
رام الله-نساء FM- رغم التحصيل العلمي المتقدم للنساء الفلسطينيات وقدرتهن الواضحة على الانخراط في مختلف القطاعات، ما زالت الفجوة الجندرية في سوق العمل الفلسطيني تشكل أحد أبرز التحديات الاقتصادية والاجتماعية. هذه الفجوة لا تقتصر على فرص التوظيف، بل تمتد إلى الأجور، ونوعية العمل، والمشاركة في مواقع صنع القرار، ما يطرح تساؤلات جدية حول عدالة السياسات الاقتصادية وقدرتها على تحقيق المساواة بين الجنسين.
استضاف برنامج "ملهمات الوطن"، ضمن برنامج "قريب" الذي تنفذه الوكالة الفرنسية للتنمية الإعلامية (CFI)، وتبثه إذاعة نساء إف إم، رئيسة لجنة الأجور في الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين، عائشة حموضة، حيث ناقش واقع المساواة في الأجور بين الجنسين في سوق العمل الفلسطيني، بين التحديات القائمة والطموحات المستقبلية.
وتشير بيانات الجهاز المركزي الفلسطيني للإحصاء إلى فجوة واسعة بين الرجال والنساء في سوق العمل. ففي عام 2022، بلغت نسبة مشاركة الذكور في القوى العاملة نحو 70.7% مقابل 18.6% للإناث فقط، أي أن مشاركة الرجال في العمل تفوق بأكثر من 3.8 مرة مقارنة بالنساء.
كما بلغ معدل البطالة بين النساء حوالي 40%، مقابل 20% بين الرجال، في حين وصلت البطالة بين الخريجين الشباب (19–29 سنة) إلى 48.3%، منها 61.3% للإناث مقابل 34.3% للذكور.
وأكدت حموضة أن الإشكالية الأساسية في سوق العمل الفلسطيني لا تتعلق بقدرة النساء على العمل أو كفاءتهن، مشددة على أن النساء “جاهزات ومتمكنات ولديهن القدرة على الإسهام في جميع القطاعات”، وإنما تكمن المشكلة في السياسات الاقتصادية غير العادلة والتوزيع غير المتوازن للفرص، ما يكرس فجوة واضحة في الأجور بين الرجال والنساء.
وأشارت إلى أن هذه الفجوة تظهر بشكل أكبر في بعض القطاعات التي يغلب عليها أحد الجنسين، لا سيما القطاعات ذات الطابع النسائي مثل رياض الأطفال، حيث يؤثر ارتفاع عدد العاملات مقارنة بالرجال على هيكل الأجور ومستوى المنافسة، ما يؤدي أحياناً إلى تدني الأجور واتساع الفجوة الاقتصادية.
وتدعم المعطيات الإحصائية هذا الواقع، إذ تشير البيانات إلى أن مشاركة النساء في سوق العمل الفلسطيني ما زالت من بين الأدنى عالمياً، في مقابل معدلات مشاركة مرتفعة للرجال، إلى جانب معدلات بطالة أعلى بين النساء، خاصة بين خريجات الجامعات. كما تُظهر الدراسات أن متوسط الأجور التي تتقاضاها النساء أقل من الرجال في معظم القطاعات، حتى عند تساوي المؤهل العلمي وسنوات الخبرة، ما يعكس وجود تمييز مباشر وغير مباشر في سوق العمل.
وأضافت حموضة أن هذه الفجوات لا ترتبط بنقص الكفاءة أو الرغبة في العمل، بل تعود إلى عوامل بنيوية تشمل ضعف إنفاذ القوانين العمالية، وتحيز بعض السياسات الاقتصادية، وحصر النساء في قطاعات معينة ذات أجور متدنية. وأكدت على ضرورة وجود منظومة وطنية واضحة لدمج النساء في جميع القطاعات، مع تطبيق صارم لمبدأ الأجر المتساوي مقابل العمل المتساوي.
كما شددت على أهمية التوعية المجتمعية بدور النساء الاقتصادي، إلى جانب تمكين النساء من المشاركة في مواقع صنع القرار، باعتبار ذلك مدخلاً أساسياً لصياغة سياسات تعكس احتياجاتهن الاقتصادية والاجتماعية بشكل عادل ومستدام. وأوضحت أن مبادرات مؤسسات المجتمع المدني، إلى جانب الرقابة الحكومية الفاعلة، يمكن أن تشكل رافعة حقيقية لتحقيق العدالة الاقتصادية.
توصيات الحلقة:
وفي ختام الحلقة، قدمت حموضة مجموعة من التوصيات العملية، أبرزها:
-تعزيز الشفافية في الأجور ورصدها بشكل دوري.
-توسيع برامج التوعية المجتمعية حول مفهوم المساواة في الأجور.
-تطبيق القوانين والتشريعات العمالية بصرامة من قبل وزارة العمل.
-تمكين النساء في مواقع صنع القرار لضمان سياسات أكثر عدالة وشمولاً.
واختُتم البرنامج بالتأكيد على أن تحقيق العدالة الاقتصادية والمساواة في الأجور ليس مطلباً نسوياً فحسب، بل قضية مجتمعية شاملة تشكل ركيزة أساسية لتعزيز التنمية والاستقرار الاجتماعي في فلسطين.
