
بيرزيت – نساء FM- تحت عنوان "الفلسطينيون وحرب الإبادة على غزة"، افتتحت كلية الحقوق والإدارة العامة في جامعة بيرزيت، يوم الاثنين ، أعمال مؤتمر دولي يستمر على مدار يومين، يسلّط الضوء على الأبعاد المختلفة للعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر 2023، والذي يوصف بأنه "حرب إبادة جماعية".
انعقد اليوم الأول من المؤتمر في ملحق معهد الحقوق بالجامعة، فيما خُصص اليوم الثاني لعقد الجلسات عن بُعد بمشاركة أكاديميين وخبراء وحقوقيين من مختلف أنحاء العالم.
إبادة في الحاضر... وتحقيق العدالة للمستقبل
وأكد المنظمون أن المؤتمر جاء استجابة لحاجة ماسة إلى قراءة أكاديمية وحقوقية معمّقة لما يتعرض له الشعب الفلسطيني في غزة، حيث تُوثق يوميًا انتهاكات جسيمة بحق المدنيين، تشمل القتل الجماعي، تدمير البنية التحتية، الحصار، التجويع، والتطهير العرقي.
وأشار المتحدثون إلى أن المجازر التي يشهدها القطاع، رغم كونها ليست الأولى في التاريخ الفلسطيني الحديث، إلا أن خصوصيتها تكمن في حجمها، ووضوحها، وتوثيقها العلني عبر وسائل الإعلام وشبكات التواصل، وسط صمت دولي مطبق يعكس أزمة أخلاقية عميقة في النظام العالمي القائم.

محاور متعددة.. ومقاربات نظرية وتاريخية
يتناول المؤتمر محاور أربعة رئيسية:
الإبادة: نظريات ومفاهيم ومقاربات، ويبحث في الإبادة كظاهرة اجتماعية وتاريخية وقانونية، خاصة في السياقات الاستعمارية، مع مقارنات بين ما يحدث في غزة وحالات إبادة سابقة مثل رواندا والأرمن والإيغور.
الإبادة والحياة اليومية للفلسطينيين تحت الاستعمار، حيث يناقش كيف تؤثر الحرب على تفاصيل الحياة اليومية.
ما بعد الإبادة، والذي يستشرف ما قد يواجهه الفلسطينيون بعد انتهاء العدوان.
تداعيات الإبادة إقليميًا ودوليًا، بما يشمل الأثر على المواقف السياسية، والإجراءات القانونية في المحاكم الدولية.
أهداف المؤتمر: توثيق ومحاسبة وبناء تضامن دولي
في حديثه مع "نساء إف إم"، قال د. أمير خليل، عضو اللجنة القائمة على المؤتمر من كلية الحقوق، إن الهدف من المؤتمر هو تحليل الإبادة من منظور شامل، وتقديم دعائم أكاديمية لدعم الجهود الدولية الرامية إلى وقف الجرائم ومحاسبة المسؤولين عنها.
وأوضح أن المؤتمر يسعى إلى بناء قاعدة معرفية تُمكّن الباحثين من فضح جرائم الاحتلال وتوثيقها، وإلى زيادة الوعي العالمي بالقضية الفلسطينية.
الاستماع الى مقابلة د. خليل :
منصة للتضامن وتبادل المعرفة
أكّد القائمون على المؤتمر أن الفعالية تشكل منبرًا يجمع الأكاديميين، والنشطاء، وصنّاع القرار في نقاش علمي ومفتوح، يدعم التضامن الدولي مع الشعب الفلسطيني، ويعزز بناء شبكات من الدعم الحقوقي والسياسي.
كما يهدف المؤتمر إلى ترسيخ الذاكرة الجماعية الفلسطينية، وتحفيز المبادرات البحثية التي تضع الاحتلال والانتهاكات في سياقات علمية موثقة تساعد في صياغة استراتيجيات جديدة للمقاومة والنضال.
وقال رئيس جامعة بيرزيت، طلال شهوان، في كلمته الافتتاحية: اليوم هو الرقم 577 من العدوان والإبادة التي يتواصل روتينها البشع في بث مباشر أمام مرأى الإنسانية على شكل متوالية من المجازر المفزعة في مرحلة حالكة من التاريخ البشري.
وأضاف: يتقاطع القتل والتجويع وقطع المياه والكهرباء وعزل مليوني إنسان عن العالم، مع القتل والتهجير والاعتقال وتدمير البنية التحتية في جنين وطولكرم والقدس وكافة أنحاء الضفة.
وتابع: يأتي هذا في إطار مشروع استعماري إحلالي استيطاني يسعى إلى ترسيخ واقع الاحتلال والعنصرية والهيمنة، ويأتي التعليم في قلب الإبادة، حيث تدمرت بشكل كلي 142 مدرسة وجامعة ومؤسسة تعليمية، فيما و346 بشكل جزئي، واستشهد 13 ألف من الطلبة، و867 من المعلمين والتربويين و150 أكاديميا وباحثا وتم حرمان 758 ألف طالب من حقهم في التعليم النظامي والعالي.
وقال شهوان: مطلوب منا كفلسطينيين اليوم، توحيد الصف الوطني وتكامل الجهود الأكاديمية والقانونية والسياسية لصياغة استراتيجية جماعية وحدوية تضعنا على طريق النجاة والحرية.
بدورها، قالت عميدة كلية الحقوق والإدارة العامة في جامعة بيرزيت، لورد حبش، "نجتمع اليوم لنرفع صوتنا في قضية تمس عمق إنسانيتنا وجوهر وجودنا جميعا، وبعد مرور 577 يوما ارتبكت خلالها آلاف المجازر وإبادة منهجية للصحة والتعليم والبنية التحتية وكل مقومات الحياة.
وأضافت: "نؤكد أن التاريخ لم يبدأ من السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 فالمجازر والإبادة في غزة هي نتيجة متوقعة لاستمرارية الاحتلال الصهيوني الذي لم يحاسب يوما على احتلاله وجرائمه، حتى بات أطول احتلال في العصر الحديث، هدفت ممارساته منذ إعلان بلفور إلى تصفية وجود الشعب الفلسطيني، ويأتي هذا المؤتمر بهذه المشاركة الواسعة عربيا ودوليا ليعكس دعما واسعا للقضية الفلسطينية، وأن لنا صوت وحق وفعل".
من ناحيته، قال عضو مجلس أمناء جامعة بيرزيت، غسان الخطيب، إن السياسة الدولية والعلاقات بين الدول والصراعات لا تسير وفقا للقانون الدولي والإنساني، إنما وفق قانون الغاب، لذلك تجاهلت الدول ذات الشأن الشراكة القانونية والأبعاد الانسانية والقانونية، وأخذت الأبعاد المتعلقة بمصالحها الاستعمارية.
وأضاف أن جنوب إفريقيا قدمت من الأدلة ما يكفي لإدانة إسرائيل، وأن حراكا شعبيا وأكاديميا في الغرب تعرض لهجمة قمعية على الحريات السياسية، وأن الحرب حكمت بعوامل سياسية إسرائيلية داخلية، وأنه تبعاتها على الضفة اقتصاديا كانت قاسية، كما توسعت وتيرة الاستيطان وتفتيت الوطن وتقييد الحركة والعقوبات الاقتصادية على الأفراد والمؤسسات والسلطة.
من جانبها، قال المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان في فلسطين، فرانشيسكا ألبانيز، "ساعدتني فلسطين في فهم العالم الذي نعيش فيه، وجعلوني أحب هذا العالم. فآباؤهم وأجدادهم، تحملوا الكثير من هذه البشاعة التي جاءت من عالمي أنا، عالم الاستعمار".
وأضافت: "على الرغم من كل الضرر الذي أصاب ويصيب الفلسطينيين إلا أنهم يتعاملون مع العالم بلطف، يعلموننا جميعا الإنسانية".
وتابعت: "فلسطين تعلمنا معنى العالم، لأنها تواجه الاستعمار، المستعمر الصهيوني يريد قتل الفلسطينيين ومستوى الأبرتهايد في فلسطين غير مسبوق".
وقالت ألبانيز: لم يشهد التاريخ وقوفا مع فلسطين كما هو اليوم، هذا الحشد في كل العالم يعني أن الفلسطينيين ليسوا وحدهم، وأن صوت حقوق الإنسان يعلو، صوت واضح على المستوى العالمي يتحدث بقوة ضد الاستعمار، في بلدي ايطاليا نخرج ونقول نحن مع فلسطين، هذا هو العالم الذي أنتجته فلسطين اليوم".
وأضافت: الفلسطينيون تعرضوا منذ وقت طويل للأبرتهايد، منذ خمسينات وستينات القرن الماضي، وأخذنا وقتا طويلا حتى نعي ما يقع في فلسطين، أنا أدعم العدالة لأجل فلسطين، هناك من طردوا من جامعاتهم وأعمالهم من أجل كفاحهم مع فلسطين، من المهم إحداث التغيير الذي يوقف التعامل مع الاحتلال لأن هذا أمر يؤثر علينا جميعا".
وتحدث مدير المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان في غزة، راجي صوراني، عن ازدواجية المعايير مع ما يحدث من إبادة في غزة، وهذا عار غير مسبوق، وأن يعطى الاحتلال الحق في ممارسة الإبادة الجماعية تحت مرأى ومسمع العالم أجمعه، كما تم تهديد المحكمة الجنائية الدولية وسط صمت دولي.

وجاءت الجلسة الأولى تحت عنوان: الإبادة الجماعية: نظريات ومقاربات وتداعيات، أدار الجلسة وعقب عليها، ابراهيم ربايعة، فيما قدم عصام عيروط وهند حموش مداخلة "التدمير الممنهج لمؤسسات التعليم العالي في قطاع غزة: الخسائر المعرفية والثقافية"، فيما قدم محمد ماثي "استكشاف الإبادة الجماعية الحديثة في غزة في السرد التوراتي ما قبل الحديث"، وتحدث مصطفى عبد الباقي عن "جرائم اسرائيل ضد الشعب الفلسطيني: من التمييز العنصري إلى الابادة الجماعية"، وبصيرة موسى "الإبادة الجماعية والبنية التحتية للمياه: تسليح المياه في فلسطين".
كما جاءت الجلسة الثانية بعنوان: المقاومة والذاكرة والتوثيق. إدارة وتعقيب ايهاب بسيسو، قدمت فيها دنيا الطيب وغادة المدبوح " ولنا في الايماءات حياة: في الرواية الايمائية الفلسطينية بعد حرب الابادة على غزة"، فيما تحدث بيل ويليامسون بورقة "مستقبل من الماضي: سياسات الذاكرة والأمل وإعادة الإعمار في غزة"، وتحدثت رينا صفير حول "دور الجامعات في رفع الوعي وتعزيز القانون الدولي في خضم حرب الابادة الجماعية على غزة"، بينما تحدث سعيد بدوي عن "الانتظار كفعل صمود في زمن الإبادة الجماعية: جماليات المقاومة الفلسطينية"، كما تحدث أحمد غون وعبيد الله بشار وعصمة ونور أكناش بورقة "سياق الإبادة الحضرية في غزة: مراجعة منهجية.
فيما تناولت الجلسة الثالثة طاولة مستديرة: غزة إلى أين: التحديات والآفاق؟ تحدث فيها تحرير الأعرج وعصام يونس وغسان أبو ستة وبالكريشنان راجاجوبال وشعوان جبارين، أدار الجلسة والحوار باسم الزبيدي.
بينما حملت الجلسة الرابعة عنوان: الإبادة والاستعمار من منظور القانون الدولي وانهيار للقيم الإنسانية. أدارت الجلسة والتعقيب هالة الشعيبي، وقدم فيها جون كويجلي ورقة "ثلاث إبادات جماعية: رحلة محام عبر تاريخ كئيب"، فيما تحدثت ايناس الشعيبي عن "منظمات العمل الإنساني التي تقودها النساء في غزة"، وآمنة ميمي حول "نهاية العدالة الدولية: انهيار النظام الليبرالي الدولي والإبادة الجماعية في غزة"، وتحدث أشرف صيام ولونا الحامد حول " حق الرعاية البديلة للطفل اليتيم في القانون الدولي والفلسطيني: أطفال قطاع غزة كحالة دراسية"، وجيف هاندماكيرا حول "التعبئة القانونية نحو المساءلة عن الإبادة الجماعية"، فيما تحدث كارلوس ميراندا بمداخلة "لافندر: الذكاء الاصطناعي كدليل على نية الإبادة الجماعية".

دعوة إلى المجتمع الدولي
وفي ختام الجلسات، جدد المتحدثون الدعوة إلى المجتمع الدولي لتحمّل مسؤولياته القانونية والأخلاقية في مواجهة جرائم الإبادة التي تُرتكب بحق الفلسطينيين، مطالبين بإجراءات عاجلة لوقف العدوان ومحاسبة المتورطين أمام المحاكم الدولية، مؤكدين أن الشعب الفلسطيني لا يحتاج فقط إلى تضامن معنوي، بل إلى دعم فعلي وملموس نحو العدالة والحرية.
