
رام الله-نساء FM- تتنوع الدوافع والمبررات خلف كل قضية قتل أو تغليفها بمظاهر الانتحار أو غيره، وكما يرى مركز المرأة للإرشاد القانوني والاجتماعي في دراسة خاصة لعام 2023 التي تأتي تحت عنوان "قتل النساء في المجتمع الفلسطيني/ هل تنتحر النساء؟!!"، فإن "قضية قتل أي إنسان إنما هي قضية أخلاقية مجتمعية وحقوقية قانونية، وغير خاضعة لاعتبارات التمييز على أي أساس"، وهكذا تصنيف يعني بالضرورة مواصلة الجهود واستمرار العمل لتسليط الضوء على ظاهرة قتل النساء ووضعها كقضية عامة ومجتمعية على بساط البحث والنقاش المجتمعي، وعلى طاولة صناع القرار وراسمي السياسات، لأنها من القضايا المركزية لضمان أمن وسلامة وقوة المجتمع الفلسطيني.
وترجع الدراسة التي أعدها الباحث نبيل دويكات مسؤول البحث والمناصرة في مركز المرأة تحول ملابسات حالات القتل للتعديل القانوني الذي ألغى العذر المخفف للقتل على خلفية الشرف وأصبحت تصنف أغلبية الحالات كانتحار أو سقوط من علو أو الضغط على الضحية للانتحار بعد رصد وتسجيل بعض المحاكمات للقتلة وعدم استفادتهم مما كان يسمى "العذر المحل والمخفف" حيث تبين خلال إجراءات المحاكمة سقوط هذا العذر بعد التعديلات التي أجريت على قانون العقوبات وبالتالي لم يعد "القتل على ما خلفية ما يسمى الشرف" مبررا لعقوبة مخففة على قتل النساء.
هل يمكن اعتبار انتحار النساء ظاهرة اجتماعية، هل حالات الانتحار بين النساء في حالة ازدياد؟ يقول دويكات معد الدراسة: "هذا المفهوم يلفت الانتباه خلال العشر سنوات الأخيرة من رصدنا وتوثيقنا لظاهرة قتل النساء في المجتمع الفلسطيني. وحتى تتضح الصورة بشكل أوضح فإننا نشير إلى أنه ومنذ عام 2004 فقد رصدنا ووثقنا قتل (329) امرأة وفتاة. وهذا عدد كبير جدا إذا أخذنا بعين الاعتبار تأثيراته وانعكاساته، ليس على النساء فحسب، بل أيضا على الأسر والمؤسسات الاجتماعية المختلفة".
هذا ورصد مركز الارشاد القانوني والاجتماعي منذ عام 2007 وحتى نهاية العام 2022 مقتل 289 امرأة وفتاة، 97 حالة منها تم تصنيفها كحالة انتحار، أي بنسبة 34%.
"إن ظاهرة الانتحار هي ظاهرة وحقيقة اجتماعية، ولذلك فإنه لا يمكن تفسيرها وتحليلها إلا بحقائق اجتماعية، وهي أكثر من مجرد حقيقة وظاهرة فردية، لأن أنماط سلوك الأفراد يجري تشكيلها وصياغتها مجتمعيا، رغم كونهم أفرادًا ويعتبرون أنفسهم يتمتعون بكامل الحرية والإرادة، فالحقائق الاجتماعية وخاصة التيارات الاجتماعية مستقلة عن الفرد وقاهرة له. إن التغير في معدلات الانتحار يرجع إلى التغير في الحقائق الاجتماعية، وبشكل أساسي التيارات الاجتماعية التي تلعب دورًا في تسبيب الانتحار، حيث كل مجموعة اجتماعية لديها استعداد جماعي للفعل، خاص بها، وهو مصدر الاستعداد الفردي وليس نتيجته. وهو يتكون من تيارات من الأنانية، والإيثار أو اللامعيارية تتخلل كل المجتمع. هذه النزعات للجسم الاجتماعي ككل، وبتأثيرها على الأفراد تدفعهم إلى الانتحار" هذا ما يقوله عالم الاجتماع اميل دوركايم.
وقالت الصحفية عبير البرغوثي في حديث "لنساء إف إم" يتضح من النظرة المعمقة للبيانات الواردة في الدراسة أنه من بين الـ ٥٧ حالة قتل التي رصدها المركز خلال عامي 2021- 2022، كان هناك 25 حالة منها في الفئة العمرية بين 19 – 29 عاما، أي بنسبة 44٪، تلتها الفئة العمرية من (10) أعوام إلى (18) عاما حيث كان عددها (13) حالة في الضفة الغربية وقطاع غزة خلال العامين وبنسبة (23%). وهذه مؤشرات خطيرة على صحة وأمن المجتمع الفلسطيني/ لأهمية هذه الفئة العمرية ضمن الهرم السكاني سواء بالضفة الغربية او قطاع غزة.
النسبة الأكبر لحالات القتل تتم داخل الأسر
كما في مختلف الدراسات التي تناولت هذا الموضوع، يبقى الزوج او القريب المباشر في الأسر الأكثر تأثيرًا في حالات القتل، فقد كشف تقرير المركز عن دور صلة القرابة بين الضحية والقاتل، حيث احتل الزوج النسبة الأعلى من بين نسب القتلة حيث قتلت (4) ضحايا من بين (21) ضحية مصنفة تحت مفهوم القتل على يد زوجها، أي ما نسبته (19%)، بينما تساوت النسب بواقع (14%) لكل منها عندما كان الأخ هو القاتل (3) حالات، الأب (3) حالات، قتل النفس (3)، التي وردت تحت مفهوم القتل الخطأ عن طريق عبث الضحية بالسلاح، الأمر الذي يكشف الدور البارز لصلة القرابة بالحالات بشكل عام، ويكشف أن الأولوية للعمل تبدأ من الأسرة بكافة مكوناتها.
