفلسطيني الذي قام على التضحية والفداء.
وأشارت حرب إلى أن حركة فتح، ومن خلال بيان أمانة السر في المحافظات الشمالية، ارتأت أن تقف هذا العام موقفاً احتجاجياً صامتاً، لا يطفئ شعلة الانطلاقة ولا يتنكر لتاريخها، لكنه يرفض في الوقت ذاته تحويل المناسبة إلى احتفال في ظل حرمان عائلات الشهداء والأسرى والجرحى من أبسط حقوقهم. فالامتناع عن إقامة الفعاليات هو تعبير عن التضامن الحقيقي والالتحام الصادق مع هذه القضية المركزية، ورسالة مفادها أن فتح لا يمكن أن تحتفل بتاريخها الثوري بينما تعاني العائلات التي قدمت أغلى ما تملك من ضيق اقتصادي وحرمان يمس كرامتها الإنسانية.
ومن زاوية الالتزام الوطني والبعد الأخلاقي، شددت كفاح حرب على أن قرار وقف صرف الرواتب لا يمكن النظر إليه بمعزل عن السياق العام الذي يعيشه الشعب الفلسطيني، في ظل حصار مطبق من كل الجهات، وإبادة جماعية مستمرة يتعرض لها أهلنا في قطاع غزة منذ أكثر من عامين، إضافة إلى الحصار المالي الخانق واحتجاز أموال المقاصة، والتغول الاستيطاني الذي يلتهم الأرض ويخنق الحياة اليومية في الضفة الغربية، من خلال السيطرة على الطرق والممرات ومصادر الرزق، واقتلاع الأشجار، ومحاولة التحكم حتى في الهواء الذي يتنفسه الفلسطيني. كل هذه الانتهاكات الصارخة، التي تخالف الشرعية الدولية ومواثيق حقوق الإنسان، تجعل من وقف رواتب الأسرى والشهداء والجرحى خطوة شديدة الخطورة على النسيج الاجتماعي وعلى منظومة القيم الوطنية.
وأوضحت أن هذه الرواتب ليست منّة ولا مكافأة، بل حق وواجب وطني وأخلاقي تجاه عائلات دفعت أثماناً باهظة دفاعاً عن حرية الشعب الفلسطيني وحقه في تقرير مصيره. وحرمان هذه العائلات من مصدر دخلها في ظل أوضاع اقتصادية متدنية وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، يعني دفعها نحو مزيد من التهميش والمعاناة، ويهدد التماسك الاجتماعي، ويزرع شعوراً بالظلم والقهر في صفوف فئة يفترض أن تحظى بأعلى درجات الرعاية والاحترام.
وأكدت حرب أن كرامة الشعب الفلسطيني لا تتجزأ، وأن المساس بكرامة عائلات الشهداء والأسرى والجرحى هو مساس بكرامة كل فلسطيني. فمن غير المقبول وطنياً وأخلاقياً أن تبدأ أي مناسبة أو احتفال وطني بقراءة الفاتحة على أرواح الشهداء، ثم يُترك أبناؤهم وأسرهم محرومين من الحقوق التي تضمن لهم حياة كريمة. فالشهداء لم يقدموا أرواحهم ليُترك أبناؤهم في مواجهة الفقر والحاجة، والأسرى لم يضحوا بحريتهم ليُدار ظهر المجتمع لعائلاتهم.
الاستماع الى اللقاء
