
نساء FM- أناغيم زغيبي- "لا أشعر بالأمان... أعاني من أوجاع نفسية وجسدية، أحتاج إلى راحة طويلة الأمد لأستجمع ما تبقى مني..."، في عتبة تابعة لشقتها الصغيرة جلست هدى "اسم مستعار"، وبدأت بالحديث عن ما تتعرض له نتيجة لجلوسها بالمنزل بعد جائحة كورونا.
كانت هدى تعمل في تنظيف المنازل وهي أم لأربعة أطفال أكبرهم لم يبلغ سن العاشرة بعد، نظرا للظروف المادية التي مر بها المواطنون جراء أزمة فيروس كورونا استغنت العائلات التي تعمل لديها عن خدماتها، توقف زوجها عن العمل على عربة المشروبات ومن هنا بدأت المشكلة، لم تكن هدى ترى زوجها في السابق إلا لساعات قليلة، لأنها كانت تقضي معظم ساعات النهار في العمل بعيدة عنه، بينما أطفالها في المدرسة وبعد فترة الظهيرة كانت تقوم بتلبية احتياجاتهم ومتطلباتهم وتقوم بتدريسهم،" لم أكن أشعر بالوقت كما أشعر الآن، كنت أعلم أنني أعيش مع وحش ولكنَ انشغالي بالعمل وبأطفالي كاد أن ينسيني حقيقة الرجل الذي أعيش معه في المكان نفسه، "أشعر أنني سجينة "، تقول هدى أن أي تصرف أو كلمة تخرج منها كفيلة بأن تتسبب في مشكلة حقيقية تجعلها أسيرة في السرير لعدة أيام!
"أطفالي بحاجة للعلاج"
تحاول هدى تجنب افتعال المشاكل مع زوجها خاصة أمام أطفالها، فهي تدرك أن هذا الاضطراب الذي يحصل أمامهم لن يمر مرَ الكرام على نفسيتهم، كما تدرك جيدا كم من الصعب حذف مشاهد العنف الأسري من ذاكرة الأطفال، في الآونة الأخيرة بدأت هدى تلاحظ أن أطفالها يتصرفون تصرفات غربية لم يفعلوها من قبل، ألعابهم سلوكهم ونبرة صوتهم تتغير، وكل طباعهم تميل إلى العنف والشراسة، "أخشى ما أخشاه أن أصل إلى مرحلة من العجز لا أستطيع بها حماية أطفالي وأقف عاجزة أمام خوفهم"، "أطفالي بحاجة للعلاج".
وعند سؤالها عن عدم تفكيرها بالانفصال عنه قبل ذلك واللجوء إلى الجهات المختصة لمساعدتها تقول هدى" أنا أعيش هنا وحدي، فأهلي يعيشون بالأردن منذ سنوات طويلة وأنا أضعف من التفكير في الانفصال والعودة إلى والديَ مستوري الحال بأربعة أطفال دون دخل مادي، كنت أفضل أن أعيش بالخوف والظلم على أن أكون عبئا يوما ما ولكن الوضع الحال أصبح أكثر تعقيدا من قبل"، كانت تشعر هدى أن أمر الانفصال مستحيلا وأن زوجها مريض بطباعه حسب وصفها، يلتصق بها كخصلة من شعرها يصعب التهرب أو الفرار منه وأنها أصبحت مجبورة أن تتعايش هي وأطفالها مع هذا الخوف وكأنها تعيش مع قنبلة موقوتة ممكن أن تنفجر وتلحق أهل البيت بالدمار الشامل بأي وقت.
تعيش هدى الآن رعبا مع زوجها وتنتظر عودة الحياة كما كانت وعودة أطفالها إلى الروضات والمدارس أكثر من غيرها، ولكنها ليست حالة استثنائية، يوجد في العالم أكمله ملايين النساء مثل هدى، يتعرضن للعنف الأسري، ويعد العنف الأسري من أكبر انتهاكات حقوق الإنسان وقد زاد تفاقم هذه الظاهرة مع جائحة كورونا، حيث أن 243 مليون امرأة حول العالم تعرضن خلال الأشهر الماضية لعنف جسدي أو جنسي من قبل شريك الحياة أو أحد أفراد العائلة حسب تقرير نشرته الأمم المتحدة حول تعنيف النساء ويذكر أن الأرقام الحقيقية قد تكون أعلى بكثير، حيث أن هذه البيانات تصدر من الجهات المختصة بمساعدة هذه الفئات، وتوجد الكثيرات مثل هدى لا يصل صوتهن إلى أيّة جهة مختصة بسبب الخوف من الفضيحة برأيهن!
" العود هو الحل؟"
تمارس هدى هواية العزف على العود منذ طفولتها وترى فيها الوسيلة الوحيدة للتفريغ عن ما بداخلها، "عندما أنتهي من أعمالي المنزلية ومتابعتي للأطفال وبعد نومهم، يخرج زوجي عند أصدقائه للعب الشدة بعد يوم طويل من المشاكل والخلافات والصراخ والإهانات، وهذا أكثر وقت مفضل لدي، أجلس على عتبة البيت الصغيرة مع كأس من القهوة وآلة العود وأبدأ بالعزف كي أنسى ما مررت به طيلة اليوم."
وفي تلك الليلة تحديدا قررت هدى أن تتوقف عن عزف وجعها وضعفها وهزيمتها، كما تفعل كل ليلة، قررت التوقف عن عزف خوفها من الآتي القريب والبعيد، قررت أن لا تواسي ندوبها الكثيرة بنوتاتٍ مؤقتة، وأن لا تنتفض مجددا كلما الهواء طرق بابها ظنا منها أن وحشها أتى، قررت هدى أن تحمي أطفالها وأن تتوقف عن ظلمها لنفسها بكل ليلة تكون فيها مع رجل يغتصب أحلامها وطموحها وقلبها قبل جسدها، رفضت هدى أن تكون رقما من أرقام النساء المعّنفات، وهي الآن على أول عتبة بطريقها للنجاة قررت هدى البوح أخيرا وهي تدرك كم طريقها طويلة لكنها تؤمن بأنه سيمر.
