
رام الله-نساء FM- في مشهد إنساني ثقيل على القلب، تعيش نساء مخيم نور شمس حالة صادمة من عدم اليقين، بعد قرارات هدم جديدة طالت بيوتًا داخل المخيم، ووسّعت دائرة الخسارة من الجدران إلى الأمان الأسري والاستقرار الاجتماعي. هذا الواقع القاسي نقلته لإذاعة نساء إف إم الناشطة المجتمعية نهاية الجندي، واحدة من نساء المخيم اللواتي وجدن أنفسهن في قلب العاصفة، يوثّقن الألم لا كخبر عابر، بل كتجربة معيشة يومية.
منذ التاسع من شباط وحتى اليوم، لم يتوقف المشهد عن التكرار: اقتحامات، شوارع تُفتح بالقوة داخل أزقة ضيقة، بيوت تُجرف، وناس يُدفعون خارج بيوتهم رغماً عنهم. لكن القرار الأخير كان الأكثر قسوة، إذ تم تبليغ الارتباط ومحافظ طولكرم بخارطة جديدة وُضعت عليها إشارات حمراء لبيوت مرشّحة للهدم داخل المخيم. هذه البيوت، كما تقول الجندي، ليست بيوت “حالات خاصة” أو “أهداف أمنية”، بل بيوت فقراء، ومرضى، وأشخاص من ذوي الإعاقة، وعائلات لم تمتلك من أدوات الحياة سوى بيت رممته على مدار سنوات بإمكانيات محدودة، ليكون الحد الأدنى من الاستقرار.
المشهد لحظة التنفيذ كان موجعًا بكل المقاييس. نساء يودعن بيوتهن بالدموع، أطفال يتمسكون بمقتنيات بسيطة، وأثاث مكسور أو محترق يُنقل فقط لأنه يحمل ذاكرة، لا قيمة مادية. رجال يبكون بصمت، ونساء يسألن السؤال الأصعب: إلى أين نذهب الآن؟ هذه ليست لحظة عاطفية عابرة، بل نقطة كسر حقيقية في حياة آلاف الأسر.
التهجير لم يتوقف عند فقدان البيت، بل تمدد كأزمة معيشية متكاملة. المخيم، الذي كان يضم نحو 13 ألف نسمة، بات مفرغًا من سكانه تدريجيًا، مع تشتيت ما يقارب 1500 عائلة على مستوى محافظة طولكرم. العائلات أُجبرت على استئجار بيوت خارج المخيم، في القرى المحيطة، وغالبًا بيوت قديمة وغير مهيأة للسكن، كانت مهجورة قبل أن تتحول فجأة إلى ملاذ اضطراري. الإيجار تحوّل إلى عبء شهري خانق، في ظل غياب كامل لأي دخل، أو فرص عمل، أو مشاريع مدرّة للدخل.
وفق ما توضحه الجندي، لا توجد اليوم شبكة أمان حقيقية. المؤسسات المحلية والمجتمعية والجمعيات الإغاثية مثقلة، والقدرة على الاستجابة محدودة، بينما لا توجد جهة رسمية أو دولية تلتزم بتغطية الإيجار الشهري للعائلات. المؤجرون، من جهتهم، بدأوا يطالبون بالإيجار بشكل منتظم، يطرقون الأبواب ويتصلون بالعائلات، بينما المستأجرون لا يملكون شيئًا. الجميع خاسر، لكن العائلات المهجّرة هي الطرف الأضعف في هذه المعادلة غير العادلة.
الأزمة انعكست أيضًا على تفاصيل الحياة اليومية. كثير من العائلات اضطرت لشراء أثاث مستعمل وغير صالح للاستخدام، فقط لتسيير أمور الحياة. لا أحد يملك ترف الاختيار، ولا أحد يستطيع مساعدة الآخر، لأن الجميع في حالة فقدان شامل. حتى الروابط العائلية، التي طالما شكّلت شبكة دعم داخل المخيم، تعرضت للتفكك بفعل التهجير والتوزع الجغرافي.
ما يحدث في نور شمس اليوم ليس مجرد حدث أمني أو إجراء مؤقت، بل أزمة إنسانية ذات أثر طويل الأمد، خصوصًا على النساء اللواتي يحملن العبء الأكبر في إعادة ترتيب الحياة من الصفر، وعلى الأطفال الذين يفقدون إحساسهم بالمكان والانتماء. إنها ضربة مباشرة للأمان الأسري، وتكريس لحالة هشاشة اجتماعية عميقة، في ظل صمت دولي، واستجابة محدودة لا ترقى لحجم الكارثة.
نساء مخيم نور شمس لا يطلبن المستحيل، بل الحد الأدنى من الحق في السكن، والاستقرار، والحياة بكرامة. وما لم يتم التعامل مع هذه الأزمة بعقلية حلول مستدامة، لا إسعافات مؤقتة، فإن المشهد مرشح لأن يتكرر، ويتحول من مأساة محلية إلى نموذج دائم للتهجير القسري وتفكيك المجتمع، بكل ما يحمله ذلك من كلفة إنسانية واجتماعية لا تُقاس بالأرقام فقط، بل بالأرواح والذكريات التي تُهدم مع كل بيت.
الاستماع الى اللقاء :
